جمعة عبيد الليم، مدير إدارة متابعة المحتوى الإعلامي، يرفض مصطلح الرقابة على الأفلام باعتبارها كلمة غير مستحبة ومرفوضة في الدول المتطورة، وهي بالفعل من وجهة نظره غير موجودة في قاموس لجنة السينما التي تشاهد الأعمال وتسمح لها بالتداول داخل دولة الإمارات.
الخطوط الحمراء في عالم الأفلام تعني لديه التوازن والانفتاح على أحداث العالم، بمعنى أنه لا يمنع كل شيء، وفي التوقيت نفسه لا يسمح بكل شيء، وعلى الرغم من قلة عدد طاقم العمل لديه، 6 أشخاص، لكنه في العام 2009 أفرج عن 232 فيلما، ومنع ما لا يتجاوز عن 10 أعمال لا تتلاءم مع الدين والعادات والتقاليد، مقابل فيلمين حتى الآن في 2010 لاعتماد موضوعهما على مشاهد جنسية. في حواره مع (الحواس الخمس) أكد جمعة أن بعض الدول في المنطقة تعتبر موافقة الإمارات على عرض الأفلام بها مؤشرا للإفساح بعرضها خليجيا، وأن طريقة عمل إدارته يحددها قانون المطبوعات والنشر الذي ينظم أيضا عملية استيراد الأفلام وعرضها منذ إنتاجها في بلد المنشأ حتى تصل إلى الصالات.
وأضاف: يجب على صاحب العلاقة أخذ تصريحات لمزاولة استيراد وعرض الأفلام، وتقديم عقد (الشركات الأم)، التي توزع تلك الأعمال وتوافق على عرضها داخل الدولة، لأن لدينا قانون لحفظ حقوق المؤلف، حيث يتم بعد ذلك إخطارنا لتقوم لجنة السينما بأخذ اسم الفيلم وشركة توزيعه للتأكد من أن صاحب العلاقة هو المنوط بجلب تلك الأفلام، وتجرى تحريات للتأكد من صحة المعلومات مع أخذ ملخص عن فكرة الفيلم وتصنيفه (رعب، عنف، كوميدي، رومانسي)، وتبدأ لجنة السينما في مشاهدة العمل كاملا من دون حذف لتصنيفه مرة أخرى لأننا لا نلتزم بتصنيف بلد المنشأ لاختلاف المسموح لديها عما نسمح به، فمثلا تصنيف 18 عندهم يمرر احتواء الفيلم على لقطات تعري وألفاظ خارجة ونحن نمنع ذلك، ثم تقدم لجنة السينما ملاحظتها على العمل ليتم التصريح بعرضه في الإمارات.
معايير الأفلام... وحول معايير تعامله مع الأفلام التي تقترب من ثالوث (الجنس والدين والسياسة) قال جمعة: بنود قانون المطبوعات والنشر حدد ما هو خارج عن الدين، وما هو ضد العادات والتقاليد، أو ما هو منافٍ للآداب العامة، وعلى ضوء الموجود في اللوائح يتم التعامل مع محتوى الأفلام التي تقيمها لجنة السينما وتخضعها للقانون، مع إحداث توازن يتناسب مع التطور التكنولوجي الحادث في العالم، بمعنى أننا لا نمنع كل شيء، ولا نسمح بكل شيء. ويواصل جمعة حديثة مضيفا: مشاهدة أي فيلم تتم مرة واحدة، إذا كان لا يحتوي على ملاحظات، أما إذا كانت هناك تعقيدات أو يحتاج إلى مراجعة ثانية فيطلب من صاحب العلاقة تجهيزه في اليوم التالي بعد تنفيذ الملاحظات، وتقوم لجنة أخرى بمشاهدته، ونعتمد أحيانا على العنصر النسائي في بعض اللجان لأن لديهم وجهات نظر مختلفة خاصة بالعائلة والأطفال، وكل أعضاء لجنة السينما عددهم (6) ومعظمهم خريجو إعلام يشاهدون يوميا من فيلمين إلى ثلاثة داخل صالتين بسينما الغرير وسيتي سنتر، ونتيجة الضغط أو إعادة التقييم لفيلم معين يتم الاستعانة بأفراد من قسم الفيديو.
