يعتبر المطرب التونسي لطفي بوشناق حالة فنية فريدة في مسيرة الغناء العربي، فهو يمتلك صوتاً يستطيع المرء أن يميزه وسط مئات الأصوات بمجرد سماع أول جمله الغنائية، خلال مشواره الغنائي اختار لنفسه خطا مختلفا عن بقية المطربين حتى ان النقاد وصفوه بالمطرب الملتزم، يحل بوشناق هذا الأسبوع ضيفا على برنامج (ليالي السمر) في موسمه الثاني .

حيث يشارك كارول صقر في إحدى حلقات البرنامج الذي يبث على شاشة أبو ظبي الأولى، في كواليس البرنامج كان ل(الحواس الخمس) هذا اللقاء مع الفنان بوشناق:حول قلّة ظهوره في البرامج الفنية التلفزيونية ومشاركته في ليالي السمر؛ يقول بوشناق: بالفعل أنا قليل الظهور في البرامج التلفزيونية التي أصبحت برامج كلامية فقط دون هدف محدد أو واضح أو يستفيد منها المشاهد، وأرفض دائما أن أكون سببا في تضييع وقت المشاهد بحديث لا فائدة منه.

ولكن وافقت على الظهور في برنامج (ليالي السمر) لعدة أسباب أولها أنني وجدت نفسي أمام برنامج متميز على كل المستويات بداية من جودة المضمون فيه مروراً بضيوفه الذين يعتبرون خيرة مطربي العالم العربي، ووصولاً إلى الشكل الذي يعتمد عليه البرنامج، فللمرة الأولى أرى برنامجا يتم تصويره في الهواء الطلق.ومن خلال ديكور يعبر عن البيئة العربية بكل تفاصيلها، لذلك فهو برنامج مختلف عن البرامج الأخرى، إضافة إلى أنه برنامج يعتمد على الغناء في المقام الأول.ولبوشناق وجهة نظر بما يخص إطلاق النقاد عليه لقب (الفنان الملتزم) فيقول: أنا ضد هذه التسميات والألقاب، أنت فنان فحاسب نفسك كفنان، واسأل هل أنت جدير بحمل لقب فنان أم لا؟

الفن هو الالتزام، وإمّا أن يكون ملتزماً أو لا يكون، والالتزام الذي أقصده الحفاظ على مستوى راق للفن، ووضعه في خدمة الوطن والإنسان، وهذا ما سعيت إليه في أغنياتي، سعيت لأن تكون بصمتي وهويتي واضحة فيها، وهذا لا يكون على حساب السوية الفنية، بل من خلال ألحان راقية قوية لا تكون نسخة طبق الأصل عن الماضي، فنجتر نفس الموضوعات.

سيد درويش كان مرآة عصره ولم يعش الانتفاضة ولا غزو العراق، ولا انتهاكات حقوق الانسان، نحن علينا أن نعيش هذه الأحداث في فننا.

ولا يرفض بوشناق كما هو شائع عنه- فكرة أغاني الفيديو كليب؛ إلا أنه يرى أن الصورة باتت تطغى على جوهر الأغنية، ويقول: من قال إنني ضد الفيديو كليب، أنا أنطلق من مبدأ أغنية ناجحة كلمة ولحنا وأداء وتنفيذاً وتوزيعا، ثم تأتي صورة جميلة هي الكليب، لتكمل هذا العمل الناجح والجميل من الأساس، فالمقصود بالكليب أن تكون الصورة معبرة عن مضمون الأغنية، حيث لو أغلقت الصوت أعرف مضمون الأغنية من الصورة.

وتساءل بوشناق (بالله عليكم ما هو مضمون الأغاني الآن إذا أغلقنا الصوت، واكتفينا بالصورة فقط؟ وفق هذه الرؤية فإن الكليب هو المتمم لعمل ناجح من الأساس وليس العكس.

أعتقد أن هناك شروطا يجب توافرها في الكليب الذي سأقدمه، وهي أن يتناسب الكليب مع عمري وشكلي، وبالموضوع الذي أغنيه، وليس فقط عمل كليب لمجرد القول بأني لدي كليب.

في بعض الحفلات التي أحياها؛ يلقي بوشناق الميكرفون جانباً ليصدح بصوته الرائع في أرجاء المكان، فرأى البعض أنه استعراض عضلات، يجيب عن ذلك: لقد حدث ذلك في بعض المرات حين وجدت أن القاعة التي أغني فيها مصممة هندسياً للغناء من ميكرفون، فجربت ذلك؛ فكان الوضع ممتازاً والصوت واضحاً، وكان الجمهور ذواقاً للفن الأصيل فانطلقت بالغناء بتلك الصورة.

وهو ليس استعراض عضلات، ويستعيد بوشناق بعد هذه الكلمات ذاكرة تعود إلى سنوات عدة، حين بدأ الغناء بسن الخامسة، فيقول:

كنت أغني الغناء التونسي الشرقي من موشحات وقصائد وأدوار، فلفتّ الانتباه إليّ بصوتي وأدائي المتقن، فتم ضمي إلى المجموعات الموسيقية في المعهد الرشيدي وفرق الإذاعة والتلفزيون التونسية.

وانطلقت بعد ذلك أشارك في المهرجانات التونسية (قرطاج والحمامات)، ثم انطلقت عربياً فشاركت في مهرجان جرش في الأردن وفي دار الأوبرا بالقاهرة ومعهد العالم العربي بباريس وغيرها.

وتتلمذت على يد كبار الموسيقيين في تونس أمثال علي السريتي وصالح المهدي وتوفيق الذويدي وعبد الحميد بلعجية ومحمد سعادة وآخرين، وأنا من أشد المولعين بأساطين الموسيقى العربية مثل محمد عثمان وعبده الحامولي وسيد درويش وزكريا أحمد.

يضيف بوشناق: لقد اطلعت على كل التراث العربي الغنائي، ولدي مكتبة تراثية تحتوي على تسجيلات لمعظم مطربي القرن العشرين، ومن الشام أحتفظ بكل موشحات رقص السماح إلى جانب القدود الحلبية، ولدي تسجيلات نادرة للمقامات العراقية لرشيد القندرجي ومحمد القبانجي وناظم الغزالي وسليمة مراد.

وأيضاً لدي كنوز نادرة من التراث الخليجي كأغاني عبد الله فضالة وعوض الدوخي، ولدي تسجيلات للمحضار وهو من كبار التراثيين في عالم الطرب في حضرموت، ولم اكتف بالموسيقي والتراث الموسيقي العربي، فأنا لا أترك شيئاً فيه أصالة إلا وأسمعه.

أستمع إلى الموسيقى الأذربيجانية والهندية، وكذلك موسيقى أميركا اللاتينية ذات الايقاعات الراقصة، وهذه الثروة الموسيقية المتنوعة عندي أعتبرها نقطة قوة لي، وعندما أغني، وخصوصا الغناء المعتمد على الارتجال، تجدني متمكناً جداً في الانتقال من مقام إلى آخر بيسر وسهولة.

ويلمس المستمع الخبير في الوصلة الواحدة مدارس غنائية مختلفة، يستشعر أسلوب غناء المقام العراقي والنكهة المصرية المميزة، ويلمس الروح الجبلية اللبنانية أو الشامية. كل هذا ممتزج بأسلوب الغناء التونسي.

أبو ظبي- محمد الأنصاري