(خمس دقائق من السماء) فيلم بالغ السخاء، يفيض أحاسيس جياشة وعواطف مضطربة يحركها (اليستير ليتل) و (جو غريفين) الأول قاتل والثاني شقيق المقتول في مواجهة بعد 33 عاما من الحادثة.

وبقدر ما يعكسه اللقاء من آلام وشجون وذكريات جريحة ومحبطه بقدر ما يبعث على الحيرة، ذلك أن الفيلم لا يخاطب العقل بقدر ما يخاطب الوجدان ، ولا يقدم أفكارا بقدر ما يقدم مشاعر، وهذا لا يعني أن الفيلم خال من الآراء والأفكار ، فالمشاعر التي يقدمها تعكس موقفا واضحا للوجود في الحياة. هذا العمل الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية هو فيلم تلفزيوني (بريطاني / ايرلندي) عن قصة الكاتب غي هيبيرت، وإخراج الألماني أوليفر هيرشبيغل الذي درس الرسم في أكاديمية الفنون بهامبورغ، بدأ رحلته مع الإخراج من خلال تجارب في الفيديو والتصوير الفوتوغرافي .

وبعض الأعمال التجريبية التي اجتذبت اهتمام المنتجين في التلفزيون الألماني، ويعتبر هذا العمل هو الرابع في مسيرته بعد فيلم (السقوط) الذي حاز على جوائز كثيرة ، حيث رصد ال12 يوما الأخيرة في حياة الزعيم النازي أدولف هتلر.تشبه المعالجة السينمائية لفيلم (خمس دقائق من السماء) مشاهد المسرح الطويلة التي تطلق العنان أمام الممثل للإبداع والإجادة، وهذا ليس غريبا على (هيبيرت) باعتباره في الأصل كاتبا مسرحيا. وخلال ساعة و29 دقيقة هى مدة العمل نعيش مباراة رائعة في الأداء بين (ليام نيسون) الذي أجاد في دور اليستير ليتل، و(جيمس نيسبت) المبهر في شخصية شقيق المقتول الذي شاهد الجريمة في صغره وظل تأثيرها على وجدانه ومشاعره سنوات عديدة عانى فيها من اتهام أمه لتقصيره في إنقاذ أخيه الأكبر.

يتناول الفيلم أحداث قصته في جزأين، الأول يروي حادث مقتل شقيق جو وهو في التاسعة من العمر على يد فيلا اليستير ليتللالا في السابعة عشرة، وذلك عام 1975 عندما تعم الفوضى ايرلندا الشمالية وينضم اليستر إلي عصابة تستهدف الموالين لبريطانيا ويصبح هدفها الانتقام من الكاثوليك وطردهم باعتبارهم من الجمهوريين المتشددين.

وبالفعل ينفذ اليستير جريمته بإطلاق ثلاث رصاصات على الأخ الأكبر لجو غريفين ، متوهما أنها ستجعل منه بطلا تتهافت عليه الفتيات وتفتح البارات أبوابها أمامه ليعيش مزهوا وسط أقرانه، لكن يحدث العكس ويقبض عليه ويقضي عقوبة في السجن مدتها 16 عاما.

أما الجزء الثاني فيروي اللقاء الذي ينظمه برنامج تلفزيوني يحمل عنوان (المواجهة)، يجمع بين القاتل وشقيق المقتول بعد 33 عاما من الجريمة أي في عام 2008، بهدف تحقيق المصالحة التي تعكس حالة السلام والوئام في ايرلندا الشمالية.

وتصبح فكرة الجمع هذه لمدة خمس دقائق هي محور الرصد لردود الأفعال النفسية والعصبية لكلا الشخصين، احدهما ينشد الراحة بعد سنوات من الإرهاق الذهني والقلق رغم انه دفع الثمن، والثاني تدفعه غريزة الانتقام إلى حمل سكين لتمزيق قاتل أخيه على الهواء مباشرة.

الغضب وطلب الغفران يسيطران على مشاهد لقاء المواجهة، فبينما تكتسي الحركات المرتعشة والأنفاس اللاهثة وجه غريفين، يبدو اليستير أكثر برودا ورغبة في المواجهة التي يصرح بأنها صعبة جدا ويمكن أن تؤدي إلى نهاية مأساوية، ومع اللحظات الحرجة يرفض جو غريفين فتح الباب الفاصل بينه وبين قاتل أخيه، تاركا علامات الاستفهام حائرة على وجه اليستير والتي تجيب عنها فتاة ضمن طاقم التصوير التلفزيوني بقولها: هو خائف من قتلك.

تسير الأحداث بعد ذلك بشكل حذر تجاه نهاية لا يمكن التنبؤ بها، عندما يذهب جو غريفين إلي بيته ويجلس مع زوجته وابنتيه، حيث يفاجأ برسالة من اليستير يطالبه فيها بلقائه عند البيت القديم الذي تمت فيه الجريمة، فهل يقبل جو أم يرفض؟، وهل يذهب للانتقام أم يبقى حبيس الغرف المظلمة لتأنيب الضمير؟.

(خمس دقائق من السماء) يعتمد على المشاعر الداخلية الدفينة التي تتطلب من الممثل نوعا من الانفعال العميق المتفهم، ولذلك جاء أداء (ليام نيسون وجيمس نيسبت) بارعا في تقديم عمل كلاسيكي يصمد في وجه الزمن مع توالي الأجيال، ويعكس ميلودراما إيمان الإنسان بالحياة وقدرته رغم العناء أن يصنع غدا أفضل.

دبي ـ أسامة عسل