لم تعد المنافسة بين الفنانين مقتصرة على نوعية الفن الذي يقدمونه أو مدى الجماهيرية التي يحظون بها.

بل امتدت تلك المنافسة لتشمل الصحافة أيضا، التي شهدت اختراقاً خلال السنوات الأخيرة من جانب بعض الفنانين والمطربين بحثا عن وسيلة لتصحيح الصورة المأخوذة عنهم والحصول على نصيب أكبر من الشهرة في الوقت ذاته.واللافت أن طرق هؤلاء الفنانين في التعامل مع بلاط صاحبة الجلالة تختلف من فنان إلى آخر، ففيما يشتري البعض سرا أسهما في بورصتها، ويطيرون في سمائها كما يريدون، ويشهرونها سيفا في وجوه منافسيهم، هناك مجموعة أخرى تحاول الدفع مسبقا لبعض المحسوبين على الصحافة. ليكتبوا عنهم ما يريدون.

لتمتلئ الصحف بأخبارهم وحواراتهم وتقارير عنهم، لدرجة أن القارئ بات يكتشف بسهولة أن معظم هذه الأخبار باهتة، ويعلوها الصدأ من كثرة تكرارها على لسان الصحافي نفسه، والجريدة ذاتها. تفاصيل أكثر حول المتغيرات التي طرأت على العلاقة بين الصحافة والفنانين، تضمها السطور التالية.لم تكن علاقة الفن بالصحافة حديثة، بل تمتد لعشرات الأعوام؛ وبالتقليب في أوراق صاحبة الجلالة نجد مواقف ايجابية جمعت بين كوكب الشرق أم كلثوم وعدد من أشهر الصحافيين؛ على رأسهم الكاتب الراحل مصطفى أمين الذي تعرفت إليه أم كلثوم في منتصف الثلاثينيات وساعدته بأموالها على تأسيس جريدة «الأخبار» دون انتظار مقابل، حتى جاءت الفرصة لرد الجميل وساندها مصطفى بعد ذلك في أزمتها الإعلامية عند زواجها وانفصالها عن الملحن محمود الشريف العام 1947.وتؤكد الروايات أن مصطفى أمين كان أكثر الصحفيين قربا منها، وأكثرهم متابعة لأخبارها؛ إضافة إلى أنه كان ينفرد بالسبق الصحافي لأهم أخبارها، كما أنها في الوقت نفسه كانت قريبة من جميع الصحافيين الكبار.

ومنهم محمد حسنين هيكل، وإحسان عبدالقدوس، وكما كانت علاقة كوكب الشرق بالصحافيين جيدة كانت أيضا بين العندليب عبدالحليم حافظ، والكثير من الصحافيين وهي علاقة كانت تقوم على الاحترام المتبادل بين الطرفين، الفنان يعمل ويجتهد والصحافة تنشر عنه وتنقده أحيانا أخرى.وعلى العكس مما كان يحدث قديما، نجد عددا من نجوم اليوم اتجهوا إلى اختصار تلك العلاقة الأبدية بين الصحافة والفن في دعم بعض الصحف والمجلات «بفلوسهم»؛ ليكون لهم صوت مسموع على الساحة يدافع عن مصالحهم ووجودهم على الساحة، لكن الغريب أن هذا السلاح أحيانا قد يساء استخدامه في حرب بين النجوم لا طائل من ورائها سوى مصلحتهم دون أن تخدم الفن في شيء.

شارع عمرو دياب

ويعد الفنان عمرو دياب، أبرز الأسماء الفنية التي دخلت سوق الإعلام أخيرا، بجريدة مستقلة أطلق عليها اسم «الشارع» بمشاركة أحد رجال الأعمال، وهي جريدة فنية اجتماعية سياسية رياضية أسبوعية.

وعلى الرغم من أن عمرو لم يظهر اسمه في البداية كمالك للجريدة، لكنه حل عليها ضيفا غير مرة على غير عادته، وخصوصا أنه مقل بشكل كبير في أحاديثه الصحافية وتصريحاته، الأمر الذي لفت إليه الأنظار ليخرج بعض الصحافيين العاملين في الجريدة.

ليؤكدوا أن عمرو دياب مالكها مع شريك آخر، فاضطر دياب بعدها لأن يصرح أنه قام بافتتاحها من أجل زيادة مساحة الثقافة المقروءة التي تعبر عن نبض الشارع بصدق بعيدا عن الصحف التي تنتقم من النجوم، ولا تتعامل معهم بحيادية، بل تنفذ مبدأ (إما الدفع أو تشويه الصورة في الحال).

