آسر ياسين، ممثل شاب لم يتجاوز مشواره الفني السنوات الخمس، لكن دقته في اختيار أدواره كانت مثار إعجاب النقاد قبل الجمهور، فقد قاده الحظ للعمل في أفلام تمثل علامات في السينما المصرية على غرار (الجزيرة، زى النهارده، الوعد) ثم (رسائل البحر)، الذي قدم فيه دورا صعبا على ممثل في بداياته الفنية لكنه نجح فيه باقتدار.
غير أنه لم يسلم من اتهامه بتقليد النجم الراحل أحمد زكي، (الحواس الخمس) التقت آسر عبر السطور التالية.(رسائل البحر) فيلم أشاد به النقاد لكنه لم يحقق الإيرادات المتوقعة، ما سبب ذلك؟أسرة الفيلم بذلت قصارى جهدها لإنجاح العمل، لكن التوفيق من عند الله، وأنا غير متابع لشباك التذاكر أو إيرادات الفيلم، إلا أن كل ما وصلنى حتى الآن أن الفيلم حقق إيرادات تفوق أفلاما أخرى أثارت ضجة قبل عرضها مثل فيلم (أحاسيس).ومع ذلك أرى أن الإيرادات لا يمكن أن تحكم على مستوى الفيلم، خاصة أن النقاد أشادوا به واعتبروه من أمتع الأفلام التي عرضت في الفترة الأخيرة.
رسائل مجهولة ألا ترى أن إخفاق المشاهد في فهم الفيلم سبب رئيسى في تراجع الإيرادات؟ الفيلم كان عبارة عن رسائل كثيرة تدور حول فكرة العلامات، مثل الاستخارة وعلامات قبولها، كذلك حديث النفس للبحر، وبالتالي كان على المتلقي تفسيرها.وهذا لا يضر بمضمون الفيلم ولكنه يخرجه من الإطار التقليدي الذي اعتاد عليه المشاهد، والحياة موجود بها رسائل عدة قد لا نستوعبها، لكن نفهم مغزاها.. ففي (رسائل البحر) ليس المشاهد أمام فيلم يمكن سرد أحداثه بسهولة، إنما عدة شخصيات برع كاتبها ومخرجها في رسم تفاصيلها جيداً، وجعلها تعبر عن نفسها بصدق داخل حدوتة ليست تقليدية ولكنها بسيطة.
كيف استطعت فك رموز شخصية يحيى على الرغم من وجود منعطفات كبيرة بها؟!
شخصية يحيى من الشخصيات الصعبة للغاية، وتحتاج إلى مجهود كبير حتى يفهمها الممثل، وحتى يستطيع بعد ذلك توصيلها للمشاهد، لذلك كانت هناك جلسات عمل مكثفة بيني وبين المخرج داوود عبدالسيد.
وهو المؤلف في الوقت نفسه، وناقشنا كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، ووجدت أن هذه الشخصية متأثرة بأشياء عدة تجعلها بعيدة عن الآخرين.
وتعيش في دنيا خاصة بها، على الرغم من أنه إنسان طيب نشأ في بيئة ثرية وحقق أمنية عائلته بأن يكون طبيباً، لكن مشكلته الوحيدة هي معاناته من صعوبة في النطق مما جعله منطوياً بعيداً عن الآخرين ويتعامل معهم بحساسية مفرطة ومن هنا أمسكت بمفاتيح الشخصية.
لكن الشخصية اختلفت اختلافاً جوهرياً عندما خرجت من القاهرة وتواجدت في الإسكندرية، فهل تعتبر أن ذلك سقطة؟
بالعكس هذه عبقرية من داوود عبد السيد الذي استطاع إخراج يحيى من نافذة ضيقة جداً إلى عالم واسع، حيث كان يشعر في منزل والده بأنه يعيش في سجن كبير، ومطلوب منه أن ينفذ ما يريدون.
