في ليل لندن تكوّم الضباب حزينًا قبيل 33 عامًا، وتحديدًا يوم الأربعاء 30 مارس 1977، حينما فارق عندليب العرب الحياة هناك، بعد رحلة مع المرض امتدت من عام 1956، حين اكتشف إصابته بالكبد.

هذا الفتى الذي أتى من قرية (الحلوَات) في محافظة الشرقية بدلتا مصر، ليعتلي عرش الغناء العربي طوال فترة عمره القصير.. هذا هو عبدالحليم حافظ، عندليب الغناء العربي، المولود في 21 يونيو 1929، تمر هذه الأيام 33 عامًا على رحيله، لكنه ظل طوالها حاضرًا بما غنّى وأبدع..معاً نتعرف إلى ملامح من مسيرته الملأى بالأحزان والدموع، وهو الذي صرخ فينا مردداً: «أي دمعة حزن لا». يوم مولده توفيت والدته، ومات أبوه ولم يبلغ من العمر إلا عامًا واحدًا؛ ليعيش عبدالحليم بعدها في كنف خاله الحاج متولي عكاشة.. ورغم هذه الظروف القاسية لنشأته لم ينكسر، بل اكتشف بين رفاقه نزلاء ملجأ الأيتام الذي دخله فترة من حياته ما تحمله حنجرته من كنز يعوضه عن هذه الحياة المؤلمة، مستفيدًا من شقيقه، مدرس الموسيقى، الفنان إسماعيل شبانة، ومن هنا التحق بمعهد الموسيقى العربية عام 1943، ومنه كانت الانطلاقة.

مولود للغناء... عانى حليم في بداياته كثيرًا، فحسب ما يرويه الإعلامي مفيد فوزي أنه كان ذات يوم في مكتب إحسان عبدالقدوس بمقر مجلة روز اليوسف بعد الثالثة فجرًا، فدخل عليهما شاب نحيف يطلب مقابلة إحسان، عرّفه بنفسه بأنه عبدالحليم علي إسماعيل شبانة، وأكد أن أحد أصدقاء الكاتب الكبير دعاه لزيارته في مكتبه، وهذا يؤكد، حسب مفيد فوزي، أنه عرف كيف يقدم نفسه للآخرين، فاختار الصفوة من المجتمع الأدبي، والفني، ورجال المجتمع، خاصة أنه كان قد قدم نفسه أيضاً للموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي أعجب بصوته، وقال له: «أنت مولود للغناء».

منذ عام 1943، العام الذي التحق فيه بالمعهد، كان يحاول عبدالحليم أن يسير على درب أخيه إسماعيل شبانة، الذي كان مطربًا ومدرسًا للموسيقى في وزارة التربية والتعليم، حيث وجد التوجيه والاهتمام منه، إلا أن الحظ حالف عبدالحليم في أن يخطو بثبات وبقوة إلى عرش النجومية، وهذا ما جعل مفيد فوزي يكتب مقالاً يؤكد فيه أن عبدالحليم يغني بالنيابة عن شقيقه إسماعيل، وكان عبدالحليم في لندن عندما قرأ المقال، الذي قرأه إسماعيل فبكى، واعترف عبدالحليم في رسالة إلى مفيد فوزي بأنه تعلم النغم من أخيه أول مدرس له، لكن الدنيا حظوظ، حسب تعبير عبدالحليم.

اقترب عبدالحليم من الوسط الفني عام 1950 عندما التحق بفرقة الإذاعة الموسيقية عازفًا على آلة «الأُبوا»، وتقدم لإجازة صوته في اختبار الإذاعة مرتين، لم ينجح في الأولى وأعلنت لجنة الاختبار أن صوته لا يصلح للغناء الشرقي، لكنه نجح في المرة الثانية عام 1951، وكان قد تعرّف وقتها إلى صديق عمره وشريكه، مجدي العمروسي، في منزل مدير الإذاعة فهمي عمر، كما تعرّف في العام نفسه إلى الإذاعي حافظ عبدالوهاب الذي اعترض على اسم شبانة، فطلب منه عبدالحليم أن يأخذ اسمه «حافظ» ليسمى به، فصار منذ هذه اللحظة «عبدالحليم حافظ».

