أمراض عديدة توطنت في جسد الدراما العربية لسنوات طويلة، ظهرت أعراضها في ظواهر كما النجم الأوحد، والمخرج الأشهر، وكذلك الكاتب الذي ينافس النجم والمخرج في شهرتهما، ما أبقى مفاتيح اللعبة في عدد محدود من الأيادي..
ولأن الدراما ما هي إلا واجهة للمجتمع الذي ينادي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بالتغيير، بدت في الأفق ملامح تغيير فني قضت على الظواهر المريضة، فظهرت البطولات الجماعية. والإخراج المشترك.. أيضا ورش الكتابة المشتركة وورش صناعة شباب الفنانين.. تجارب دخلت مرحلة الظهور بدلا من العمل من الباطن وتجلت بوضوح في مسلسلات (الست كوم)، الورش الفنية لم تركز فقط هذا العام على كتابة السيناريو بل تشارك بممثلين تدربوا فيها ويستعين بهم النجوم في أعمالهم التي يجهزونها للموسم المقبل. ليس الهدف حاليا هو تقييم تجربة الكتابة الجماعية من خلال ورش السيناريو، بل رصد الظاهرة.
ومدى نجاحها، خاصة بعد أن لجأ عدد كبير من النجوم إلى الاستعانة بالورش الفنية لكتابة عدد هائل من المسلسلات؛ حيث بدأت التجربة العام الفائت على استحياء بمسلسلي قانون المراغي، كلام نسوان اللذين كتبتهما ورش سيناريو جماعية.ومسلسل خاص جدا الذي شارك في كتابته عدد من المؤلفين الجدد مع السيناريست تامر حبيب.. فقررت الفنانة يسرا التعامل مع ورش السيناريو في مسلسل بالشمع الأحمر، بعد نجاح تجربتها العام الفائت. إلهام شاهين أيضا تدخل مسلسل امرأة في ورطة عن طريق نص مكتوب من خلال ورشة سيناريو، كذلك اتجه الفنان عمرو واكد إلى ورشة سيناريو لمسلسل أبواب الخوف.
لن تلغي الكاتب !
أثار هذا التوجه الحميد تساؤلات عديدة في الأوساط الفنية، هل ستستمر الورش الفنية في السيناريو والتمثيل، هل ستفيد الدراما أم أنها قتل بطيء للكاتب المتميز، والممثل الموهوب، هل تعد حربا على كتّاب لم يعد لديهم ما يقدمونه، ما المعايير التي يتم على أساسها اختيار الفنان أو المؤلف المشارك؟..
والواقع كما يؤكد السيناريست محمد حفظي أن تجربة مسلسل السيت كوم راجل وست ستات تعتبر بداية نجاح قوية للورش الفنية عامة.
وورشة السيناريو خاصة، لكنه يؤكد أنه لا يوجد فعليا حتى الآن ما يُسمّى ورش السيناريو؛ ذلك لأن السيناريو الصحيح، الهوليودي، يتمثل في تطوير السيناريو المكتوب مقدما، بمعنى أنه بعد شراء السيناريو من كاتبه الأصلي، فلنا كل الحق في إدخال أي تعديلات نراها عليه.
وقد يصل الأمر إلى إحضار سيناريست آخر لتعديل السيناريو إلى أن نصل به إلى مرحلة الكمال، وليس من حق مؤلف العمل الأصلي الاعتراض على ذلك؛ لذا فلا داعي من الأصل لوجود ورش لتعديل أو كتابة السيناريو.
يضيف: إن الورش الخاصة بكتابة السيناريو لن تلغي دور الكاتب الدرامي، فكثير من الأعمال لا تتحمل ورشا درامية، بل ستظل مكانة الكاتب الدرامي محفوظة، لاسيما أن هذه الورش تعاني من مشاكل عدة أولها عدم قدرة القائمين على إدارتها على التواصل والاحترافية.
وهذا لا يعني أنها فاشلة، لكنها غير مجدية، والدليل على ذلك فشل العديد من مسلسلات الست كوم والدراما أيضا، لكن من وجهة نظر صناع العمل هذه الأعمال ناجحة ليستمروا في حصد الأموال من ورائها.
دماء جديدة
لكن السيناريست سمير الجمل، مدير مركز السيناريو والفنون بجريدة الجمهورية، يدافع عن أهداف المركز قائلا: إنه تم إنشاؤه بغرض الدفع بدماء جديدة في شرايين الفن، وأن دورته الأخيرة كانت تحمل اسم صلاح أبو سيف، وهو من رواد فكرة إنشاء ورش السيناريو والفنون.
