لايزال يحظى بنكهته التي تنعش كل من يسير فيه وخصوصاً عند السير أثناء الليل لمشاهدة محلات الموسيقى.

بلا ذكرى أسير كأنني سائح غريب عن المكان، أصور ما أرى، وما كان يجب أن أراه، لولا أن الزمن، طبيب العاطفيين، يمر علينا ويمحونا متى شاء.. في شارع محمد علي بوسط القاهرة تاريخ من الفن يحتضن الرصيف، تعاويذ ملقاة على صدر المكان تدندن ألحانها على عزف آلات من قطع معمارية هندسها باني مصر الحديثة، محمد علي باشا. وأعاد فيها بعد الخديوي إسماعيل العام 1863 تغيير وجه القاهرة من خلاله؛ فشق طريقًا يصل بين عالمين؛ الأول مسجد «السلطان حسن» بمنطقة القلعة، الثاني «دار الأوبرا القديمة» بميدان العتبة الخضراء.

هذا الشارع الذي أراد الخديوي إسماعيل بشقه تغيير وجه المحروسة، وإعادة الجمال إليها، ليصل بين ميدان الرميلة بالقلعة - وهو الذي يتوسطه مسجد السلطان حسن، أحد أجمل مساجد العالم - وبين العتبة الخضراء والأزبكية، حيث ازدان الميدان بالأيقونة الأكثر جمالا دار الأوبرا القديمة. واستقدم الخديوي مهندسين فرنسيين وإيطاليين لتصميم وتنفيذ العمارة الخاصة بالشوارع التي تم شقها، وكان ضمنها بالطبع شارع محمد علي، وكان نتاج هذا مجموعة من المتاحف المفتوحة أظهرت فنون عمارة الركوكو والباروك والبواكي.

ويتقاطع الشارع المستقيم حاليًا مع شارع بورسعيد عند ميدان باب الخلق «باب الخرق أصلاً»، ويشتمل على عدة مساجد أثرية أبرزها بالطبع مسجد قوصون «قيسون كما يطلق عليه العامة».ويعود إلى الدولة القلاوونية، أيضًا يضم المبنى العتيق لدار الكتب والوثائق التي اكتست بالحسن خصوصًا بعد ترميمها وإعادة تطويرها بمساهمة إماراتية. موئل الفن ولا تقتصر شهرة الشارع على تاريخه فقط، إنما له شهرة ساطعة في تراث مصر كلها، في عدد من الفنون، منها أكبر تجمع لإنتاج وتسويق الموبيليات في مصر بعد دمياط وهو سوق المناصرة، لكن الشهرة الأكبر كانت لكونه الموئل الأكبر للموسيقيين وسوق الآلات الموسيقية و«العوالم».

وما زال.. فقد أسهم قربه من شارع عماد الدين بكل ملاهيه ومسارحه، وكذلك حديقة ومسارح الأزبكية ودار الأوبرا، ما زاده زخمًا وأهمية بالنسبة للفنانين..

ولعشاق القاهرة القديمة لا بد أن نذكر بأن الشارع علاوة على كونه كنزًا معماريًا فهو أيضا مقصد ممتاز لمن يريد تلمس الحياة في الحارة المصرية الضيقة الحميمة.

وبالأخص تلك الحارات التي هي عبارة عن درج حجري يلي آخر، والتي يتفرع أغلبها في القاهرة من شارع محمد علي؛ ما جعل من الشارع مقصدًا لعشاق الغناء الشعبي، الطرب المعتدل، فاحتضن الفن وصُناع الآلات الموسيقية وعازفيها وراقصيها لزمن طويل، ولسان حالهم في الغياب؛ يقول: «متى يجمع الدهر ما فرّق؟..

لم يبق من الشارع سوى محلات متناثرة لبيع الأدوات الموسيقية، وأخرى لإصلاحها لتكون شاهدة على هذا التاريخ القديم».

