وراء عدسة الكاميرا ينتظر اللحظة التي يقع فيها الكادر على كنز، فيضغط ليلتقط، ويضيف إلى أرشيفه، لا يصنع أرشيفًا بل هو الأرشيف نفسه، يحكي بالصورة عن كبار السياسيين والفنانين بمصر في النصف الثاني من القرن العشرين.. فاروق إبراهيم، المصور الصحافي الأشهر، وعين الكاميرا التي لا تنام، لم يحصل على شهادة عليا، لكن موهبته جعلته يمتلك أكبر مكتبة مصورة لأشهر شخصيات مصر.. « الحواس الخمس» في حوار مع عدسته بالكلمة والصورة.

كان يهرب من المدرسة، يذهب إلى خاله الذي كان يعمل في مطبعة جريدة «المصري» وعمل كمساعد مصور في الجريدة، وكان أجره الأول قرشين، ولم يكن في هذه الأيام يعلم أنه سيكون واحدًا من أهم المصورين في العالم العربي..يتحدث قائلا: اسمي فاروق إبراهيم أبو العلا، ولدت في حي الربع بمنطقة السيدة زينب، وسط القاهرة، عام 1938، كان لي 3 إخوة وأخوات، لكنهم ليسوا أشقائي، شجعتني والدتي على ممارسة هواية التصوير.كيف انتقلت من مرحلة المساعد إلى مرحلة المصور؟كان المصور، الخواجة زخاري، رئيس قسم التصوير في جريدة المصري، وقد طلب مني العمل معه ساعيًا، وكانت فرصتي الذهبية حين يغيب الخواجة.

ومن معه فترة قصيرة يتناولون فيها الغداء، فكنت أتأمل الكاميرات وأحاول أن أجرب تقليد المصورين، فيخدمني القدر عام 1952 حين قامت مظاهرات الطلاب أثناء غياب العاملين بقسم التصوير.حيث قام الطلاب بقلب عربات الترام أمام الجريدة، ويطلب مني أن أسارع في تصوير المظاهرات، والترام المقلوب، فكان سبقًا صحافيًا وأول صورة بالصدفة، وأتحول من مساعد إلى مصور لأول مرة.

حليم بالصور

33 ألف صورة صوّرتها لعبدالحليم.. كيف التقيت به؟

تعرفت على العندليب في حفلات حديقة الأندلس عام 1953، وكان في بداية مشواره الفني، ولم أكن أعرفه جيدًا، وعندما كنت أقوم بتصوير نجوم الغناء وقتها كان يأتي ليقف بجانبهم، حتى يظهر في الصورة.

وعلى الفور عندما شعرت بتكرار هذا الموقف منه نهرته بشكل حاد، لكني فوجئت برد فعله الذي كان رقيقًا، فقال لي: لا تغضب من تصرّفي هذا، فأنا مطرب ولكني في بداية مشواري، وأفعل هذا حتى يعرفني الناس.

شعرت وقتها برقته، وأحسست أنه يستحق أن يكون معروفًا، ومنذئذ لم تفترق عنه عدستي، وصرنا أصدقاء، فقد علمني حب العمل، الطموح بلا سقف، فن التعامل مع الناس.

ما هي أبرز صفات حليم؟

كان دائم الحزن على الرغم من شهرته وحب الناس له، لكن هذا لم يعوضه عن مأساته وآلامه التي شعر بها، ولم يستطع أن ينسى أنه تربى في الملجأ.

ما أول صورة قمت بالتقاطها للعندليب؟

كانت في مطار القاهرة وكان عائدًا من الخارج في رحلة علاج في بداية مرضه، وعندما نزل من سلم الطائرة ووجدني، احتضني بشدة، وكنت أقف بجوار الموسيقار محمد عبدالوهاب، وسجلت هذا المشهد بعدستي الخاصة، وطلب مني حليم وقتها أن أرافقه في كل جولاته ورحلاته لأكون مصوره الخاص.

ننتقل إلى مرحلة كوكب الشرق، كيف كانت علاقاتك بها؟

أم كلثوم هي التي أخذتني من حليم؛ لأصبح مصورًا لها، وبالفعل وافقت أن أكون مصورها، لكن دون أن أترك حليم، وقد أمرتني أن أظل معها في كل تحركاتها.

