في عصر الفضاء المفتوح تسارعت الكثير من الدول، وخصوصا القطاع الخاص بها، إلى إطلاق فضائيات تعكس وجهها الحضاري وتقاليدها وعاداتها أمام العالم، الذي أصبح قرية صغيرة، تقلب مداخلها ومخارجها بريموت كنترول.
وبنظرة متفحصة ومتأملة على بعض القنوات العربية نجد عددا لا بأس به من برامج هذه الفضائيات يهتم بالشأن العام السعودي، الحافل بالقضايا والموضوعات، التي تتم مناقشتها بواسطة إعلاميين سعوديين، وغير سعوديين. لا يختلف اثنان على أن المجتمع السعودي، شأنه شأن غيره من المجتمعات العربية، «منجم» موضوعات صحافية وإعلامية. والذي لا يختلف عليه اثنان أيضا أنه «منجم إعلانات»، فيا ترى ما هي حاجة «يعقوب» لمخاطبة ود السعوديين ومغازلة أسواقهم؟ولعل المتابع لهذه البرامج، التي تضبط مواعيد بث برامجها حسب التوقيت السعودي، يتساءل عن أسباب هذه المغازلة الصريحة بهذا العدد الكبير، وأحيانا المبالغ فيه، من البرامج المتنوعة، ولعب دور الوصي على الشارع السعودي من خلال تقديم النصائح والوقوف على المشكلات التي تواجهه، فهل السوق الإعلاني السعودي يقف وراء هذا الاهتمام المبالغ فيه، وهل القضايا التي يتم طرحها هي بالفعل تحاكي الشارع السعودي؟
أم أنها مجرد صورة زائفة لا أساس لها من الصحة؟ (الحواس الخمس) ينقب في منجم هذه التساؤلات، كاشفا إجاباتها عبر السطور التالية.
تقدم قناة (الآن) برامج عدة موجهة للمرأة السعودية في محاولة منها لتصحيح النظرة المغلوطة عنها؛ منها برنامج (السعوديات غير)، الذي تقدمه الإعلامية مها الشلبي، الذي يلقي الضوء على انجازات ومساهمات المرأة السعودية في تطوير المجتمع، وبرنامج (شلتنا)، الذي يسلط الضوء على هموم الشباب السعودي، وأيضا (بينا الو) الذي يستعرض آخر الأخبار التكنولوجية.
وعن أسباب اتجاه قناة (الآن) لإنتاج ثلاث برامج موجة للشارع السعودي تقول مايا كرباج، مديرة العلاقات في القناة: تهتم الفضائية بالمرأة العربية بصفة عامة، ولذلك تسعى ضمن اهدافها إلى إبراز دورها، في مجتمعاتنا، وبعد دراسات وأبحاث أجرتها القناة، رأينا أن هناك أفكارا خاطئة ومغلوطة عن المرأة السعودية.
وأن الإعلام العربي لا يسلط الضوء على الجوانب المشرقة من حياتها، الأمر الذي دفعنا بالتوجه إليها ببرامج تخاطب اهتماماتها، وتتبع خطى نجاحها مثل (السعوديات غير)، ولابد أَن يعرف الرأي العام المحلي والعالمي أن المرأة السعوديةَ قد تبوأت مكاناً بارزاً في مختلف المجالات، لما تتمتع به من كفاءة وتأهيل تجعلها مثار إعجاب واهتمام الآخرين.
وتضيف مايا: اهتممنا أيضا بفئة الشباب، ورأينا ضرورة اطلاق برامج تناقش قضاياهم وهموهم، عبر برنامج (شلتنا)، والذي يعد الأول من نوعه في السعودية، ويتناول القضايا المهمة والحساسة التيألاتهم جيلهم، وهذا البرنامج يعد منبراً ليُعبروا بكل حرية عن رأيهم في كل الموضوعات المتعلقة بهم، موضحة أنه نسبة إلى رغبتنا في الانفتاح على المجتمع السعودي.
والمشاركة في الأحداث التي تؤكد النهضة الكبيرة التي يشهدها أطلقنا برنامج (بينا الو) بحلة سعودية، الذي يعرض أسبوعياً ويلقي الضوء على آخر أخبار التكنولوجيا والهواتف المتحركة وإكسسواراتها. ويلخص آخر التطورات في أسواق الهواتف المتحركة والاجهزة التكنولوجية في الأسواق السعودية.
