ملوك وعظماء وصعاليك ولصوص.. الجميع سكنوها، كانوا ذكرى في سجلاتها أو كانت شاهدة على مجريات حياتهم، هذه هي عوامات القاهرة، الجمال، التاريخ، السحر، والنيل قواسم مشتركة، وبصمات وضعها الزمن على جوانبها.. عوالم أخرى بمعزل عن الصخب والضجيج.. كثيرون يرونها عالما غامضا، أو عالما للأثرياء والمترفين، وآخرون يرونها عالما عنصريا لا صوت يعلو فيه سوى صوت المال، وهناك من يراها عالما للفن والإبداع والخيال، لذلك تجدها عوالم غير محفوفة الجوانب. النيل، الليل، الخيال، وأنت تنسجون أحداثها، ذكرياتها، ولياليها المقمرة.. السطور التالية تفتش في عالم اقتربت منه ملامح الشيخوخة، لكن دون أن تنال من حيويته.. إلى التفاصيل.

حين تقودك قدماك إلى شاطئ نيل مصر من جهة أحياء الزمالك، العجوزة، إمبابة، ترى آثار زمن ماض، عوّامات النيل، عوّامات الحلم اليقظ حتى الصباح، ارتمت على طول القرن الفائت في أحضان النهر الخالد؛ لتحمل أسرارا تاريخيّة بين أهل الفن والسياسة، تراصَّت على الشاطئ من الزمالك إلى نهاية كوبري إمبابة، وبالكاد يصل عددها إلى 25 عوّامة بعد أن كان عددها قديما يزيد على الـ 600 عوّامة. ظلَّت هذه العوّامات لأعوام طويلة مرتعا للجواسيس الألمان، ووكرا لملذات الأثرياء، فاختلطت فيها السياسة بالجمال والإباحية، شُكِّلت فيها حكومات، واتُّخِذت فيها قرارات سيادية، أقام بها صفوة المجتمع من فنانين، مثقفين، صحافيين، أصحاب رأي ومشورة، ندواتهم وجلساتهم، وكانت تشع من داخلها الأنوار كأنها وهج في صحراء خالية تنعم بصوت أمواج هادئة، لا تُقلق النائم، ولا تزعج المستيقظ.

كانت هذه العوامات بؤرة للأحداث السياسية والاقتصادية، على الرغم من أن معظمها كان مملوكا لراقصات، وظلت فترة طويلة من الزمن مكانا لاجتماع النخبة في مصر، لدرجة أن أحد رؤساء الوزراء كان يجتمع بأفراد وزارته في إحدى هذه العوامات، أما مُلاكها من الأثرياء والباشوات، فكانت بيتا صيفيا لهم. وظلت هذه العوّامات موجودة ما بين منطقتي الزمالك والعجوزة، إلا أن أحد وزراء الداخلية في الستينيات، اتخذ قرارا بنقل هذه العوّامات، ومنذ ذلك التاريخ بدأت في الانقراض، حتى أصبح عددها 25 عوامة تطفو على سطح النيل شاهدة على عصر مضى.

عوامة ثرثرة الأديب... لم يكن هناك تصميم واحد للعوامات، بل كل منها يختلف عن الآخر، ولكل منها لونها، وكان من أبرز عشاق هذه العوّامات الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ، الذي عاش في إحداها لمدة 25 عاما، سطر خلالها أفضل ما كتب في حياته، فقد كتب أثناء إقامته بالعوامة روايات مثل: أولاد حارتنا، اللص والكلاب، السمان والخريف؛ حيث كان قد اشترى الدور الثاني من عوامة حسين دياب باشا، بعد أن كتب عن عوّامات النيل في روايته الشهيرة ثرثرة فوق النيل، حتى قرر محفوظ أن يودّع حياة العوامات إلى الأبد، بعد سقوط طفلة تسكن بالقرب منه من إحدى نوافذ عوّامة والدها، فماتت غرقا، وانتقل بعدها للإقامة في حي العجوزة على النيل أيضا.

صالون بديعة

كل عوّامة كانت تبتعد عن الأخرى 6 أمتار، وكان أصحابها يشترون كل ما يلزمهم من فاكهة وخضراوات عن طريق بعض المراكب التي كانت تسير في النيل لهذا الغرض فقط.. وكانت عوّامة بديعة مصابني، التي كانت تقع أمام فندق شيراتون هي الأشهر بين عوامات القاهرة خلال فترتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت، فقد كان أهل الفن يجتمعون بها بصورة شبه يومية.

وكان من روادها: محمد عبدالمطلب، فريد الأطرش، أسمهان، إضافة إلى تحية كاريوكا، سامية جمال، وعدد كبير من السياسيين؛ حيث ذكرت بديعة في أحد حواراتها، أنه لو اقترب صحافي من صالون بديعة لعرف أسرار مصر بأكملها؛ لدرجة أنه كان يُقال إن الحكومة يتم تشكيلها في عوّامة بديعة.

وارتبطت العوامات بالراقصات إلى حد كبير، فقد كانت معظم الراقصات في النصف الأول من القرن الفائت يمتلكن عوّامات؛ لأنهن كنَّ يعدونها البيت الثاني الذي يؤدين فيه وصلاتهن الراقصة، وكانت من أشهر هؤلاء الراقصات حكمت فهمي، التي كانت تغني وترقص في نادي الكيت كات؛ لجنود القوّات البريطانية، وتعود إلى النوم في عوّامتها على شاطئ النيل.

