عوالم من البهجة والمتعة رافقت مسرح الدمى لمسرح سالزبورج النمساوي في عرضه (صوت الموسيقى) الذي يعتبر الأول من نوعه في الإمارات ضمن مهرجان أبوظبي الذي تقيمه مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون.
وعوالم أخرى من الذكريات رافقت الكبار الذين حضروا العرض، فقد أعاد هذا العرض، وما فيه من موسيقى وأغانٍ جميلة حفظها أطفال العالم في الستينات والسبعينات، إلى ذاكرة الفيلم الرائع الحائز على جائزة الأوسكار عام 1965م، ويحمل الاسم ذاته.يبدأ العرض الذي قدمه مسرح سالزبورج؛ بظهور مجموعة راهبات في أحد الأديرة، وهن يقمن بتنظيف الأرضيات، بينما يظهر من خلف ستار المسرح صوت الشابة ماريا، وهي تصدح بصوت ملائكي جميل معبرة عن حبها للموسيقى، وتتوالى أحداث العرض، وتظهر شخصية الراهبة الأم، وهي تطلب إلى ماريا مغادرة الدير.
والعمل كمربية لدى عائلة الكابتن جورج فون تراب، الذي تركته له زوجته المتوفاة 7 أطفال مشاكسين، وعلى العكس من المقالب التي تدور في القصة الأصلية، والتي ينفذها هؤلاء الأطفال بالمربية الجديدة؛ يقفز عرض الدمى على هذه المرحلة ليقارب بين ماريا وبينهم بعد دقائق قليلة من التعرف إليهم.وأدائها معهم للأغنية الشهيرة النوتات الموسيقية (دو ري مي)، وتتوالى الأحداث ويعشق الأطفال هذه المربية التي تخفف عنهم صرامة أبيهم، ونظامه البطريركي القاسي، لترتبط في آخر المطاف بجورج الأب ويصبح لقبها (ماريا فون تراب).
لقد استطاع مسرح سالزبورج من خلال مسرح الدمى أن يقدم عرضاً جميلاً لصوت الموسيقى، وقد برع محركو الدمى المختفون أعلى وخلف كواليس المسرح في محاكاة الحركات البشرية من حركة ورقص وغناء وانفعالات بصورة محترفة ومتوافقة مع سير النص.
وكان تغيير الديكورات والمشاهد يتم بصورة جميلة وسهلة دون إشعار المشاهد بحركات الأيدي التي تقوم بتغيير الخلفيات والديكور، كما كانت حركات الدمى من جانبها الكوميدي أثناء المواقف المضحكة تتم بصورة محترفة.
على الرغم من السينوغرافيا المحترفة باستخدام التقنيات المتقدمة لمبدأ الفانوس السحري القديم وانعكاسات الشاشة الخلفية التي نفذت بصورة هندسية تتيح للمشاهد رؤية الحركات من كل الجوانب؛ إلا أن هناك عاملاً سلبياً كان واضحاً في اختيار المكان- مسرح أبوظبي- وهو ليس خطأ فرقة العرض، فمنصة العرض التي لا تتجاوز أمتارا عدة،.
وأحجام الدمى التي يتراوح طولها بين 20 سنتم- 80 سنتم، جعلت من الصعوبة بمكان أن تشاهد من مكان أبعد من الصفوف العشرة الأولى للمسرح، بينما استمتع مشاهدو المقاعد الخلفية بصوت الموسيقى فقط، دون شعور المتعة البصرية، وربما لو نفذ هذا العرض في مسرح لا تتجاوز المقاعد فيه 100 مقعد.
وهي المسارح العامة الصغيرة التي لا تتوافر في العادة بالعاصمة أبوظبي، وعدا مسألة المشاهدة من مقاعد المسرح الخلفية التي أشرنا لها؛ لكان العرض متكاملاً من نواحي الصوت والموسيقى والغناء وتحريك الدمى المحترف والإضاءة.
يعود أصل حكاية (صوت الموسيقى) لمذكرات النمساوية ماريا فون تراب التي كتبتها عن حياتها الشخصية في الأربعينات لتظهر على شكل مسرحية قدمت في مسارح النمسا عام 1959م، لتقوم شركة (فوكس) الأميركية للإنتاج السينمائي بإنتاجها عام 1965م كفيلم سينمائي حقق شهرة واسعة ونال 5 جوائز أوسكار.
وينقذ الشركة المنتجة من كارثة الإفلاس التي كانت تهددها آنذاك بعد الفشل الذريع للفيلم ذي الإنتاجية الضخمة (كليوباترا)، فلقد بلغت إيراداته أثناء عرضه آنذاك 158 مليون دولار- تبلغ 1 مليار دولار بأسعار اليوم.
- وقد أزاح صوت الموسيقى فيلم (ذهب مع الريح) عن عرش شباك التذاكر آنذاك، ويحمل (صوت الموسيقى) المرتبة الثالثة في إيرادات شباك التذاكر في تاريخ السينما العالمية.
وقد استطاعت الممثلة الأميركية الساحرة جولي أندروز أن تترك بصمات لن تنسى بصوتها الملائكي وأدائها لموسيقى وأغاني الفيلم بصورة راقية ظلت محفورة في أذهان ملايين البشر في أصقاع العالم.
كما استطاع المخرج العالمي روبرت وايز صاحب الرائعة السينمائية (قصة الحي الغربي) إنجاز فيلم يبقى الأهم في تاريخ الأفلام الموسيقية والغنائية الاستعراضية، وهو ما دفع مكتبة الكونغرس الأميركية للاحتفاظ بنسخة أصلية من (صوت الموسيقى) باعتباره أرشيفاً وطنياً ثقافياً ينبغي الحفاظ عليه.
أبوظبي - محمد الأنصاري


