في الثانية عشرة إلا ثلاث دقائق من يوم 4 مايو 1991 فقد الفن العربي واحدًا من أعلامه، موسيقار الأجيال محمد عبدالوهّاب، الذي يقول البعض إنه من مواليد العام 1897، وآخرون يؤكدون مولده العام 1902، وهو الأرجح حسب رأي د. رتيبة الحفني، إلا أن عبدالوهّاب نفسه يقول في أحاديث صحافية إنه ولد في 13 مارس 1910.

واحتفالاً بهذه الذكرى افتتح متحف محمد عبدالوهّاب مجانًا للجمهور لأسبوع كامل، هذا المتحف المقام بمعهد الموسيقى العربية، والذي يزخر بالمقتنيات الخاصة لموسيقار الأجيال، وهذه جولتنا المصورة عبر حياته التي شاهدناها جيدًا، لكن لا نعرف عنها الكثير. نتجول مع أحمد رشاد مدير متحف عبدالوهاب، الذي يقول: نجد كل المقتنيات الأصلية التي تشعرك بأنك تعيش مع الموسيقار لحظة بلحظة، تعاصر مراحل حياته الفنية التي أضافت إلى الموسيقى العربية بُعدًا عالميًا؛ فعبدالوهاب أدخل آلات غربية على التخت الشرقي، ونقل موسيقانا من مرحلة الجمود إلى التحرر والتحاور مع الموسيقى الغربية، مكمّلاً المشوار التعبيري لسيد درويش، مؤسس الموسيقى العربية الحديثة، دون الإخلال بقواعد التطريب الشرقية.

ويضيف: افتتح متحف محمد عبدالوهاب في العام 2002 بناءً على قرار وزير الثقافة، وتم تقسيمه إلى ثلاث قاعات، القاعة الأولى، تُقسَّم إلى ثلاثة أجنحة، الجناح الأول منها به صور نشأته في «حارة البرجوان» بحي «باب الشعرية»، ولا يزال المنزل قائمًا حتى الآن بجوار مسجد جدّه، محمد أبو عيسى الشَّعْراني.عندما التحق عبدالوهاب العام 1930 بمعهد الموسيقى، كان يعمل مُدرّسًا في مدارس تابعة لوزارة المعارف، وكان من بين تلاميذه الصحافيّان التوأم علي أمين، ومصطفى أمين، والروائي إحسان عبدالقدوس، وذلك في مدرسة «السِّلِحْدار» الابتدائية.

عبدالوهاب وأمير الشعراء... بالمتحف صور تجسّد علاقة موسيقار الأجيال بأمير الشعراء أحمد شوقي؛ فقد كان المعلم الأول له، حيث أثر في تكوين شخصيته، وكان يلازمه دائمًا، وقد تبنّاه بعد وفاة والده، ووجد فيه موهبة فذّة؛ فصار أباه الروحيّ، يصطحبه في الندوات، واللقاءات الفكرية، وكان لعبدالوهاب غرفة في منزل أمير الشعراء سمّاها «عش البلبل». أعمال عديدة جمعت الموسيقار بكلمات أمير الشعراء منها أغنية «في الليل لما خِلِي»، التي كتبها شوقي باللهجة العامية من أجل عبدالوهاب فقط، كما غنّى من أشعار شوقي في أوبريت «مجنون ليلى».

في الجناح الأول أيضًا نجد الأسطوانة البلاتينية التي حصل عليها، كأول فنان عربي، وثالث فنان في العالم يحصل عليها من شركة حة عن مبيعات أغنية «في الليل لما خِلِي» العام 1978، على الجانب الآخر نرى صورًا تحكي تاريخه مع الإذاعة المصرية، منها صور مع فنانين وأدباء أمثال الأديب سعيد فريحة، الإذاعية سامية صادق، وصورًا أخرى تجمعه مع الفنانة نيللي.

والموسيقار أحمد فؤاد حسن، كذلك نرى صورًا لأطول لقاء في تاريخ الإذاعة مع الإعلامية نادية توفيق، وبجوار هذه الصورة الميكرفون الخاص به في الإذاعة؛ حيث يعد أول من غنى في الإذاعة المصرية العام 1934، ومنذ أول أغنية حتى آخر أغنية استخدم هذا الميكروفون، بالإضافة إلى العقود الأصلية المبرمة بينه والإذاعة.

فور انتقالنا خطوات قليلة نجد صورة لعبدالوهاب في مراحله الثلاث «طفولة، شباب، شيخوخة»، بجوارها العود الخاص الذي أخرج منه أروع الألحان التي سمعتها الأذن العربية، وبجواره عصا القيادة من الأبنوس الأسود استخدمها في قيادة الموسيقى العسكرية العام 1978 في تأديته وتوزيعه للسلام الجمهوري لمصر وهو نشيد «بلادي.. بلادي»، من ألحان سيد درويش..