تلفيق وفبركة

لم يكن عمرو دياب الوحيد في الوسط الفني الذي تردد اسمه كوافد إلى سوق الصحافة، فهناك أسماء أخرى كالمطرب محمد حماقي وتامر حسني إلى جانب بعض الفنانين والفنانات الذين يدعمون بعض الصحف ويدفعون لبعض الصحفيين سرا، بهدف الكتابة عنهم وعدم نقدهم بل مساندتهم في حروبهم الفنية مع منافسيهم.

هذا التغير الذي طرأ على علاقة الفنان بالصحافة وسعيه لمحاولة امتلاك صاحبة الجلالة، أرجعته الفنانة شويكار إلى ما يحدث في عالم الصحافة اليوم من تلفيق وفبركة؛ فقد كان الفنان، قبل عصر السموات المفتوحة، يقوم بالاتصال بالصحافي حتى يتم نشر الخبر صحيحا بعيدا عن أي تزييف.

وتستطرد قائلة: «كنت مع فؤاد المهندس ننشر بشكل أسبوعي ومفصل في مجلات «صباح الخير، روز اليوسف، المصور»، علاوة على صحف «الأهرام، الأخبار، الجمهورية»، أما حاليا فقد أتيحت للصحافي وسائل متعددة للحصول على المعلومة فلا يوجد فنان ليس لديه موقع إلكتروني».

أبواب الشهرة

وحول أسباب التغير الذي طرأ على علاقة الفنان بالصحفي، ترى الناقدة السينمائية ماجدة موريس أن المشكلة تبدأ من الممثلين الجدد؛ حيث يتسابقون إلى الشهرة، ويصرون على صعود السلم مرة واحدة؛ فيطرقون أبواب الصحافة لنشر صورهم وأخبارهم.

وتكون الصحافة- بالفعل- سببا في شهرتهم، وعندما تتناساهم الصحافة فإنهم يمحون من ذاكرة القارئ، كأن الذي يصنع الفنان هو ظهوره بشكل يومي في الصحف.

وتضيف: «هناك بعض الفنانين ينزعجون عندما يغفل الصحفي بعض أخباره ظنا منهم أنه يعمل لديه، وبالتالي يمكن أن يمنع عنه الخبر، ويعطيه لزميله الآخر، فتسوء علاقة الصحفي بالفنان.

ويبدأ البحث عن سلبياته فقط، وينتهي شهر العسل بين الصحفي والفنان، وهذا ما يدعو كثيرا من الفنانين إلى أن تكون الصحافة بين أيديهم يفعلون بها ما يريدون ويسيرونها حسب أهوائهم أو رغباتهم دون اللجوء إلى مشكلات تحدث بين الصحفي والنجم والتي أصبحت في كثير من الأحيان تصل إلى ساحات القضاء».

الباب الخلفي

الناقد الفني سمير فريد يؤكد أن ميثاق الشرف الصحافي يجبر أي فرد في هذه المهنة على أن ينشر دون تمييز لأحد على حساب الآخر؛ فلكل فنان مساحة معينة حسب جهده وعمله، وليس الكتابة عنه من أجل مآرب أخرى سواء للنيل منه أو حبا فيه.

وأوضح أن هناك بعض الفنانين- وهم قلة- يرون أن الصحافي فقير، فيمنحونه بعض الأموال، وكأنهم يشترونه ليكتب ما يريد النجم؛ فيفقد الكاتب مصداقيته عند الناس.

بدورها تؤكد الخبيرة الإعلامية د.ماجي الحلواني، أن أغلب العاملين بالصحافة الفنية حاليا قد جاؤوا من الباب الخلفي، بوصفها أسهل أنواع الصحافة؛ فأتوا متسلحين ببعض الأسئلة التقليدية من نوعية: ما طبيعة الشخصية التي تؤديها في المسلسل؟ وما رأيك في الدراما المصرية أو السورية؟ وما آخر أخبارك الفنية؟

وبدأ الصحافي يتعامل من موقع المعجب؛ لدرجة أن أصبحت مقابلة فنان مثل يحيى الفخراني أو نور الشريف أو أحمد السقا حدثا كبيرا بالنسبة لصحافي ناشئ فتخرج الحوارات ساذجة، ولا تلامس جوهر الفن؛ ما يجعل بعض الفنانين يقاطعون هذه الصحافة، كما فعلت الفنانة عبلة كامل خشية إثارة مشكلات لها، وقد يكون ذلك من بين أسباب محاولة امتلاك بعضهم لصوت صحفي أو جريدة.

