مثل كاهن أو سادن قادم عبر بوابات الدهور إلى زماننا الحالي؛ تمتد رحلة النحات المصري العالمي آدم حنين لتمثل وهج حضارة موغلة في القدم، فقد تشبعت روحه بالحضارات الإنسانية القديمة من ثنايا وعبقرية أجداده الفراعنة، وكأن طيفاً أو روحاً لازمته منذ ولادته لتسكن فيه وتدفعه نحو فضاءات الفن الحر الذي ينتهج التصوف مسلكاً له غير آبه لسرعة الزمن أو مفردات الأمكنة، فكان بحق (كاهن النحت) و(أنجلو الشرق) دون منازع، (الحواس الخمس) التقى النحات آدم حنين خلال معرضه الذي يقام حالياً بقصر الإمارات ضمن مهرجان أبوظبي الذي تنظمه مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون ودار هذا الحديث:

أمضى آدم قرابة نصف عمره في الغرب وتحديداً في عاصمة الفن العالمي باريس، وعلى الرغم من نيته، وكان ذلك عام 1971م، بأن يستقر بمدينة النور سنة واحدة ليمضي بعدها إلى مشروعه الفني الذي كان يعده، وهو دراسة الفن ما قبل الكولومبي في المكسيك؛ إلا أن تلك السنة امتدت لتطول قرابة الربع قرن، ولكنه مع ذلك لم ينسَ جذوره الفرعونية والشرقية، ويؤكد ذلك بقوله: ما دام لدي هذا التراث الخصب؛ فلماذا أذهب إلى الغرب، ويضيف في الموضوع ذاته ضمن حديث سابق إلى صديقه إدوار الخراط: لم أكن أجهل ما كان يحدث خارجاً في العالم، وكان هذا يعطيني نوعاً من الحرية، ولكني كنت أقيس كل ما أراه على ضوء النحت المصري القديم، الذي كان أصبح حجر زاوية لحكمي على الأشياء، لذا لم أشعر بأنني منجذب حقاً إلى السوريالية أو التكعيبية أو حركة أخرى.

استطاع آدم حنين أن ينطلق من المحلية إلى العالمية وقد منحته أيام هجرته إلى باريس مزيداً من الوهج والتألق في عالم النحت، لكنه مع ذلك ظل مرتبطاً بحركة النحت العربي غير بعيدٍ عنها؛ يقول في ذلك: تواصلت مع معظم النحاتين العرب أثناء وجودي في باريس وتعرفت إلى تجاربهم، وكنت على تواصل دائم مع الحركة الفنية العربية، غير منقطع عنها، أما الأسماء التي اهتممت بتجاربها فهي كثيرة ولعل أبرزها تجربة النحات اللبناني الجميل شفيق عبود. يضيف آدم: لقد كانت باريس ورشة عمل وذات حركة جنونية في التحديث في مختلف مجالات الفن، ومنها النحت، فهناك التجارب تحترم وتأخذ مسارها بين مختلف التيارات، وقد منحتني باريس حرية الانطلاق في عوالم رحبة لا يقيدها شيء، بينما يتمحور الفن التشكيلي، لدى الكثير، من الفنانين المصريين حول نفسه، حيث أقولها صراحة إننا نغالي كثيراً بمصريتنا ومحليتنا، وهذا يقيد من حالة الإبداع التي تتطلب الاحتكاك والتمازج الدائم مع الآخر؛ لا لاعتبارات التأثير فقط بل للتأثر أيضاً، وهو ما منحتني إياه باريس وإقامتي في الغرب.

تنطلق فلسفة المنحوتة لدى آدم من منظور نحت الأنوار ويشرحها باختصار بقوله: لقد تبادرت هذه الفكرة إلى ذهني منذ سنوات، فأنت حين تنظر إلى المنحوتة ترى النور الذي يحيطها وهو ما يشعرك بالإعجاب والدهشة، ووجدتُ أن المادة الخام إنما تكون أداة لإيصال ذلك النور للمتلقي، فأردتُ أن استحوذ عليه وأجعل الخامة تطاوعني في ذلك، وعند اختياري للمادة الخام التي اشتغلت عليها بهذه الفكرة وجدتُ أن (الجبس) ذا العمر القصير نسبياً لاعتبارات تقنية وبيئية؛ هو الأصلح لتنفيذها وهو ما نفذته في معرضي الذي أقمته بالقاهرة قبل سنوات سنوات.

استطاع آدم حنين أن يؤسس بعد عودته من باريس عام 1996م لواحد من أبرز المشاريع النحتية في العالم العربي وهو (سبموزيوم أسوان للنحت الدولي) الذي بات ملتقى لأشهر نحاتي العالم والعالم العربي؛ يقول في ذلك: لقد حاولت من خلال هذا الملتقى أن أعيد لمصر مقوما أصيلا من مقومات جمالها وهويتها، فلقد كنت أخجل من نفسي حين يحدثني بانبهار فنانون فرنسيون وأجانب عن الفن الفرعوني، فن النحت على الحجر، وكانوا يستغربون من عدم التواصل معه، والنظر إليه كفن عظيم محبوس داخل جدران المعابد والمتاحف.

لا يهتم آدم حنين بتفاصيل المنحوتة من نواحيها الهندسية؛ بل يركز جلّ اهتمامه بالكتلة وما تؤسس له من منظور جمالي، ويتعامل الفنان مع أحجار الصوان والجرانيت وغيره من الأحجار الصلدة من منظور التحدي فهو يرى فيها أسراراً يستنطقها، بينما يرى في البرونز بلاغة تظهر على سطح المنحوتة وسحر له من يفك طلاسمه، مثل منحوتات رودان كما يقول الفنان، إلا أن الأحجار بأنواعها كانت شغل آدم حنين الشاغل، فهو يرى في كل قطعة منها عملاً جاهزاً للتنفيذ، وكأن الحجر ينادي على أزميل آدم مفصحاً عن كينونته.

أما من حيث الشكل فهو كما أسلفنا يبتعد عن التفاصيل التي يرى فيها زوائد لا ضرورة لها، يقول في ذلك: «إن حقيقة العمل النحتي إنما تكمن في الكتلة وفلسفتها لا في التفاصيل وإغراقها، فأنا مؤمن بقدرة الفنان على التواصل دون الحاجة إلى تلك التفاصيل، وأتبع في ذلك خطى المتصوف الكبير النفري المتوفي سنة 354 هـ حين يقول (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) فالرؤية في النحت هي فلسفة الكتلة، أما العبارة فهي التفاصيل».

أبوظبي - محمد الأنصاري