توءم ريفولي الباريسي

عندما فكر محمد علي باشا في إنشاء الشارع على نسق شارع «ريفولي» في باريس؛ ليكون مجمعًا للكتب، المطابع، وحلقة الوصل بين محل الحكم في القلعة وحتى الأزبكية، مقر حراسته وحاشيته، ويتوسطه متحف الفن الإسلامي، ودار الكتب، التي تعتبر درة دور المخطوطات في العالم..

لم يكن يدرك أنه سيتحول بمرور الزمن إلى أشهر شوارع القاهرة في الفن والموسيقى، لم يكن يعرف أن جانبيه سيرصعان بالأنتيكات والآلات الموسيقية والفرق المسرحية والشعبية، ومنها فرقة:

«حَسَب الله»، أشهر فرقة للفنون الشعبية والاستعراضية، لم يكن يعرف أن الشارع سيكون صاحب الفضل على عدد كبير من نجوم السينما والتليفزيون، لكن التاريخ يسخر من ضحاياه ومن أبطاله، فيُسقط أوراقًا، ويُبقي أخرى حتى حين.

يقطع الشارع من منتصفه شارع بورسعيد، الذي كان يطلق عليه من قبل شارع «الخليج المصري»، الذي يزخر بعدد كبير من الآثار الإسلامية، مثل مسجد السيدة زينب، «السلطان حسن»، أحد أجمل المساجد على مستوى العالم لما يحتويه من فنون العمارة الإسلامية.

وفي مواجهته مسجد «الرفاعي» الذي يحتوي على ملحق به مقابر ملوك وأمراء أسرة محمد علي حتى الملك فاروق، كذلك مدفن شاه إيران الذي شيدته «خوشيار هانم» والدة الخديوي إسماعيل، ويعد من الأماكن الجاذبة لزوار القاهرة.

الأوبرا ودار الكتب

كما ترجع شهرة الشارع الفنية لاقترابه من الأوبرا المصرية القديمة، كذلك منطقة الأزبكية التي ضمت المسارح الفنية والمقاهي والكازينوهات الخاصة بأهل الفن، إضافة إلى قربه من شارع عماد الدين، درة المسارح والسينمات الشهيرة؛ تظهر محلات بيع الآلات الموسيقية والمقاهي الفنية في شارع محمد علي؛ لتحل محل أماكن بيع الكتب.

وتستمر شهرته في الفن، خاصة الموسيقى والرقص الشرقي، وعلى الرغم من اندثار هذه الفنون من الشارع هذه الأيام، إلا أن المحلات مازالت موجودة، تعرض وتبيع الآلات على جميع مستوياتها مثل النحاسيات، الناي، الأوكرديون، العود، التي تجذب أعدادًا كبيرة من السائحين من أجل التعرف إلى تاريخ الشارع.

ولا يقف الشارع عند حد الآلات الموسيقية كما نرى، لكنه يضم أكبر دار للكتب والوثائق المصرية التي تضم المخطوطات النادرة، أمهات الكتب، المراجع والعملات الأثرية، وقد تم أخيرًا تحويل بعض من هذه الكتب إلى مقر الهيئة العامة للكتاب على نيل القاهرة، ثم تطوير المبنى، وتحويله لمركز للدراسات العربية والشرقية.

خلف دار الكتب تقع سوق شهيرة هي «سوق المناصرة»؛ لتصنيع وتجارة الأثاث، وهي الأشهر في مصر بعد محافظة دمياط، إضافة إلى عدد كبير من المقاهي والمحلات التي كانت تحظى بشهرة كبيرة عندما كان حي «الحلمية»، المجاور لشارع محمد علي، هو الحي الأرستقراطي في مصر، ومن المقاهي الشهيرة بالشارع مقهى «عكاشة»، كذلك حارة «البياني» التي ذكرها مسلسل «ليالي الحلمية».