حيث تم الاستعانة بنخبة من الخبراء والمتخصصين لتعليم الكتاب الجدد والهواة مبادئ كتابة السيناريو حتى يكتب كل منهم على أسس صحيحة، كذلك استعان المركز بعدد كبير من الخبراء والفنانين منهم المخرج عمر عبد العزيز، الكاتب محفوظ عبد الرحمن، الفنان محمود عبد العزيز، الناقد رفيق الصبان، المخرج عاطف بشاي.
مشيرا إلى أن السوق تستوعب أكثر من ذلك بكثير، وأن هذه الورش تحقق أحلاما معطلة لشباب وفتيات يريدون دراسة التمثيل أو كتابة السيناريو؛ لأننا أصبحنا في حاجة ماسة إليهم، لكن لا بد أن يكونوا في الوقت نفسه تحت رعاية نخبة من الأساتذة والمتخصصين.
أكثر من قبطان
إلا أن السيناريست محمد الباسوس يرفض بدوره ورش كتابة السيناريو، ويستثني ورش التمثيل؛ لأنها حسب رأيه تنمي الموهبة التمثيلية لكل فرد على حدة بعكس ورش السيناريو التي لا تخلق مبدعا، فلا بد أن يكون هناك كاتب واحد لكل سيناريو، كما يوجد مخرج واحد لكل عمل تلفزيوني أو سينمائي.
مشيرا إلى أن انتشار هذه الورش أسهم في تدهور الأفلام المصرية وصناعة السينما؛ لأنها تعطي الفرصة للجميع أن يؤلف دون أن يمتلك الموهبة التي تؤهله لذلك، ما جعل معظم الأفلام التي تقدَّم تظهر في صورة مشوهة.
وأكد أن ورش السيناريو ليست الحل الأمثل لتقديم أعمال درامية جيدة؛ لأن تولّي شخص واحد دفة المركب يعد أقل ضررا من المأساة التي تحدث بوجود أكثر من قبطان لمركب السيناريو الواحد، فكيف يتم توجيههم وكيف يتم انتقادهم أيضا؟
لذا فالمسلسل الذي تكون حلقاته متصلة، لا يمكن أن يكتبه أكثر من مؤلف، عكس مسلسل الحلقات المنفصلة التي تسمح بأن يضع كل مؤلف خلاصة فكره وإبداعه.
والدليل على ذلك أن المؤلف عمرو سمير عاطف كان يشترك بصفة مستمرة في ورش كتابة السيناريو، لكن عندما أراد تقديم عمل درامي بحت قام بكتابته بمفرده.
وأضاف أن ظاهرة الورش الفنية ستزيد من تدخلات النجوم في تعديل سيناريو العمل؛ حيث أصبح هذا الأمر موضة، خاصة أن صناع الدراما من الشباب يقومون بعمل تعديلات خاصة بالنجوم فقط على حساب الممثلين الدرجة الثانية؛ لذلك فإن مسلسلات الست كوم هي الأنسب للورش الفنية.
وهذا ما نجح فيه عمرو سمير عاطف عندما جمع شمل العديد من المؤلفين، منهم وائل حمدي، ولاء شعبان، وقدموا جميعا مسلسلات ست كوم ناجحة.
صلاحية منتهية
وعلى الرغم من الاعتراضات إلا أن المخرج أحمد خضر يؤكد أن ورش السيناريو معترف بها في كل دول العالم، وأن هناك أعمالا تتوافق مع هذه الورش.
وأخرى لا تتفق معها كالأعمال الفكرية التي لا تحمل سوى وجهة نظر صاحبها، فلا يصلح معها أن تخرج من ورش السيناريو، لكن مسلسلات مثل الست كوم تتماشى مع فكرتها عكس أعمال الكاتبين أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوي.
وأضاف هذه الورش تستطيع إخراج كتاب محترفين على مستوى عال إذا تمَّ تدريبهم تحت إشراف متخصص ينقلهم من مرحلة الهواة إلى الدارسين حتى يصلوا إلى الاحتراف، وقتها سيتفوقون على الكتاب الذين شاخت أفكارهم، وأصبحت لا تصلح للطرح بعد أن انتهت صلاحيتهم وهم القلة الذين يهاجمون هذه الورش حاليا دون سند ملموس على إخفاقها.
تستحق التشجيع
ويبدو أن الانفتاح السينمائي يواكبه نمو في أعداد الورش الفنية، وهذا ما أشار إليه الناقد د. وليد يوسف في أن الورش أصبحت ضرورة.
ويجب تشجيع القائمين عليها؛ لأنها تنشر الثقافة السينمائية من جهة، وتؤهل الكوادر الشابة بشكل علمي وعملي من جهة أخرى، وتعد طوق نجاة للممثل؛ حيث تساعده على تطوير أدواته، لأن الفن يعتمد على الموهبة والدراسة في آن.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