معنى الإسقاط
أين تكمن صعوبة الأفلام؟
يجيب مدير إدارة المحتوى الإعلامي قائلا: في الأعمال التي تعتمد على إسقاطات، مثلا شاهدنا أخيرا فيلما عن الأساطير وصراع الآلهة والأقوى منها يسيطر على الجميع، وينقذ البشر من الخراب والكذب، وتأتي الإسقاطات بأمور ترتبط مباشرة بالذات الإلهية، وهنا نستعين بمتخصصين من أقسام أخرى على المصنفات الدينية، ويستعينون بآخرين من الشؤون الإسلامية لتحديد كيفية التعامل مع تلك الأفلام، والمطلوب لعرضها أو منعها، وهناك إسقاطات على توجه سياسي قد يمس دولة قريبة أو شقيقة، وهنا يحتاج الأمر إلى أكثر من رأي ووجهة نظر ومشاهدة للفيلم مرتين وثلاث حتى يتم اتخاذ القرار المناسب والقاطع.
وإضافة إلى ذلك هناك أيضا شكاوى الجمهور في الصحف أو البث المباشر بالإذاعة من تجاوز أصحاب دور السينما وعرضهم لأفلام دون تنفيذ ملاحظات لجنة السينما، ونتعامل مع هذه الشكاوى لمعرفة كونها حقيقة أو كيدية، فكثرة صالات السينما في الدولة تصعب على الطاقم المحدود الذي يعمل لدينا متابعتها، وأخيرا تلقيت من خلال خدمة (الأمين) في شرطة دبي ملاحظات الجمهور حول فيلم معين، وفي اللحظة نفسها تحرك أعضاء من لجنة السينما إلى الفجيرة وعجمان والشارقة ودبي، ووجدوا أن الفيلم يعرض بعد تطبيق الملاحظات عليه، وأصبح الأمر الذي يستحق الرصد هو تقييمات الناس التي تختلف حسب توجه وثقافة وتعلم وعمر الشخص وجنسيته.
طريقة التقييم
يرى جمعة أن تقييم الأعمال يأتي وليد اللحظة، فهناك كما يقول أفلام كرتون ورسوم متحركة جنسية لا نسمح لها بالدخول إلى الإمارات، لمعرفتنا بتوجهها والغرض منها، ولا أقصد الغرض منها عرضها في صالات السينما بل تأتي إلينا للإفراج عنها ك(دي في دي) في الأسواق، وهناك أيضا الأفلام ذات التوجه السياسي والديني لأحزاب أو تيارات دينية، ومعروف ما الذي تريده والهدف منها ونحن نرفضها، وأصبح لدى أصحاب شركات التوزيع في دبي التجربة والوعي والخبرة بما هو يمكن الموافقة عليه وما يمكن أن يتعرض للمنع.
ومتابعة محتوى الأفلام في الإمارات كما يصرح مديرها موجودة فقط في دبي باعتبار أن أغلب الشركات المستوردة موجودة بها، وبالتالي إذا رأينا كإدارة أن فيلما عليه ملاحظات توقف عرضه يتم رفعه إلي الإدارة العليا في أبوظبي، ونعطي صاحب الفيلم حق التظلم خلال 15 يوما ويعرض الفيلم مرة أخرى في أبوظبي للإقرار بالإفراج عنه، كما هو أو بالتقطيع، أو يتحفظ عليه ويمنع عرضه في الدولة.
خصوصية القرار
وحول تصريح الإمارات بعرض فيلم مثل (المملكةـ The Kingdom)، والذي يتناول حادثة تفجير منشأة أميركية في السعودية في الوقت الذي رفضته قطر والكويت، قال جمعة: كل دولة لها الحق في اتخاذ القرار الذي يتماشى مع خصوصيتها وقانونها وسياستها، بل إن هناك أفلاما عربية تعرضت للمنع في دول خليجية وعرضت عندنا مثل فيلم (معلش إحنا بنتبهدل) لأحمد آدم الذي تناول الأوضاع خلال حرب العراق، هذا بخلاف أعمال أخرى أجنبيه تعرضت لسياسة أميركا في العراق.
وعرضناها وتم منعها خليجيا في بعض الدول باعتبار أميركا دولة صديقة، وعلى المنوال نفسه تأتي أفلام مايكل مور والتي تأخذ موقفا مضادا من سياسة أميركا الداخلية والخارجية، فالمجتمع لدينا منفتح على ما يحدث عالميا ويحوي الكثير من الجنسيات والثقافات المختلفة، ولا أذيع سرا إذا قلت أن بعض الدول في المنطقة تعتبر موافقتنا على عرض الأفلام مؤشرا للإفساح بعرضها خليجيا.
