في منطقة وسط البلد الشهيرة في القاهرة، وبالتحديد شارع «شريف» يقع صالون حلاقة يحمل اسم «سعيد».. الأمر إلى هنا طبيعي، ولكن الاستثناء أنه إذا ما سألت المارة عنه سرعان ما تكون الإجابة على الفور هل تقصد: «حلاّقة الرجال»؟!..
وإذا ما قادتك قدماك إليها ستجد نفسك بين عشرات الصور، التي تزين جدران الصالون لعدد كبير من المشاهير منهم فاروق الفيشاوي، محمود يس، محمود الجندي وغيرهم من الذين جلسوا أمام سهير هيكل أول حلاقة للرجال في مصر، فلها الآن في المهنة 35 عاما، تتعامل فيها مع رؤوس الرجال، ويشهد لها المشاهير بخفة يدها، ومهارتها الفائقة.. تحلم أن تنشئ مدرسة لتعليم الحلاقة للرجال، بعد أن أصبحت المهنة قضيتها الأولى.. في السطور التالية تحكي لنا عن قصتها مع الحلاقة منذ البداية.
كان عمري 16 عاما حين ذهبت إلى الحلاق مع أخي، وانتظرته وهو يحلق، تابعته جيدا، وجاءتني رغبة العمل في هذه المهنة، قررت أن أخوض التجربة، وبعد فترة عدت إلى صاحب المحل، وطلبت أن أساعده؛ لأنني أريد أن أتعلم، وظللت أعمل معه لفترة طويلة؛ حتى استطعت أن أقوم بالقص بنفسي، وأتخلى عن دور المساعدة. في البداية كان الرجال يُدهشون، ويخافون أيضا، حتى استطعت أن أُثبت أقدامي في المهنة، وشهد جميع من حولي بخبرتي، كان أول زبائني رجلا سعوديا، وقد طلبني بالاسم، وأعجب جدا بالقصَّة. تضيف: زوجي سعيد، يعمل بمهنة الحلاقة، له كل الفضل في تعليمي؛ لأن الرجال كانوا يرفضون أن يعلموني في البداية خوفًا من نجاحي، وهذا ما واجهته مع الرجل الذي تعلمت معه، فقد رفض استمراري، وحاولت أن أبحث بنفسي عن مكان آخر، حتى وجدت زوجي الذي ساعدني كثيرا.
فريق عمل سيدات
كانت فكرة تكوين فريق عمل بأكمله من الفتيات هي الخطوة الأصعب في بداية مشواري مع الحلاقة؛ فبحثت عمّن تساعدني في عملي، ونجحت الفكرة، فأحضرت العديد من الفتيات اللاتي علمتهن ونجحن في المهنة، وقد وصل عددهن إلى 15 فتاة، لكن لم يستمر أغلبهن في العمل؛ لأنهن أخذن المهنة كهواية مؤقتة فقط، أو لمساعدة الأسرة في كسب الرزق قبل الزواج.
كما أن بعضهن لم يجدن فرصة عمل بعد التخرج، ومع ذلك كنت أساعدهن، ولا أرفض تعليمهن مثلما حدث معي في البداية، وهن حاليا معروفات في هذه المهنة، ولهن زبائنهن.
تطور
من أجل تنمية مهاراتي ومواكبتي لأحدث الموضات العالمية أحرص على حضور كل المعارض الخاصة بالكوافيرات الرجالي التي تتم داخل مصر وخارجها، وأشارك في الرابطات الخاصة بالكوافيرات، وأُحضر العديد من الكتالوجات المتخصصة، حتى أتابع جيدا كل جديد، وأتواصل على الإنترنت مع الرابطات بالخارج؛ لأتعلم منهم كل ما هو حديث.
كما أن جميع الكوافيرات الرجال يعرفونني جيدا، ودائما على اتصال بي بشكل مستمر، ومعظم زبائني رجال كبار في السن، وبعض الشباب، بالإضافة إلى بعض المستويات الراقية من مشاهير المجتمع، وبعض السفراء الأجانب.