نستدير قليلاً لنجد خزانة بها كل الصور التي تحمل ذكريات عبدالوهاب مع السينما المصرية، منها أفيشات لـ 7 أفلام من بطولته، هي: «الوردة البيضاء» 1933، «دموع الحب» 1935، «يحيا الحب» 1938، «يوم سعيد» 1940، «ممنوع الحب» 1942، «لست ملاكًا» 1946، «رصاصة في القلب» 1944.

بالإضافة إلى فيلمين كان عبدالوهاب ضيف شرف فيهما، هما: «منتهى الفرح» 1963، «غزل البنات» 1949؛ حيث غنى أغنية واحدة في كل منهما، لكن اشتهرت أغنية «عاشق الروح» في فيلم «غزل البنات»، حين كان يجلس ليعزف على آلة «الجومبش» التي تشبه آلة «المندولين» الإيطالي، أو «البلالايكا» الروسية.

الأوسمة

الجناح الثاني في متحف موسيقار الأجيال يحمل جميع صوره، والأصول التي تُخلد ذكرى تكريمه من الدول العربية، منها وسام الاستحقاق الليبي 1955، ووسام الاستحقاق السوري مرتين 1967، ووسام الكوكب الأردني 1970، ووسام سلطنة عمان 1984، ووسام الأرز اللبناني مرتين، الأولى في حياته، والثانية كانت بعد وفاته لأسرته 1991.

أيضاً كرمته العديد من الدول الأوروبية والغربية، ففي عام 1987 كرم من لوس أنجلوس، والتلفزيون الأميركي، كما حصل على عصا القيادة من لندن، وهي من العاج بتلبيسات من الفضة، قاد بها الفرقة الماسية في لندن.

بالإضافة إلى صور وأصول تكريمه من مصر، حين حصل على «قلادة النيل»، وسام الاستحقاق من الرئيس جمال عبدالناصر العام 1965، ثم جائزة الدولة التقديرية في الفنون العام 1970، والدكتوراه الفخرية العام 1975 في عهد الرئيس السادات، ثم كرّمه الرئيس حسني مبارك بمنح أسرته وشاح النيل بعد رحيله العام 1991.

كما كرمته هيئات الدولة نفسها بمنحه رتبة «اللواء» العسكرية العام 1979 حين قاد الفرقة الموسيقية العسكرية، كما توجد صورة أخرى وهو يحلف اليمين بمجلس الشورى العام 1983، بجانب هذه الصورة جائزة الدولة التقديرية العام 1970، ومعها عملتان من الفضة والذهب فئة 5 جنيهات عليها صورة الفنان احتفالاً بذكراه.

إضافة إلى صورة الجنازة العسكرية، التي كانت بقرار من رئيس الجمهورية تكريمًا لإبداعه الفني، أسفلها مقولة على لسان محمد عبدالوهاب هي: «إذا أرضى الفنان فنه أولاً قبل إرضاء الجمهور، فإن فنه يعيش وهو ميت».

مع الزعماء

الجناح الثالث به بعض الصور التذكارية مع الزعماء العرب، منها صورة للموسيقار مع الرئيس مبارك، وصورة أخرى من أكثر الصور ندرة، وفيها أهرامات مصر الثلاثة، محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وكانوا نادرًا ما يجتمعون معًا، ويوجد بجوار هذه الصورة جواز السفر الدبلوماسي الخاص به؛ حيث كان سفيرًا لوطنه.

صورة أخرى وهو يرتدي لباس القبطان، فمعروف عن الموسيقار أنه كان يهوى ركوب البحر، وكان دائم الخوف من الطائرات؛ لذلك كانت كل رحلاته بحرًا.

غرفة نومه نجد فيها الدولاب الخاص به، وتوجد به البدلة العسكرية التي كان يرتديها؛ بالإضافة إلى البدلة «الاسموكن» الخاصة بفيلم «الوردة البيضاء»، مع بعض «الكرافاتات»، و«الروب» الخاص به.

بجوار الدولاب «الكومودينو» الخاص به، عليه النظارة تجاورها صورة والدته، المصحف، التليفون الذي لم يكن أحد يمسه خوفًا من عبدالوهاب على صحته، بالإضافة إلى بعض «النوت» الموسيقية المدونة بخط يده، بها بعض الجمل التي لم يستطع تسجيلها على الأجهزة، مع جزء من سجادة غرفة نومه، وحذائه الخاص.

أمام غرفة نومه توجد سيوف، خناجر من الفضة والذهب كانت تكريمًا من سلطنة عمان والسعودية، كما توجد صورة لمسجد «قبة الصخرة» من الصَّدَف الطبيعي، وهي ماكيت مُهدى من الرئيس ياسر عرفات.