وعن المساحة المتوافرة للإعلاميين للتحدث بكل جرأة عن القضايا السعودية تقول: هناك مساحة كبيرة لمناقشة قضايا المجتمع السعودي، ونحن نجد الدعم من وزارة الإعلام السعودية، لأننا نحترم قيم وعادات المجتمع السعودي وتقاليده، ونعمل على تكريمه وتسليط الضوء على نجاحاته وإنجازاته، فنحن نناقش الموضوعات بايجابية.
ونقدم حلولاً، ولكن لا نسعى الى طرح موضوعات مثيرة للجدل كي نفتعل ضجة اعلامية، فالإعلامي يمكنه مناقشة أي موضوع بمهنية وحرفية دون المس بثوابت الناس وإثارة بلبلة، أما عن كيفية عدم الوقوع في فخ المحاذير بالمجتمع السعودي تقول مايا: إدارة قناة (الآن) تتبنى الإعلام الهادف الذي يعمل على دعم المجتمعات العربية، وهذا ما يميزنا، حيث نسلط الضوء على إنجازاتها ومناقشة اهتماماتها.
ولا نسعى وراء الموضوعات المثيرة للجدل، بل نعمل على المعالجة وطرح القضايا مع أصحاب الاختصاص والخبرة، ونقدم حلولاً ونصائح تفيد المشاهد، كذلك نحرص على احترام خصوصية وتقاليد المجتمع السعودي، وجميع المجتمعات العربية.
بهذه الطريقة نحقق هدفنا، ونوصل الرسالة دون المس بأشخاص لديهم قصص مثيرة للجدل، أو عرضهم أمام الملايين من المشاهدين دون نتيجة ايجابية طمعا في لفت الانتباه وإثارة الجدل.
ولأن هناك خطوط حمراء لا يستطيع أي إعلامي أن يتخطاها عندما يتحدث عن القضايا بالمجتمع السعودي، وخصوصا الشائك منها، فالعقوبات وقتها تصبح وخيمة، وهذا تحديدا ما حدث مع برنامج (أحمر بالخط العريض)، الذي كان يذاع على قناة (إل بي سي) عندما استضاف شابا سعوديا تحدث عن مجموعة من الحلول للمشاكل الجنسية بشكل فاضح.
وخادش لحياء المجتمع والمشاهد، والخروج عن العادات والتقاليد الإسلامية، واعترف علناً بممارسة المعصية، والسعي إلى تكوين علاقات محرمة مع الفتيات من خلال اصطيادهن من الأسواق والمجمعات التجارية عبر تقنيات الهاتف النقال، ومن ثم الالتقاء بهن في شقة جهزها خصيصاً لذلك الغرض.
مما أثار حفيظة السعوديين الذين قاموا برفع دعوى ضد الشاب والبرنامج التلفزيوني، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مكتب القناة في جدة بالشمع الأحمر، ووقف بث البرنامج.
على الرغم من أن قناة (إم بي سي) تعد محطة سعودية، إلا أنها لا تقدم برامج موجهة للشارع السعودي، وإنما تخصص جزءا من فقرات برامجها لمناقشة القضايا السعودية من بينها برنامج (كلام نواعم)، وبرنامج (صباح الخير ياعرب)، وغيرهما من البرامج الهادفة.
القنوات المصرية تغرد خارج السرب
قد يتساءل عدد كبير من المشاهدين عن السر وراء ضبط معظم المحطات الفضائية لمواعيد برامجها حسب التوقيت السعودي، وكأن بقية الدول العربية غير مؤهلة لأن تعلن عن برامجها حسب توقيتها، هنا نقف حائرين أمام هذه الهيمنة والسطو الإعلامي متسائلين عن الأسباب الحقيقية وراء اختيار هذا التوقيت، وعن تبني بعض البرامج للقضايا السعودية والتحدث عنها بشكل دقيق لتلعب دور الوصي والناصح الأمين للمواطن السعودي.
تعددت الأسباب وراء الاهتمام غير المسبوق والمغازلة الصريحة للشارع السعودي، والتي يندرج من ضمنها كون السعودية قبلة المسلمين في جميع أنحاء دول العالم، والسبب الثاني قد يعود لعدد سكان الدولة الذي يتجاوز ال25 مليون نسمة، والسبب الأقرب إلى الصحيح هو هيمنة السوق الإعلاني السعودي، كونه سوقا واعدا واستثماريا من الدرجة الأولى، تحاول مختلف المحطات الفضائية إرضاءه.
ولفت الانتباه لها، من خلال هذه البرامج، وطبعا التوقيت السعودي، بينما اختارت القنوات المصرية أن تبتعد عن هذه المنافسة معلنة خروجها من تحت مظلة السوق السعودي، والانغماس في القضايا المتعلقة بها فقط .
دبي- عبادة إبراهيم