أرقام وإحصائيات
يذكر جمعة عن إحصائيات عام 2009، أنه قامت إدارة المحتوى الإعلامي بالمشاهدة والتصريح ل128 فيلما ناطقا باللغة الإنجليزية، و59 فيلما هنديا، و30 فيلما عربيا، إضافة إلى 15 عملا ناطقا بأكثر من لغة مختلفة معظمها من إيران، بعد أن قام أصحاب شركات التوزيع بتسديد رسوم لإصدار تصاريح بالعرض لها وقيمتها 500 درهم للفيلم الواحد.
بإجمالي وقدرة 116 ألف درهم عن عام 2009، كما تم رفض أقل من 10 أفلام لعدم تناسبها مع ديننا وعادتنا وتقاليدنا، كما تم إخطار الشخص صاحب العلاقة بأن هذه الأفلام تحتاج إلى تعديل، لكن الشركات الكبيرة عادة ترفض ذلك وتصر على قبول العمل كما هو أو رفضه، وفي الثلاثة شهور الماضية من العام 2010 تم رفض فيلمين لاحتوائهما على مشاهد جنسية ولا يمكن عرضهما وإلا يحدث خلل في موضوعهما.
تعديلات القارئ
وتساءل (الحواس الخمس) عن ملابسات عرض فيلم (القارئ ـ The Reader) العام الماضي وهو من النوعية نفسها التي تعتمد على المشاهد الجنسية، فأجاب جمعة: الفيلم قامت ببطولته النجمة الانجليزية كيت وينسلت، حيث أدت دور حارسة معسكرات النازي.
وفيه بعض لقطات عري أو مشاهد ساخنة، وحصدت عنه جائزة الأوسكار أفضل ممثلة للمرة الأولى، وتم بالفعل حذف كل هذه المشاهد عند عرضه بالإمارات وتصنيفه فوق 18 ووافقت الشركة الموزعة له على عرضه بعد إجراء تعديلات عليه حتى لا يبدو مشوها.
ويفقد سياقه الدرامي وخيوط قصته الأصلية، والشركات هنا لديها الإمكانيات لعمل المونتاج اللازم والمطلوب، ومن المعروف أن وينسلت قررت عدم تمثيل مثل هذه المشاهد الساخنة مرة أخرى، لأن أولادها ليسوا صغارا، ولابد أن تحترم مشاعرهم وألا يرونها في لقطات قد تخجلهم أو تشعرهم بالاستياء أمام الآخرين.
هوليوود والصهيونية
وأكد مدير إدارة محتوى الأفلام حول الأعمال التي تغازل إسرائيل بقوله: بشكل عام لا نسمح لليهود والصهيونية تمرير أعمالها في صالات السينما بالإمارات، على الرغم من معرفتنا بأنهم يسيطرون على هوليوود عاصمة السينما في العالم، وبالتالي لا يمكن صناعة أفلام ضدهم، لكننا نتابع ما يقدمون، ونرفض الكثير من نوعية هذه الأعمال التي تحاول كسب تعاطف الجمهور تجاه قضية ما تعرضوا له من تعذيب ومحارق على يد النازية.
وحول سؤال عرض صالات السينما الإماراتية فيلم (تحدي ـ Defiance) في توقيت هجوم إسرائيل على غزة وهو عن معاناة اليهود مع النازية، وهل هناك وجهة نظر وراء السماح بعرضه في هذا التوقيت؟
قال جمعة: كانت الصورة المزيفة في هذا الفيلم الذي حاول إثارة التعاطف مع اليهود خلال هروبهم وتصديهم للجيش النازي، منافية تماما لحقيقة الجيش الإسرائيلي وبشاعة ما أقدم عليه من مجازر في أحداث غزة، وممارساته العنف دوما ضد الفلسطينيين، فتحولت مشاهد الدموع والقهر لضحايا اليهود إلى لقطات كوميدية جالبة للضحك والسخرية في صالات السينما المحلية.
وبالعكس كانت الموافقة على عرض الفيلم رسالة إيجابية موجهة للعالم، حيث قلبت الموازين وفضحت الوجه القبيح لليهود، الذين يستنكرون المحارق التي تعرضوا لها وفي الوقت نفسه يمارسون قتل وحرق الأطفال والناس العزل في فلسطين.
حوار- أسامة عسل