في الجانب الآخر غرفة الإبداع الخاصة بعبدالوهاب، بها المكتب الذي كان يدون عليه كتاباته، وعليه أجهزته الخاصة من تسجيلات صغيرة وكبيرة، كان يسجل عليها الإلهام الخاص به، بجوارها تكريمه من «لوس أنجلوس» بجانب نظارة النظر.

والكارت الخاص بالفنان، والذي لا يوجد عليه سوى «محمد عبدالوهاب» دون أي ألقاب، إضافة إلى «بورتريه» له مع زوجته نهلة القدسي في شوارع فرنسا، وصورة تجمع عائلة محمد عبدالوهاب، أولاد، أحفاد بجانبهم الكرسي الهزّاز الشهير الذي توفي عليه.

بجانب الكرسي الهزّاز بعض الصور مع أولاده الخمسة «محمد، أحمد، عائشة، عفت، عصمت»، بجوارها صورة كبيرة مع السيدة نهلة القدسي، وكان تحتها جملة لعبدالوهاب تقول: «أكثر ما يسعد الرجل أن يجد الحب داخل منزله والاحترام خارجه».

بالإضافة إلى غرفة المشاهدة والاستماع التي بها أجهزة كمبيوتر خُصصت لسماع ألحانه، مشاهدة أفلامه، وبها برنامج يتراوح من 60 - 70 ساعة، تجمع كل ما يخص أغنياته، ألبوم الصور الخاص به، أفلامه السينمائية والتسجيلية، مشوار حياته من مولده حتى رحيله، وهذه الأجهزة تعمل باللمس لسهولة التعامل معها.

سينما عبدالوهاب

القاعة الأخيرة خاصة بالسينما، وخُصصت لتعرض كل أفلامه، وتم تزويد الغرف بشرائط لتمثيليات سجلها للإذاعة، وأهم اللقاءات التي تمت مع الموسيقار، كذلك نستمع إلى أندر ألحانه، بالإضافة إلى شريط نادر بصوت الموسيقار أثناء تلحين إحدى المقطوعات المهمة، والذي يعد لغزًا حتى الآن لدى المؤرخين والنقاد.

يضيف كذلك مدير المتحف أن أولاد الموسيقار وزوجته كان لهم الفضل في تكوين هذا المتحف؛ لأنهم أهدوا كل ما يخص عبدالوهاب إلى وزارة الثقافة، لكي تقيم به المتحف.

سيرة

من المعروف أن محمد عبدالوهاب نشأ في بيئة دينية، كان والده فلاحًا من «أبو كبير» محافظة الشرقية، أمه فاطمة حجازي، بدأ في تجويد القرآن الكريم في الرابعة من عمره، حفظ القرآن، كاد أن يشق طريقه مقرئًا، لكن شغفه بالغناء كان كبيرًا، فكان ينتهز الفرص لحضور ليالي الطرب التي يحييها المطرب صالح عبدالحي، والموالد التي ينشد فيها الشيخ محمد رفعت.

التحق بفرقة «الجزايرلي» باسم مستعار «محمد البغدادي» خيفة من افتضاح أمره، وكان يتقاضى مبلغ خمسة قروش في اليوم، فضحته آثار النعمة، فدفع ثمن حبه للفن ضربًا مبرحًا من أخيه الشيخ حسن، ثم هرب الطفل محمد عبدالوهاب مع فرقة منشدين تعمل في سيرك إلى دمنهور.

ولما رفض القيام بدور «بلياتشو»، وأصر على الغناء فقط، طرده صاحب السيرك، بعد أربع ليالٍ عاد إلى أسرته بالقاهرة، ولم ترجعه الأسرة إلى الكُتّاب، وإنما ألحقته بالعمل مع فرقة عبدالرحمن رشدي في مسرح «برنتانيا» بأجر قدره ثلاثة جنيهات في الشهر، سمعه أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي اشتكى إلى «الحكمدار» وقوف طفل في هذه السن على المسرح كل ليلة حتى الفجر.

فأمرت السلطة بوقف عمله على المسرح، والتحق بعد ذلك بالدراسة في نادي الموسيقى الشرقي، وفيه تعلّم الموشّحات على يد درويش الحريري ومحمود رحمي، أما العود فتعلمه على يد الموسيقار محمد القصبجي.

سافر عبدالوهاب بعد ذلك إلى الشام، وتوطدت علاقته بأمير الشعراء، الذي أعطاه جواز المرور إلى مجتمعات العمالقة من أصدقائه، كما تعرف عن طريقه إلى الأجواء الموسيقية العربية والغربية، وأكمل سيرته بنجاح وأصبح واحدًا من كبار الموسيقيين والمطربين في مسيرة الفن الشرقي.