وعندما رحلوا تمرد على حياته وذهب ليعيش في شقة بالإسكندرية، حيث تم تنفيذ المشهد ببراعة بصرية غير عادية، واحتك بأنماط مختلفة من البشر، فعلى الرغم من أنه كان يجد الحنين عند جارته وابنتها التي كان يحبها وهو صغير، فإنه عندما وجد (نور) تبدلت حياته.
لماذا تصر على أداء الشخصيات المركبة؟
أعترف بأنني عاشق لتقديم الشخصيات المركبة، لكنني في كل مرة أضع نصب عينيّ الابتعاد عن التكرار في شكل الأداء حتى لا يمل المشاهد الذي يتابع أعمالي، فشخصية الصعيدي الذي يقلب الدنيا في فيلم (الجزيرة) تختلف تماماً عن شخصية المدمن في فيلم (زي النهارده)، وكذلك الشخصية المركبة التي قدمتها في فيلم (الوعد)، حيث أعطاني هذا الترتيب الخبرة الكافية في أداء شخصية يحيى في (رسائل البحر).
لماذا شعر المشاهد بأن علاقة الحب بين يحيى وكارلا لم تكن صادقة؟
هذا الشعور كان متوقعاً منذ قراءتي للسيناريو؛ لأن العلاقة لم تمض إلى نهايتها الطبيعية بفعل الظروف المحيطة بها والخارجة عن إرادتها، والتي كانت سبباً في تغيير مشاعر كارلا تجاه يحيى، بل تغيرت تماماً على الرغم من أنه كان يكنّ لها حباً حقيقياً نظراً إلى طبيعته الرومانسية التي تبحث عن الدفء في المشاعر والحب الصادق.
كيف استعددت لحالة التلعثم التي أثارت شفقة وعطف المشاهدين؟
هذه الحالة موجودة في السيناريو من الأساس، ومنذ أن وافقت على أداء الدور، قمت بعقد عدد من الجلسات مع أطباء التخاطب وبعض الأشخاص الذين كانوا يعانون من المشكلة نفسها، وأنعم الله عليهم بالشفاء، وبدأت في مرحلة إعداد نفسي بالتدريب على (التهتهة).
وأتقنتها في حرف ثم في كلمة ثم في جملة، وعلى الرغم من ذلك لم أحظ بثقة داوود عبدالسيد، فطلب مني الحصول على كورسات في الإلقاء حتى يظهر التلعثم بوضوح، وبالفعل حصلت على دورة تدريبية ساعدتني كثيراً في إتقان الشخصية.
تحديت نفسى
كيف تعاملت مع داوود عبدالسيد ومعظم النجوم يخشون من التعامل معه؟
أولاً العمل مع داوود عبدالسيد فيه متعة شديدة، وقد تحديت نفسي في رسائل البحر، خصوصا بعد أن وجدت أن جميع مقومات الإبداع تتكامل به، بداية من بساطة داوود، مروراً بإبداع المونتيرة منى ربيع، ونهاية بتصوير أحمد موسى، كل تلك الأمور اجتمعت ليخرج الفيلم بهذا المستوى الراقي.
هل توقعت بساطة داوود عبدالسيد؟
يكفيني فخراً أنني عندما أدخل اللوكيشن لا أجد أي تعقيدات أو معادلات صعبة، وكنت أجد داوود يتعامل مع الجميع بتواضع وحرفية شديدة، وهذا سر عبقريته، وهو ما اكتشفته بعد عملي معه.
تضمن الفيلم عدداً من المشاهد الصعبة كيف أديتها بهذه الحرفية؟
صراحة هناك عدد من المشاهد أخذت من الجميع مجهودا بدنيا خارقا، خصوصا مشهد النوة الذي أديناه في جو شديد البرودة، وقد وقفنا فترة طويلة حتى يتم تغيير العدسة.