لماذا غضبت منك أم كلثوم؟

لأني التقطت لها صورًا أثناء سقوطها على مسرح «الأولمبيا» في فرنسا، عندما قام أحد المعجبين بتقبيل قدميها فسقطت، لكن ما أغضبها مني هو أنني كذبت عليها، وقلت لها إنني لم أصور هذه المشاهد، وعندما علمت غضبت مني غضبًا شديدًا، لكني على الفور اعتذرت وسامحتني.

ما رأيك إذن في تجسيد شخصية أم كلثوم دراميًا؟

المعالجة في مسلسل أم كلثوم كانت خطأ، وصابرين على الرغم من أنها ممثلة جيدة، إلا أنها لم تجسد سوى جانب واحد في أم كلثوم، وهو «أم كلثوم المطربة»، لكنها لم تجسد «أم كلثوم الإنسانة» ولم تجسد كواليس حياة «الست».

هل عشت هذه الكواليس التي لم يطرحها المسلسل؟

المسلسل لم يطرح روح الفكاهة التي كانت تتمتع بها السيدة أم كلثوم، كذلك فإن أم كلثوم كانت تنام في مخزن الفيلا في الصيف؛ لأن الجو بالداخل كان لطيفًا، فقد كانت تخشى التكييف حتى لا يؤثر على صوتها، وكان من عادتها.

وهي تقرأ الشعر أن تضع إصبعها في فمها حين تقرأ بيتًا مؤثرًا، فتعض على إصبعها حتى تترك أسنانها بصمات على إصبعها، كذلك لم تأكل إلا من «الحلة» مباشرة؛ لأنها عاشت فلاحة وماتت فلاحة.

ما أهم صورة تعتز بها للسادات، وأهم البلاد التي زارتها كاميراتك؟

أعتز بجميع صوري مع السادات، لكن هناك صورة نادرة جدًا تجمع السادات بالشيخ زايد وهو يحتضنه وأنا سعيد جدًا بهذه الصورة، كما أنني أعتز بزياراتي لدولة الإمارات العربية، فقد جاء ذات يوم إليّ «رجاء ملاوي»، المستشار الإعلامي للشيخ زايد.

وطلب مني أن أكون مصورًا للشيخ زايد في بداية حكمه، وعلى الفور انتقلت إلى الإمارات، لكني كنت صغيرًا وقتها، والشيء الوحيد الذي أعادني إلى مصر هو أن المصور في الإمارات ينادونه بالعكّاس، فلم أفهم الاسم، وكان يضايقني، فعدت إلى مصر، وندمت على قرار تركي الإمارات.

من كان مثلك الأعلى؟

كان إحسان عبدالقدوس أبي الروحي، فقد كان يوجهني في كل شيء، ولا أنسى لقبه الغالي لي عندما أهداني كتابًا كتب في إهدائه «من أديب الكلمة إلى أديب الكاميرا»، لكن عباس العقاد كان مثلي الأعلى، وقدوة كل مثقف أو فنان، وقد عرفني عليه الأستاذ أنيس منصور؛ حيث ذهبنا إليه، وعشت معه 16 شهرًا قبل وفاته،.

وتعلمت من وجودي معه الكثير في هذه الفترة القصيرة، والمدهش أنني لم أقرأ له كتابًا واحدًا، واكتفيت بقراءة العقاد نفسه، فقد كنت أناديه بالخال، كان صعيديًا، لا يحب الكذب، رفيع الأخلاق، وعندما رويت له قصتي قام وانحني لي قائلاً: «ربنا أنعم عليك بهذا» وأشار إلى عقلي.

مطار بن جوريون

عن أهم رحلة في حياته يقول فاروق : كانت مع الرئيس الراحل «أنور السادات»، عندما ذهبنا إلى إسرائيل؛ لأني وقتها كنت أجهز كتابًا عن حياة الرئيس، فأخذت منه إذنًا بمرافقته 3 شهور، لكن المدة امتدت إلى 16 شهرًا

صور تنبض بالحياة

يقول ان الصورة قديمًا كانت تمثل الحياة، وكانت أهم مفردات الصحافة، أما حاليًا مع ظهور القنوات والتقارير المصورة، فقيمة الصورة الفوتوغرافية قد قلت، لكنها لم تفنى.

شيخ المصورين

عن الألقاب يقول : أطلق عليَّ الكثير من الألقاب، فمثلاً أطلق عليَّ مفيد فوزي «لص الثواني» أما صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى فقال إنني جزء مهم من تاريخ مصر، لكني أعتز بلقب «شيخ المصورين».

خدمة: دار الإعلام العربية