«الفِراشة» مهنة الأقمشة ورصِّ الكراسي والترابيزات في المناسبات المختلفة، يسطع نجمها في الأفراح والأحزان، تخدم الغني والفقير، وتتفاوت أسعارها من زبون إلى آخر، تزدهر في مواسم الانتخابات، وتُعد فترة الامتحانات والندوات الخاصة بالأحزاب أخصب أوقاتها.
ولكنها كالكثير من المهن المماثلة أصبحت تواجه خطر الانقراض بعد انتشار الأندية، الفنادق، ودور المناسبات التي تهدّد وجودها. أسرار وأسعار وحكايات مهنة (الفِرَاشة) نستعرضها عبر السطور التالية. يقسم أصحاب محال الفراشة في مصر أنفسهم حسب إمكاناتهم، فهناك «الفراشة التقليدية» التي عرفها المصريون فقراء وأغنياء، وهناك «الفراشة الحديثة» التي يعرفها صفوة المجتمع من رجال أعمال ووزراء وأمراء؛ ويُعد السيد نصّار، صاحب محال «فراشة نصار» من أشهر متعهّدي حفلات الشخصيات الكبرى في المجتمع المصري والمجتمعات العربية، تليه فراشتا عاشور، وخضر؛ حيث ابتعد الثلاثة عن (الفراشة التقليدية).
والتي تُفرش في الشوارع والحواري والأزقة، بل أصبحوا يعتمدون على الزبائن «الهاي كلاس» فقط، باستخدام عِدد وأدوات وفرش حديثة؛ حيث يقومون باستيراد معظمها من ألمانيا، على الرغم من أن آباءهم كانوا حريصين على استخدام «الخيّامية» المشغولة باليد. لكن قلة عدد الصُناع الذين يقومون بتصنيع هذه الخيامية أعطى الفرصة؛ لانتشار الأقمشة المطبوعة، خصوصا أن الصُناع الجدد افتقدوا أصول المهنة، وفضلوا تصنيع بعض الأنواع وبيعها لتجار خان الخليلي؛ لتسويقها للسائحين الذين يتوافدون من أجل اقتناء بعض القطع.
رواج
لاقت «الفراشة» في مصر رواجا كبيرا بعد العدوان الإسرائيلى الأخير على لبنان؛ حيث اتجه الكثير من الخليجيين لإقامة حفلاتهم في مصر بعد ضرب بيروت، وكان معظم الزبائن رجال أعمال أجانب، ما جعل أصحاب المحال الكبرى يحصدون أرباحا هائلة، جعلتهم يُدخلون «الفوتيه» الفندقي بدلاً من الكرسي التقليدي.
تفتح هذه المهنة العديد من أبواب الرزق للصُناع المحترفين الذين يصعدون سلالم خشبية طويلة يزيد ارتفاعها على 8 أمتار، وأحيانًا 10 أمتار، بخلاف «السُّفرجيَة»، و«الويتر»، ما يجعل باستطاعتهم إقامة 10 مناسبات في اليوم الواحد.
وفوق كل هذا وضع أصحاب محال الفراشة قوانين خاصة بهم فقط، فلا يستطيع أحد منهم التعدي على عمل الآخر، أو على المنطقة التي يعمل بها، كما يفرضون على الزبون بعض أنواع «التراكات»، أي قطع القماش المعدة خصيصا للفراشة، فهناك التراك السنان المصنوع يدويا، الذي لا يتم فرشه إلا عندما يتوفى أحد أصحاب محال الفراشة فقط.
أو عندما يطلبه أحد الزبائن بالاسم، خصوصا أنها غالية؛ حيث يصل سعر القطعة الواحدة إلى 10 آلاف جنيه؛ حيث يرجع ارتفاع ثمنها إلى عدم وجود صُناع لهذه النوعية بالذات، والموجود منها ـ حاليا- يعود تاريخه إلى 80 عاما.
أسعار متفاوتة
أما أسعار «الباكيات» الخاصة بالسرادقات، وهي الجزء الذي يقع بين عمودين من الخشب تتوسطهما قطعة من قماش الفراشة، فتتفاوت حسب نوعية الزبون، فهناك أنواع تبدأ الباكية فيها بـ 2000 جنيه.
وهي عبارة عن 5 أمتار * 5 أمتار، وهناك التراك الإنجليزي «اللوتس»، وتصل فيه سعر الباكية إلى 500 جنيه، بينما هناك تراك «آيات» مطبوع عليه أسماء الله الحسنى، وآيات قرآنية، وسعره أغلى من التراك الإنجليزي، وتصل فيه سعر الباكية إلى 1000 جنيه، ويتميز هذا النوع بوجود شريط في أحد الجوانب، وبه قطعة جلد تسمى ب«الكوشة».