وتضيف: «إن هناك نوعا آخر من الفنانين يشترطون قراءة الحوار قبل نشره خوفا من تهريب جملة قالها في لحظة انفعال تضر بمصلحته تجاه شركة إنتاج تلفزيونية أو مخرج حتى لا يدخل اسمه في القائمة السوداء لدى الشركة، أو وضع خط أحمر تحت اسمه.

وبالتالي أصبح هرم العمل الصحافي مقلوبا، وأصبح النقد وسيلة للشهرة بمهاجمة النجوم أو إثارة الشائعات التي لا أساس لها؛ كل هذه الأمور تحكم العلاقة بين النجوم والصحافة، فالخلل في كليهما بسعي أحدهما إلى امتلاك الآخر جاء نتيجة عدم قيام كل منهما بدوره المنوط به.

لذا يكون اللجوء للعب أكثر من دور في مسرحية واحدة، ممثل، وصحفي، ورجل أعمال، ومصلح اجتماعي، وهذا أمر غير مفهوم ولا حل له، إلا بأن يؤدي كل دوره بعد أن يفهمه جيدا».

يرصد تاريخ صاحبة الجلالة أن محاولات الفنانين لاقتحام عالم الصحافة، كان بها بعض الايجابية والهدف النبيل، ولعل أشهر هذه المحاولات كان من نصيب الفنانة حنان ترك التي ظل يراودها حلم طفولي انحسر في إصدار مجلة خاصة بالأطفال تعبر من خلالها عن الأطفال وأحلامهم.

وبالفعل التقت حنان عددا من رواد الصحافة المتخصصة، وتحديدا صحافة الأطفال للاستفادة من خبرتهم ليصدر العدد الأول منها في يونيو 2007 تحت عنوان «نونة»؛ حيث أنشأت استوديو خاصا لإصدارها وإنتاج الكرتون والصلصال.

كان هدف حنان منذ البداية تقديم مجلة عربية للأطفال، تهدف إلى تصحيح القيم والأخلاقيات وسط حالة التغيرات الثقافية التي تشهدها المجتمعات حاليا، خصوصا في ظل السموات المفتوحة وانتشار الفضائيات سواء العربية أو الغربية التي سيطرت على عقول هؤلاء الأطفال.

ولم تكتف حنان بمخاطبة الأطفال الأصحاء فقط، بل قررت مخاطبة المعاقين ايضا، وخصصت لهم صفحتين في كل عدد تركزان على الجوانب الإبداعية، والمواهب الفنية لديهم.

كما أصدرت عددا خاصا للمكفوفين مطبوعا بطريقة «برايل» حتى يستطيع الطفل فاقد البصر مطالعة المجلة وقراءتها. وقد تم إصدار 27 عددا من المجلة على الرغم من كل الظروف التي واجهتها، والخاصة بالتمويل، والطباعة.

اختراق مشروع

لم تكن حنان ترك هي الوحيدة في الوسط الفني التي تنشئ مجلة تخاطب بها مرحلة عمرية معينة، لكن قد سبقها في ذلك الفنان محمود حميدة، الذي ظل على مدى 4 أعوام يقوم برئاسة مجلس إدارة مجلة «الفن السابع».

وصدر عددها الأول في العام 1997. أراد حميدة أن يقدم مجلة سينمائية تتبنى المواهب الناشئة سواء من ناحية التأليف أو التمثيل، والإخراج، والديكور، والتصوير، ليتحمّل بمفرده التكاليف منذ البداية،.

وترك التحرير للمتخصصين، وقد حققت المجلة ردود فعل إيجابية واسعة في مصر والعالم العربي لكن في المقابل تعرض محمود حميدة إلى خسائر كبرى تصل إلى 30 ألف جنيه شهريا، فقرر عرض المسألة على السينمائيين للمساهمة في دعمها،.

ولم يجد منهم أي قبول، بل تهرب منه أصدقاؤه في المجال نفسه، الذين كان يثق بهم فأخذ موقفاً بإيقاف صدورها حتى يعيد حساباته مرة أخرى، وكان ذلك في يناير 2001، وعلى الرغم من مرور 9 سنوات على توقفها؛ إلا أنه لم يبادر مرة أخرى إلى إعادة صدورها.

القاهرة: دار الإعلام العربية