صافيني مرة

بدأ العندليب في استثمار كل الفرص ومقاومة رفض الجمهور له عندما قدم أول عمل له «صافيني مرة»، وقدم بعدها أغنية «يا حلو يا أسمر» من كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجي عام 1952، ووجدت إقبالا كبيرًا.. قدم عبدالحليم مئات الأغنيات، لا يعرف منها الكثير، والسبب قد يكون أن أغلبها مسموع وغير مصور، فإذا ما تم حساب عدد الأغنيات في أفلامه بالصوت والصورة، أو بالصوت فقط، فسنجد أن عددها يصل إلى 112 أغنية، وهذا العدد لا يمثل ربع ما غنى حليم تقريبًا، وهو في أقل تقدير 231 أغنية، كما لم تحسب بعض الأغنيات التي بحوزة أصدقاء عبدالحليم، وغير متاحة للتداول التجاري.

في يوم إعلان مصر «جمهورية» عام 1953 قدم نفسه بقوة من خلال الأغنية التي سبق أن رفضها الجمهور، «صافيني مرة»، وتعتبر البداية الحقيقية لشهرته، وواصل تحدياته لكل الظروف ليقدم عام 1954 أغنية «على قد الشوق»، التي حققت نجاحًا غير عادي، وثبّت بها قدميه في طريق النجومية.

قدم العندليب 16 فيلمًا سينمائيًا، أولها «لحن الوفاء» عام 1955، وهو العام الذي قدم فيه أربعة أفلام متتالية، وفي عام 1956 قدم فيلمين، وعام 1957 قدم ثلاثة أفلام، وخلال الفترة من 1958 وحتى عام 1961 قدم 4 أفلام بواقع فيلم كل عام، ثم قدم فيلمًا عام 1967 يعد أحد أهم أفلامه وهو فيلم «معبودة الجماهير» مع الفنانة شادية، وفي عام 1969 قدم آخر فيلم سينمائي له وهو «أبي فوق الشجرة» مع الفنانتين نادية لطفي وميرفت أمين.

وفي الأغنيات الوطنية قدم العندليب أغنيات راسخة في الوجدان، كانت أولاها نشيد «عهد جديد» بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952، ثم «إحنا الشعب» عام 1956 التى غناها للرئيس جمال عبدالناصر، ثم كتب له عبدالرحمن الأبنودي أغنية «المسيح» التي عبر فيها عن حب العرب والمسلمين والمسيحيين للقدس الشريف، ولحنها بليغ حمدي، وأغنية «حكاية شعب» التي قدمها عام 1960 لأول مرة في حفل أَضواء المدينة بأسوان، وكانت قمة الإبداع الوطني عندما قدم عام 1967 أغنية «أحلف بسماها».

وأقسم أنه سيغنيها في كل حفل حتى تتحرر سيناء من أيدي اليهود، وبعد نصر أكتوبر عام 1973 قدم الأغنية الوطنية «عاش اللي قال»، وفي عام 1975 وبعد فتح قناة السويس قدم «النجمة مالت على القمر»، ثم نشيد «الوطن الأكبر»، ألحان محمد عبدالوهاب، وكلمات أحمد شفيق كامل، ولاقى هذا النشيد شهرة كبيرة.

وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل لم يقدم إلا مسلسلاً إذاعيًا واحدًا عام 1973، وهو مسلسل «أرجوك لا تفهمني بسرعة»، وشاركه البطولة في هذا العمل الفنان عادل إمام والفنانة نجلاء فتحي.

