نشاطات احتفالية عدة تقام للمرأة كل عام في عيدها السنوي الذي وافق 8 مارس (مارس) الجاري، وتزامن هذا العام مع مرور مائة عام على الاحتفال بهذا اليوم، وخلال هذه الاحتفالات تزايد الحديث عن المكاسب التي حققتها المرأة ومدى الاهتمام بقضاياها وحقوقها في الحياة العامة مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات السابقة.

لكن اللافت للنظر أن الحديث لم يتناول المرأة عموما بكل فئاتها، بل انصب الحديث على الفتيات الجامعيات، وسيدات المجتمع اللائي يظهرن في كامل أناقتهن عبر الفضائيات والمنتديات وصفحات الجرائد، في حين أنه في المقابل كانت هناك فئات أخرى مهمشات يعشن واقعا أليما، دون أن يتذكرهن أحد. تعالوا نتعرف كيف قضين هؤلاء السيدات يومهن (العالمي)!هانم - 25 عاما، تعمل بائعة خبز في أحد الشوارع العامة، تقف من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساء لتبيع الخبز، تعول زوجا مريضا وأطفالها الثلاثة، ابتسمت حينما سألناها عن يوم المرأة العالمي، وقالت ببساطة شديدة: لا أعرف يوم المرأة ولا يوم الرجل، ما أعرفه فقط هو أنني مسؤولة عن زوج قعيد وطفلين صغيرين، ولا أجد راحة ولا طعما للسعادة إلا حينما أوفر لهم الحد الأدنى من متطلباتهم.

الخادمة الحال لا تختلف كثيرا عند شادية، تلك السيدة التي تجاوزت الأربعين من عمرها، فهي أم لخمسة أطفال، يعمل زوجها إسكافيا، ودخله لا يكفي لتلبية نفقات أسرته لذلك اعتادت هي أن تلبي طلبات الأسر في حملات التنظيف التي يحتجن إليها في المناسبات والأعياد نظير بعض الثياب المستعملة وقليل من المال، التقيناها أثناء نضالها في أحد طوابير الخبز المنتشرة في العاصمة المصرية. وسألناها عن يوم المرأة العالمي، فنظرت بدهشة واستنكار وكأننا نسألها عن الشيطان الرجيم، قبل أن تقول:

أنا لا أعرف إلا عالمي أنا وأطفالي الذين يصرخون جوعا، إنني هنا في طابور الخبز من السابعة صباحا أظل في طابور طاحن بلا وقت معلوم لأحصل على الخبز المدعم الذي صار أقصى أحلامي بأن أحصل على بعض الأرغفة دون أن تتمزق ثيابي من شدة التزاحم، أو يتحرش بي بعض منعدمي الأخلاق. عالم آخر هاجر، 20 عاما، عندما تراها تعتقد أنها طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، لكنها مع ذلك أم لطفلة في السابعة من عمرها، وكلاهما هاجر، وطفلتها تعملان لاكتساب قوتهما بنفسيهما، حينما سألنا هاجر- التي تركها زوجها دونما سابق إنذار- عن يوم المرأة العالمي ضحكت في براءة شديدة، وقالت بنبرة متخابثة: يوم المرأة العالمي!! أنا ما بدخلش سيما يا بيه.. حاولنا إفهامها بمعنى الاحتفال باليوم العالمي للمرأة فقالت باستنكار لم تتعمد صبغه بنبرة البؤس التي غلبت على كلماتها:

زي ما أنت شايف، أقف في إشارة المرور على مدار اليوم أبيع المناديل الورقية من الصباح حتى الساعة السابعة مساء، بعدها أرجع إلى الغرفة التي استأجرتها بعد أن تركني زوجي، وانتظر ابنتي حتى تعود من البيت الذي تعمل فيه، هذا ما أفعله كل يوم.

نظف حذاءك يا بيه

فتحيةـ 45 عاما، تجدها دائما في أحد الميادين الشهيرة، عيناها دائما منكستان على صندوق خشبي يحوي بعض الأصباغ وملمعات الأحذية، تمارس عملها في تلميع أحذية المارة دونما كلل أو شكوى من الأوحال التي تنزعها عن مختلف الأحذية التي ترد إليها.

حينما سألناها عن اليوم العالمي للمرأة وكيف احتفلت به، لم يبد عليها الدهشة أو الاستنكار، لكن جوابها كان أكثر دهشة حينما تجاهلت الرد عن التساؤل قائلة: تنظف حذاءك يا بيه؟!

بائعة الخضار

نبوية.. سيدة في الخامسة والأربعين من عمرها، تركها زوجها وسافر منذ سنوات بعيدة إلى العراق وانقطعت أخباره تماما، لا تعرف إن كان على قيد الحياة أم أنه غادرها في صمت، تركها وخمسة أطفال في مراحل التعليم المختلفة دونما مورد رزق.

لذلك لم تجد أمامها سوى بيع قليل من الخضار الطازج في الحارة التي تقطنها، وبقليل من الجنيهات التي تكسبها تمضي بها سفينة الحياة.. سألناها ماذا فعلت يوم الثامن من مارس الفائت فأجابت:

لا شيء غير عادي، خرجت في الصباح الباكر إلى السوق واشتريت الخضار وعدت إلى الحارة لأبيعه في المكان المعتاد، لكن هذا اليوم كان بالنسبة لي يوما سعيدا، فقد بعت كل الخضار، وكسبت نحو خمسة جنيهات زيادة عن المعتاد يوميا، ما جعلني أشتري لأولادي نصف كيلو لحم مشوي أكلناه في احتفال بهيج.

يوم أسود

سمكة، هكذا ينادونها، بائعة سمك في الخامسة والثلاثين من عمرها، تضع طاولات لمختلف الأسماك أمامها، وتنادي على بضاعتها في حماس بصوت مبحوح من كثرة النداء، تلبي طلبات الزبائن.

وترد على فصالهم اللحوح بحسم أحيانا ومرونة أحيانا أخرى، ثيابها مبتلة من جراء حملها المستمر لطاولات السمك، يداها لا تتوقفان عن تنظيف الأسماك حسب رغبة المشترين.. أبدت غضبها الشديد حينما ذكرنا لها يوم الثامن من مارس، حيث صرخت في غضب شديد:

ما تجيبليش سيرة اليوم الأسود ده، لقد جاء جنود البلدية وسطو على طاولات السمك وكبدوني خسائر فظيعة.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.