أما تراك «البلبيس» فله زبائن معينة، هم في معظم الأوقات من سكان المحافظات والأماكن الريفية؛ حيث تبدأ سعر الباكية من 450 جنيها، وتصل -أحيانًا- إلى 800 جنيه، حسب قدرة الزبون المادية على تحمل مصروفات فراشة كاملة تصل في بعض الأوقات إلى 20 باكية وأكثر. وتختلف الفراشة الخاصة بالمسلمين عن المسيحيين.
حيث يفضل المسيحيون التراكات المطبوع عليها صور «مار جرجس، العذراء، الملائكة» في مناسبات العزاء، أما في الأفراح فلا يفرقون بين نوعيات التراكات، أما الدعاية الانتخابية الخاصة بأحد المسيحيين، فيرفض المرشح تعليق تراكات خاصة بديانته؛ حتى يشعر الجمهور بالوحدة الوطنية، وتعود النتائج بشكل إيجابي على المرشح في النهاية.
أفراح
وكما تخترق الفراشة العزاء، فإنها تتمتع بتاريخ طويل في الأفراح، والعجيب أن كوارث الفراشة تحدث في الأفراح ولا تحدث في العزاء، خصوصا الأفراح التي تحضرها راقصات؛ إذ تقع المشاجرات التي تؤدي- أحيانا- إلى تكسير الكراسي، الترابيزات، الكؤوس.
وقد تصل المأساة ذروتها، فيقوم أحد المتشاجرين بإشعال النار بالفراشة، ما يصيب صاحب محل الفراشة بأضرار كبيرة تتعدى المليون جنيه، خصوصا أن جميعهم يرفضون التأمين عليها ضد المعارك والتلف.
سماسرة
مهنة الفراشة مثل كل المهن التي اخترقها الوسطاء، وأصبحوا يطلقون على أنفسهم «متعهدين»؛ حيث يحصلون على نسبة تتراوح بين 10% و20% من الأجر الذي يحصل صاحب محل الفراشة عليه؛ فيتقاسمون معه المكسب، ما دعا الكثير منهم إلى الاستعانة بأكبر عدد من الوسطاء؛ حتى لا يتوقفون عن العمل يوما واحدا في الأسبوع، بعد أن كانوا يعملون يوما، ويجلسون أمام محالهم أياما طويلة.
شخصيات مهمة
قد يكون لمهنة الفراشة الفضل في توطيد جسور التواصل مع الشخصيات العامة في الدولة، وهذا ما يؤكده «السيد نصار»، صاحب محال «فراشة نصار» الشهير بالقاهرة.
حيث إنه قام بفرش أفراح لشخصيات مهمة تكلفت مليوني جنيه، بعد أن طلب أصحابها شراء كراسي وترابيزات مخصوصة، وتكلف الفرح بأكمله 30 مليون جنيه، كما قام بفرش أفراح وحفلات 90% من الوزراء وكبار المسؤولين، كذلك أشهر حفلات رجال الأعمال مثل:
(مصطفى السلاب، محمد أبو العنين، أحمد عز)، وقام بفرش الخيمة التي حضر إليها «بيل جيتس» بالهرم، إضافة إلى فرش مؤتمرات عدة بنوك، وشركات محمول.
أما علي عاشور، صاحب محال «عاشور» للفراشة؛ فيقول إنه يقوم بفرش جميع المناسبات لكبرى العائلات في مصر، ومنها عائلة فاروق عبدالمنعم، صاحب مجموعة شركات وعائلات (أبو عيطة، غالي، الدعور، والي)، كما أقام سرادق العزاء الخاص بالمذيع أحمد فراج.
كما أقام عددا كبيرا من السرادقات لحفلات تابعة لجهات كبرى في الدولة، لكنه يترك سرادقات الامتحانات الخاصة بالتربية والتعليم؛ لأنها كانت تكلفه كثيرا.
وليست ذات جدوى، ولا يحصل على المقابل إلا بعد أعوام، فيضطر إلى الخضوع إليها مرة ثانية؛ حتى يستطيع الحصول على مستحقاته، وفي النهاية قرر عدم التعامل معها بعد أعوام طويلة من العمل في جامعات (عين شمس، القاهرة، حلوان، بنها).
فن يحتضر
يعد فن الخياميةـ التطريز على أقمشة القطن السميكة باستخدام مجموعة من الألوان الزاهية، والخيوط البارزة على الجداريات ـ العمود الأساسي في مهنة الفراشة.
ويعد من أهم الفنون التي تشتهر بها مصر دون غيرها من الدول العربية، وتحتضنه منطقة «تحت الربع» بوسط القاهرة، إلا أن هذه المهنة تعيش في أيامها الأخيرة بعد أن حاصرها الفقر، وقل الإقبال عليها،.
كما أن منافسة التكنولوجيا الحديثة ليد الصانع الماهر تقضي على هذا الفن، إضافة إلى زيادة سعر الخامات الأصلية؛ حيث لم تفكر الدولة في وضعها على خريطة اهتماماتها، حتى أصبحت إحدى المهن التي تحتضر، ومازالت تبحث عن منقذ.
القاهرة: دار الإعلام العربية