أبعاد سياسية

لم تكن عوّامة حكمت فهمي مكانا للسهر، الرقص، لكنها كانت تتميز ببعد سياسي؛ حيث كانت حكمت تمد الجاسوس الألماني يوهان إيلر بالمعلومات التي تحصل عليها من الضباط الإنجليز؛ ليرسلها بدوره إلى الجنرال روميل، الذي كان يقاتل الإنجليز عند (العلمين)؛ حيث كانت تتخير منهم الضباط الذين يميلون إلى الثرثرة، وتدعوهم لإكمال السهرة عندها في العوّامة، وتحصل منهم على المعلومات، وتمنحها للجواسيس الألمان؛ ليقوموا بإرسالها أيضا من تلك العوامة.

جواسيس ألمانيا

داخل عوّامة حكمت فهمي بدأ السادات يتعاون مع جاسوسين ألمانيين في إصلاح، وتشغيل أجهزة الإرسال التي تصل عوّامة حكمت بـ (مركز المخابرات الألمانية) في الصحراء الغربية، لكن وكر التجسس انكشف أمره بعد أن أبلغت غانية فرنسية تدعى إيفيت عن إيلر المعروف في مصر باسم حسين جعفر، على الرغم من أنه أعطاها 20 جنيها إسترلينيا، وتخلى عن حذره أمامها، فوشت به إلى أجهزة المخابرات، وكانت النتيجة أنه تم القبض على (إيلر، حكمت، ساند سنيت، الألماني، السادات، وحسين عزت) الذين طُردوا من الجيش عام 1942، وتم ترحيلهم إلى سجن الأجانب، ثم إلى معتقل قرب مدينة المنيا.

منيرة المهدية

كانت من أشهر العوّامات في القرن الفائت عوّامة الفنانة الراحلة منيرة المهديّة، التي بلغ ذروة عشقها للإقامة فوق مياه النيل، أنها قامت ببيع فيلتها، وسيارتها عام 1963 بمبلغ 16 ألف جنيه، وجاءت لتعيش في عوامتها التي كان يجتمع فيها أهل الفن، السياسة، وكبار رجال الدولة، لكنها قررت العودة مرة أخرى إلى البَر، وتركت العوّامة بعد أن تعرّضت عوامة أحد جيرانها إلى الغرق، ومات جميع أفرادها، فخشيت على نفسها من الموت غرقا، وقررت الإقامة بإحدى الشقق بمصر الجديدة.

الرّيحاني

على الرغم من تخوف البعض من السكن في العوامات، فإن الفنان الراحل نجيب الرّيحاني أصرّ على شراء العوّامة رقم 75، وظل يداوم على البقاء بها بصفة دائمة؛ حتى أصيبت بالتلف نتيجة عدم الصيانة، فأغلقها بعد ذلك، كذلك امتلك الفنان محمد الكحلاوي هو الآخر عوّامة مجاورة لعوامة الريحاني في أربعينيات القرن الفائت، وكان يجتمع عنده جمع كبير من الفنانين، الصحافيين، الأصدقاء، وأحيانا كان ضيوفه من المغنين، والراقصات قبل أن يصبح الكحلاوي (مداحا للنبي)، ومن هذه العوّامة خرج مشروع فيلميه كابتن مصر، أحكام العرب.

قرارات مفاجئة

بدأت العوّامات في الاندثار منتصف الستينيات، نتيجة قرار مفاجئ من وزير الداخلية الأسبق زكريا محيي الدين الذي كان يمارس رياضة التجديف في النيل كل يوم جمعة، وكانت العوّامات تضيّق مجرى النيل، فأصدر قرارا في العام 1966 بإزالة جميع العوّامات في الزمالك، العجوزة، وإمبابة، وعددها 37 عوّامة، ونقل البقية.

ولم ينل هذا القرار استحسان الوزراء، الأثرياء، والباشوات الذين رفضوا الانتقال إلى المنطقة التي عدوها شعبية، فاضطروا إلى بيع عوّاماتهم بمبالغ ضئيلة، وتركها بعضهم لمصيرها المجهول مثل: عوّامة فريد الأطرش ذات الطابقين المصممين على طراز عربي، وكانت من أفضل الأماكن التي يستقبل فيها ضيوفه وأصدقاءه.

وأبدع فيها أجمل أغنياته حبيب العمر؛ حيث توقع البعض أن تتحول عوّامته إلى متحف، إلا أن ورثته أهملوها، وامتنعوا عن سداد الرسوم المقررة عليها لأجهزة الدولة، فتحولت إلى كهف مهجور، فاضطرت شرطة المسطحات المائية إلى سحبها من الماء نهائيا، وتفكيكها وبيعها خُردة، وذلك عام 1982.

خطر الغرق

في الوقت نفسه تتخوف الحاجة إخلاص حلمي، التي تسكن إحدى العوامات، من أن تتحول العوامات إلى مجرد ذكرى بعد أعوام، فقد دار عليها الزمان، وساءت حالتها بشكل كبير، وأصبحت ترتدي زيا باهتا، وأصبح منظرها المعتاد - حاليا- عبارة عن ملابس بالية منشورة تتساقط مياهها في النيل، أو رجل عجوز رث الملابس يجلس في إحدى البلكونات.

وامرأة تنحني من إحدى النوافذ على صيّاد تشتري منه سمكا، وأصبح الوضع لا يسر، عكس ما كان قديما؛ حيث كان يسكنها الباشوات، والمشاهير الذين كانوا يهتمون بها ويحافظون عليها، أما هذه الأيام فقد أصبحت شرطة المسطحات تسعى لإغلاق معظمها، خصوصا التي تسبب خطورة على حياة أصحابها.