وصف زبيدة

أبلغ وصف لرقة مشاعر عبدالحليم ما قالته الفنانة زبيدة ثروت، التي شاركته في أجمل أفلامه «يوم من عمري»، حيث قالت في إحدى مقابلاتها الصحافية إنها كانت تحبه، ولا تزال، فهو كان حالماً، رقيقاً، خفيف الظل، وإنها عندما شاهدت فيلم «حكاية حب» لعبدالحليم ومريم فخرالدين، كانت تتخيل نفسها مريم، ومن شدة غرامها بهذا الفيلم شاهدته 10 مرات بالسينما.

شائعات

وعلى الرغم من هذا الحب الجارف من كل الذين عرفوا أو استمعوا إلى العندليب، فإنه كان يعاني من الشائعات، وأحيانًا تصدر من أقرب أصدقائه، خاصة في ما يتعلق بزواجه من الفنانة سعاد حسني، وهذه الشائعة أخذت أبعادًا كبيرة، وأخيرًا اعترفت أسرة الفنانة سعاد حسني بزواجها من عبدالحليم، حيث كان العندليب، حسب مفيد فوزي، يرسل أشخاصًا لمراقبة سعاد.

ويكتبون أرقام السيارات التي تقف في شارع شريف، بوسط القاهرة، الذي تسكن فيه سعاد حسني، لكن بعض المقربين أكد لمفيد أن هناك أسبابًا تتعلق بمرضه تحول بينه وبين الزواج. هذا التعليق أفرز شائعة عجز عبدالحليم جنسيًا، لكن مفيد فوزي قال إنه كان يعرف أن أي لقاء حميمي لعبدالحليم يجعله يتعرض لنزيف حاد يذهب على أثره إلى الطبيب.

طقوس

وكما كان الحديث عن طقوس عبدالوهاب ووساوسه لا تنتهي، كذلك كان العندليب ذا طقوس خاصة، ترتبط بالبيئة التي عاش فيها، وأخرى تتعلق بحالته المرضية، فكان لا يسمح لأصدقائه بالجلوس مع حريم منزله.

حيث أكد الإعلامي وجدي الحكيم، أحد أصدقائه المقربين، أنه على الرغم من صداقته بحليم، فإنه لم يشاهد شقيقته «عليّة» في حياته إلا مع جثمانه وقت الدفن، وقال: من طقوس حليم أيضًا أنه كان ينام نهارًا، ويستيقظ ليلاً، حسب نصيحة الشاعر كامل الشناوي له عندما قال له: إيّاك من النوم في الليل، فالناس تموت ليلاً، لكن الأطباء موجودون نهارًا، فكان يخاف النوم ليلاً خشية أن يداهمه النزيف ولا يستطيع أحد أن يسعفه.

حياة مصورة

تعرّف حليم إلى صحافيين صغار في بداياتهم، ومصورين مغمورين، كان يتعامل معهم بتلقائية، من بين هؤلاء المصور فاروق إبراهيم الذي يمتلك أهم معرض صور عن عبدالحليم، وسافر معه أغلب سفرياته، وصوّر كل حفلاته في مصر، وأغلب ما قدمه في الخارج، فكانت بساطة عبدالحليم تجعل الكثيرين يتقربون منه حبًا فيه حتى وهو مغمور.

ابتسموا

ومن لندن يتصل عبدالحليم بالإذاعية إيناس جوهر قبيل موته بأيام قليلة؛ ليطمئن جمهوره على صحته، ويطلب أن يستمع إلى أغنية «ضحك ولعب وجد وحب»، خاصة المقطع الذي يقول فيه: «يا دنيا عمري ما شفتك حلوة كدا».. حتى مع النهاية يريد لنا أن نبتسم في وجه الحياة، التي عاش في حديقتها مغردًا، ولم يمنعه من شدوه إلا الرحيل.

وتتذكر الإذاعية سناء منصور مواقفها مع عبدالحليم فتقول: إن العندليب كان ذكيًا، بسيطًا جداً، يرتدي ملابس «كاجوال» حين يأتي إلى الإذاعة للتسجيل معها، وعندما يلتف حوله الناس في طرقات الإذاعة لا يغضب ولا يشعرهم بأهميته.