كغيرهم من الغجر المهمشين، جرت أخيرا عدة محاولات لإعادة تأهيل الجاوديلا لوهار، وأعاد الخطاب المشهور لجواهر لال نهرو رئيس الوزراء الهندي الأول، الاعتبار لهذه المجموعات ونص الخطاب على أن كرامة وشرف الحدادين قد عادت مع تأسيس الدولة الهندية المستقلة وناشدهم للاستقرار. وشهد الألاف ممن سافروا إلى المدينة بواسطة العربات المكتظة والقطار نهرو يبدأ عهداً جديداً. وتم افتتاح مدارس داخلية قريبة لأطفال اللوهار وتم إطلاق خطط للإسكان وللتوظيف.
ولكن هذه المبادرات لم يكتب لها الاستمرارية، حيث ألغيت إحدى المراكز التي اعتمدت لاستقرار اللوهار إثر وفاة فتاتين مريضتين وفسرت هذه الحادثة على أنها عقاب لمخالفة تقاليد اللوهار. قضية الرحّل المنبوذين ظلت حية بفضل نشاط المجموعات المدافعة عن حقوق الإنسان، ففي العام 2005 شكل البرلمان الهندي لجنة مؤقتة مهمتها البحث في معاناتهم. وينحدر رئيس اللجنة من أصول فقيرة أيضاً من جنوب الهند . ويصرح بشكل واضح قائلاً: » إن هدفناً واضح تماماً، اذا أراد الغجر أن يحصلوا على حق المواطنة والتعليم والانخراط في المجتمع الهندي فيجب عليهم الاستقرار«. ويدرك رئيس اللجنة تماماً حجم التحديات التي يواجهها حيث إن النظام الاجتماعي الهندي لايضع خطط مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار مثل هذه المجموعات نظراً لتشتتهم وعدم استقراهم ويضيف لا توجد منظمات تعنى بشؤونهم ولا وعي بقضيتهم إنهم فعلاً مجموعات منسية.
بعد أسبوع قضيته بصحبة اللوهار بدأت أدرك صعوبة حياة هذه المجموعات دائمة الارتحال، وعلى الرغم من أنني أوضحت لهم منذ البداية أنني لن اقدم لهم النقود إلا أنني حاولت أن أبقى ضيفاً مقبولاً لديهم عبر تقديمي هدايا صغيرة مثل المواد التموينية والحاجات الأساسية من أحد الباعة المجاورين ولكن بالنسبة لبعضهم لم يكن ذلك كافياً أبداً وعمدوا لاستجدائي دائماً لتقديم المزيد. وعلى الرغم من ذلك لم يكن بوسعي إلا أن احترم اللوهار فقد كانوا فنانين ماهرين وعاملين مجدين ويظهرون فخراً واضحاً بما يقومون به.
وبعد قضائي بضعة أيام برفقة اللوهار ظهر العاملون في المخيم بدأ العمال بمد الأسلاك الكهربائية للمنازل، وهنا أظهر البعض من السكان مشاعر العدائية الواضحة لهذا العمل. وفي ظهيرة أحد الأيام كنت مغادراً المخيم برفقة أحد المتطوعين حين أطل علينا ثلاثة صبية بسن العاشرة من سطح إحدى المدارس صائحين: »ماذا بوسعكم أن تفعلوا لهم، إنهم بدو وسوف يظلون كذلك. كنا في بداية شهر مارس وكان موعد الحصاد الربيعي على الأبواب بالنسبة لالو وكيلاشي. أصبح لون حقول القمح ذهبياً تحت شمس النهار التي تزداد حرارة. وفي المخيم كان اللوهار قد وجدوا ملجأً لهم في ظل عرباتهم واستقلوا هنالك.
ويعتبر الربيع بشكل عام شهراً واعداً في ريف راجستان، ولكنه بالنسبة لكانيا شهر مليء بالمخاوف، حيث قررأهلها وجوب عودتها إلى زوجها وعائلتها بعد انتهاء مهرجان أخا تيج الهندوسي في أبريل. وكانت كانيا قدا أخبرتني بأن زوجها سيء جداً ويجبرانها هو وأمه على العمل طوال اليوم ويقومان بضربها حال مقاومتها. وعلى الرغم من ذلك تعلم كانيا بأن الطلاق في مجتمعها أمر غير محمود للمرأة بل ومن المحرمات على إمرأة في مثل وضعها.
تقول كانيا: « ليس في وسعي فعل أي شي حيال هذا الأمر، سأعاني إن ذهبت إلى زوجي ولكنه قدري«.
يعود ضعف كانيا إلى كونها إمرأة ولكن هذا الضعف ينطبق على اللوهار بشكل عام بفعل مرتبتهم الاجتماعية المتدنية التي تجعلهم عرضة للضغوط والإجحاف من قبل الريف الهندي.
وعلمت ذات يوم في المخيم أن مجموعة من المتطرفين الهندوس زارت اللوهار، كانت المجموعة قد علمت بتواجدي مع الهندوس وظنتني أحد المبشرين المسيحيين فأتت المجموعة وهددت بضربي ما أثار رعب اللوهار الذين طلبوا مني الرحيل.
اضطررت على أثر ذلك أن أوضح إلى أنني صحافي ولست رجل دين، فاعتذر الهندوس مني وحتى أنهم قاموا بمرافقتي إلى لقاء اللوهار الذين كانوا قد انتقلوا للمرة الثانية إلى أطراف قرية أخرى.
قبل نهاية مهمتي ومغادرتي للوهار نهائياً قمت بإلقاء نظرة أخيرة على أحوال اللوهار، حيث كانت الأعمال في تراجع وبردت كورة الحدادة الخاصة بهم. فغداً أو بعد غد سيجهزون عرباتهم للرحيل كدأبهم، ولكنهم الآن في حال من التردد والتعب ويبدون حالهم كمسافرين بلغوا طريقاً مسدوداً.
عن مجلة »ناشونال جيوغرافيك« الأميركية عدد فبراير 2010