إضافة إلى صعوبة بعض المشاهد من الناحية النفسية، التي تعتمد على الحركة وليس الكلام، وإن كان أصعبها على الإطلاق المشهد الذي يتحدث فيه يحيى على السلم للمرة الأولى عن نفسه، ويتذكر بطريقة تجعل طريقة أداءئه في تقطيع صورته تزداد.
هل أعطى مشهد النهاية المعنى الذي كنتم تريدون توصيله للمشاهد؟
مشهد النهاية يحمل داخله حالة دلالية، فالبطل والبطلة داخل كل منهما مشاكل مختلفة تعوقهما عن الاستمرار في الحياة، فهو يشعر بأن الدنيا تسقط فوق رأسه.
وهي تشعر بأنها فتاة ليل على الرغم من أنها غير ذلك، فيهربان من هذه المعوقات إلى قارب صغير وسط الدمار الذي يرمز له بالسمك الميت الطافي على سطح البحر، وهذا يجيب عن الرسالة التي طرحناها في بداية الفيلم، وهي أن الإنسان يستطيع أن يعيش حتى وسط الدمار.
ثنائيات فنية
هل نجاحك مع بسمة في فيلم (زي النهارده) جعلك تتحمس للعمل معها في (رسائل البحر)؟
ليس من المنطق أن تقول إن ممثلا نجح مع ممثلة في فيلم ما، إذن من المؤكد أنه سينجح معها في فيلم آخر، فالمسألة لا تحسب هكذا، فبعد فيلم (زي النهارده) مع بسمة، قدمت فيلم (الوعد) مع روبي، وبعدهما (رسائل البحر) مع بسمة.
لكن التفاهم الموجود بينك وبينها يؤكد ضرورة عودة فكرة الثنائيات؟
الثنائي الفني فكرة موجودة في السينما منذ بداية عملها، ولا يقتصر وجودها على السينما المصرية بل أيضاً موجودة في السينما العالمية.
وأنا لا أنكر أنني أشعر بتفاهم شديد مع بسمة منذ فيلم (زي النهارده) الذي حقق نجاحاً كبيراً، حيث يعود ذلك إلى موهبتها التي تمكنها من التعايش مع الشخصية التي تؤديها بسهولة، مما جعل العمل أشبه بالمباراة التي يريد كل منا إخراج كل طاقته لتحقيق الفوز، وصاحب الفضل في ذلك هو المخرج.
ألم يقلقك أن الفيلم كان مكتوباً لأحمد زكي ومر بمشاكل إنتاجية متعثرة؟
لا يوجد أي وجه للمقارنة بيني وبين النجم الراحل أحمد زكي، ففي بدايتي شبهني البعض به، وأنا بالفعل أنتمي للمدرسة نفسها، وهذا شرف لي.
وقد علمت أن الدور رشح له أحمد زكي قبل 7 سنوات، أثناء التصوير فقط، ولم أتضايق أو أشعر بالقلق، لكنني تمنيت أن أكون على قدر المسؤولية التي منحني إياها داوود عبدالسيد.
لكن البعض يرى أن ذلك سوف يحصرك في أدوار أحمد زكي؟
كما قلت شرف لي أن يقال إنني أحمد زكي القادم، وأتمنى أن يتحقق ذلك.. وأنا لا أزال مصراً على أنني لا أقلده، وأختلف عنه تماماً فيما عدا البشرة السمراء، وملامحنا المصرية الواحدة والمقارنة به ظلم كبير لي.
شرف الفن
الجميع يسعى للنجومية والبطولة المطلقة، فماذا تعني تلك الألفاظ لآسر ياسين؟
النجومية عندي هي الحفاظ على شرف المهنة، وأنا أسعى لكي أكون ممثلاً شاملاً وليس من أجل الشهرة أو المال، وأتمنى دائماً أن أكون جديراً بأني فنان أو نجم حسب قيمتي الفنية وليس حسب القيمة الجماهيرية.
القاهرة: دار الإعلام العربية