مضايقات الزبائن
وحول الصعوبات التي تتعرض لها، تقول أول حلاقة للرجال: لا شك في أنني أتعرض كثيرا لمضايقات الزبائن، من معاكسات وغيره، وأقوّم مثل هذا السلوك بطرد من يتجاوز، لكني أتعامل بشكل عام بودٍ كبيرٍ، وكأن زبائني أصدقائي، ولا أنكر أنني في البداية كنت أواجه معاكسات كثيرة؛ لكن لا يوجد - حاليا - بسبب قدرتي على التحكم أكثر، فكل رجل يأتي يعلم أنني لدي القدرة أن أطرده؛ لأنني صاحبة المحل، وصاحبة القرار النهائي، كما أنني أستطيع وضع حد بيني وبينه.
وتؤكد أن كثيرا من الرجال مازالوا يرفضون وجودها في مهنة الحلاقة؛ لأنهم يرون أنها سيدة، ولا مكان لها سوى البيت، ويشعرونها كما لو كانت أخذت أماكنهم في العمل، وتضيف: أشجع الفتيات على تعلم المهنة، وهذا يعتبرونه نوعا من الفساد، لكن هذه مراحل قد تجاوزتها، وانتهت من حياتي؛ لأنني أثبت لهم أنني أكفأ منهم، فلماذا لا أكون موجودة بينهم؟! إن الفارق بين رجل وامرأة غير موجود إلا من خلال إتقان العمل.
مواقف
أعشق المهنة فوق الخيال على الرغم من أن كثيرين يقولون إن وجودي بها حرام، لكني لا أستطيع العيش دونها، وأراها مهنة محترمة، وقد راودتني كثيرا فكرة اعتزالها، لكني لا أستطيع، ولن أفكر في هذا.
وتشير الى أنه على الرغم من المواقف الصعبة التي تتعرض لها، لكن، على حد تعبيرها، لهذه المواقف جو طريف، مثل أنّ امرأة قد طُلِّقت من زوجها بسبب حلاقته عندي، فكثير من النساء تأكلهن الغيرة مني، والبعض منهن يحضرن مع أزواجهن أثناء الحلاقة.
ويتحول الموقف إلى نوع من الكوميديا أثناء مراقبة الزوجة لكل حركة يقوم بها زوجها، وقد تطوّرت الأزمة في بعض الأحيان إلى أن حضرت زوجة لتقول لي إنها ستقاضيني، لكنه يكون مجرد انفعال نتيجة الغيرة.
وتضيف: أصعب المواقف كانت مع ابنتي التي كانت دائما ترفض أن تصرّح بأنني والدتها؛ لأنها كانت محرجة من تعليقات زميلاتها، لكن في إحدى المرات كانت تجلس مع بعض أصدقائها، وكان لي حديث على التليفزيون، وشاهدتني أحد زميلاتها، وقالت لها إنها تتمنى أن تكون والدتها مثل هذه السيدة، فضحكت ابنتي، وقالت هذه السيدة والدتي، ومن يومها وقد تغيرت نظرتها لمهنتي.
مشاهير
العديد من النجوم كانوا يحضرون عندي، منهم فاروق الفيشاوي، محمود يس، محمود الجندي، كذلك يأتيني كثير من رجال الأعمال، وهذا الإقبال على صالوني يجعلني أحلم بإقامة مدرسة لتخريج أجيال من الفتيات المحترفات في مهنة الحلاقة.
وتؤكد سهير على أن أعداد السيدات المهتمّات بالعمل داخل صالونات الحلاقة الرجالي بالقاهرة تزداد، وراجت الفكرة في مناطق وسط القاهرة، المهندسين، مدينة نصر، ويتردد على هذه الصالونات بعض أعضاء مجلس الشعب وسفراء الدول، خاصة الأوروبية.
وتقول: على الرغم من رفض بعض فئات المجتمع تلك المهنة بحجة وضع المرأة في مجتمعاتنا، إلا أنني لن أتراجع عنها؛ لأنها قد أصبحت كل حياتي، ولا أرى فيها عيبا لأنني أقدم خدمة شريفة، وأؤديها بالشكل المطلوب دون الخروج عن السلوك القويم.