فنون معمارية

كما حظي الشارع بفنون معمارية عالية تعكس التنسيق الحضاري في عصر محمد علي، والتي تعد نقطة التحول الكبرى في التطور المدني والمعماري التي بدأت في عهده؛ لتأخذ ملامح المدنية الحديثة فيما بعد؛ إذ تميزت العمارة بطرز جديدة لاستقدام محمد علي مهندسين أجانب، فظهرت أنماط تركية، وألبانية، وظهر ما يعرف ب«الطراز الروسي» كذلك طراز «الركوكو».

وتعتبر عمارة «البواكي» من أشهر العمارات التي يشتهر بها الشارع، حيث طلب الخديوي إسماعيل أن تكون على طراز عمارات إيطاليا، وتكون في الوقت نفسه مناسبة لطقس البلاد الحارة؛ كي يستطيع المارة السير على الرصيف المظلل؛ ليشاهدوا المحال التجارية دون أن يتأثروا بحرارة الشمس.

تم استقدام المهندسين الفرنسيين والإيطاليين والأتراك لتصميم وتنفيذ عمارة «البواكي»، ومعظم العمارات المجاورة، وبين الأصالة والتجديد بدأ الشارع يتخلى عن ميزاته، فتحولت محلات الموسيقى من التصنيع إلى البيع فقط؛ ليتم استيرادها من أوروبا بعد أن كانت صناعة الآلات الموسيقية حرفة يتميز بها أبناء الشارع.

ولم يبق من هؤلاء الصُناع سوى محلّي «أنطوان، وجميل جورج» اللذين تخصّصا في تصنيع وبيع جميع الآلات الموسيقية مثل العود والكمان والبيانو، وتخصصا حاليًا في العود فقط.

صخب

خلف الزحام، وأصوات الأوتوبيسات، وطرقات الفن الهابط المنبعث كالدخان من كاسيتات المحلات الصغيرة، اختبأت معالم الشارع، وجاء احتلال محلات «اللب والفول السوداني»، الأنتيكات، البوتيكات، فسرقت الأضواء القديمة من الآلات الموسيقية.

وعلى الرغم من الزحف الشديد التي تعجز الأصالة عن مواجهته، مازال شارع محمد علي يحظى بنكهته التي تنعش كل من يسير فيه، خاصة عند السير أثناء الليل لمشاهدة محلات الموسيقى مفتوحة الأبواب والموسيقيين الموجودين حاليًا على مقهى «التجارة»، التي مازالت تحتفظ بصور كبيرة لنجوم الفن مثل أم كلثوم، فريد الأطرش،.

وردة، فقد أسس هذا المقهى عجوز يوناني عاد إلى بلاده، وترك المقهى لأحد العاملين لديه منذ 120 عامًا، واشترط عليه أن يحافظ على طرازه المعماري، وأن يتم التجديد في إطار النسق الموجود عليه.

وقد أدى انتشار الآلات الموسيقية الحديثة، وزحف «الدي جي» إلى انحسار الإقبال على محلات الشارع، بعد أن سيطرت الحداثة على ساحة الأفراح في مصر، فصعد المزاج الغربي إلى ذروته مع بدايات الانفتاح وحتى الوقت الحاضر، ولم يبق من زمن العوالم سوى عمارتين فقط تسكنهما الراقصات والعوالم، هما «حيفا» و«يافا».

ومن أشهر العوالم الأسطى «عنبة» الراقصة الوحيدة الباقية من زمن العوالم ومعها تلميذتها «دوسة». بيوت الشارع قديمًا كانت تصدر الأصوات العالية والضحكات الهستيرية والموسيقى الصاخبة ودخان السجائر الكثيف.

ولا يجرؤ أحد الاقتراب من هذه البيوت حاليًا إلا بعد استئذان شيخ الحارة الذي يقوم بالاتصال بأصحابها ليبدوا رغبتهم في مقابلة الزائر أو رفضها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية