معظم الوحدات مؤجرة بأسعار زهيدة قد لا توازي قيمة كوب شاي مع قطعة جاتوه الحنين أبرز علاقات الإنسان بالمكان، أين؟ هذا التساؤل يحدد جغرافية الروح قبل الجسد، وفي شوارع القاهرة كانت هناك عمائر، وكان للعمائر سُكان، وللسكان حياة، وللحياة ذكرى بعد الغياب، وحضور مطلق للمكان.
فنون على الجدران والواجهات، تروي بسرد زماني محكم تفاصيل معمارية منقوشة بمهارة عازف، ودقة نحات، حيث ارتبط الوجدان المصري بالعمارات القديمة، تجدها شامخة في وسط البلد، في روكسي، جاردن سيتي، في القاهرة الخديوية، ليس فقط لما تحمله هذه المباني من ذكريات؛ لكن لكونها خير شاهد على تزاوج الحضارات. واستيعابها جميعا على أرض مصر «الطرز الأوروبية، الكلاسيكية والجديدة، العناصر الشرقية» جنبا إلى جنب، متورطة في حالة توثيق لتراث القاهرة. في السطور التالية نعيش في أجواء بنايات من القاهرة القديمة تعود إلى عصر الملكية والاستعمار؛ لكنها لا تزال محافظة على الروح القديمة، ولا يزال سكانها يعيشون فيها.
الخديوي عبارة عن «بلوك» في شارع عماد الدين بوسط القاهرة، مكونة من 4 أجزاء، مقسمة إلى نصفين، يمينا وشمالا، وتتكون من سبعة طوابق؛ تحتفل العام المقبل بمئوية إنشائها الذي جرى في العام 1911م من خلال مسابقة معمارية نظمت لهذا الغرض، تقدم لها مجموعات من أمهر المهندسين المعماريين الأوروبيين؛ لتكون أول تجمع سكني تجاري عرفته القاهرة عبر تاريخها الحديث، يضم خدمات ترفيهية، من دور سينما، مقاهٍ، مطاعم.وتحمل على واجهتها طراز «نيو باروك» المعماري، وهو من الطرز المعمارية التي تزدحم بالزخرفة والتماثيل بكثافة وتعقيد، وهو الأمر الذي يجعلها ثرية من الناحية الفنية.
جروبي
وعلى الطراز المعماري نفسه تطل عمارة «جروبي» على ميدان طلعت حرب بمنطقة وسط البلد، والتي شيدت العام 1924م، على يد المهندس المعماري «كاسمين».
وإضافة إلى التميز المعماري الفريد التي كانت تتميز به نجد أنها كانت مملوكة لحلواني سويسري يدعى «جاك جروبي» الذي جعل منها أشهر صالونات الشاي والرقص في القاهرة.
والغريب أن معظم وحدات العمارة، والتي تتكون أقل شققها من 4 غرف، مؤجرة بإيجارات قديمة بأسعار زهيدة قد لا توازي قيمة كوب شاي مع قطعة جاتوه.
تيرنج
من أشهر عمارات وسط المدينة، توجد في منطقة العتبة، وتحمل طراز «نيو باروك» أيضا، تتميز بقبة عالية، وتمثال لكرة أرضية يحملها أربعة ملائكة، وتعتبر من المعالم الرئيسية في وسط البلد.
حيث تم استخدام واجهتها المعمارية في تصوير عدد من الأفلام كما حدث في فيلم «تفاحة» للمخرج رأفت الميهي، وتضم هذه العمارة محلات «تيرينج» التي كان يملكها رجل يدعى «فيكتور تيرنج»، وشيدها في العام 1913م مهندس تشيكي يدعى «أوسكار هورفين»..
المثير في الأمر أن صاحب العمارة تم طرده من مصر من قبل الاحتلال الإنجليزي نظرًا لنشاطه المعادي للإنجليز.. محافظة القاهرة شعرت مؤخرا بأهمية هذه العمارة، واعتبرتها أثرًا يستحق الحماية.
عمارة يعقوبيان
واحدة من أشهر عمارات القاهرة على الإطلاق، تم بناؤها العام 1934م على يد صاحبها عميد الجالية الأرمنية جاكوب يعقوبيان، وسميت باسمه حتى الآن،.
وكان من بين سكانها المحامي عباس الأسواني، والد الأديب علاء الأسواني، الذي ألف الرواية الشهيرة «عمارة يعقوبيان»، والذي استقى أحداثها من الحياة في تلك الفترة، وتظل العمارة شاهدة على آلاف الحكايات التي دارت بين جوانبها.
وكان أبطالها من مشاهير الطرب والتمثيل والأدب وعالم المال، كما تظل، على الرغم من مرور عقود على إنشائها، شاهدة على عصر من الجمال المعماري الذي لم تفلح البنايات الحديثة في تغييب أو طمس هويته.
وأعادت رواية علاء الأسواني هذه العمارة إلى دائرة الضوء مرة أخرى، وهو ما يثير العجب، فهل تحتاج الآثار والتحف الفنية إلى فن آخر ليعيدها من الموت إلى الحياة؟.
عمارة «يعقوبيان» نفضت الزمن، وحاولت أن ترصد تغيرات المجتمع المصري بأكمله، فلم تعد مجرد مبنى مكون من جدران وأسقف، بل صارت رمزا يصلح لرصد البشر، وتعقب ما يطرأ على سلوكهم وتاريخهم من صعود أو هبوط، وهذه قيمة المبنى حين ينشأ أولا كفكرة فنية قبل أن يكون مكانًا يصلح للسكن.
الإيموبيليا
تقع في شارع شريف بوسط القاهرة، ويرجع تاريخ إنشائها إلى العام 1940م، تتميز بمساحتها الواسعة 5444 مترا مربعا، ويصل عدد الشقق بها إلى 370 شقة، وتتكون العمارة من برجين، أحدهما بحري، ويتكون من 11 طابقا، والآخر قبلي، ويرتفع 13 طابقًا.
وقد اشتركت في بنائها عدة شركات، طرح مشروع تشييدها في مسابقة معمارية، وتلقت الشركة العمومية 13 مشروعًا قامت بفحصها خلال 30 يوما، ثم منحت الجائزة الأولى لمشروع المهندسين المعماريين ماكس أدرعي، جاستون روسيو، بينما حصل المهندسان أنطوان نحاس، وجاك بورديه على الجائزة الثانية، وقد بدأ العمل في إنشاء العمارة في 30 أبريل 1938م.
وتكلف بناؤها - آنذاك - مليونا و200 ألف جنيه مصري، ومع بدء تأجير الشركة المالكة لشقق العمارة نشرت إعلانا في الصحف لتشجيع الناس على السكن بها من خلال التركيز على عدد المصاعد الموجود بها، والذي يقدر بنحو 26 مصعدا، وكانت تقسم إلى ثلاث فئات «بريمو» للسكان، وثانٍ «سوكوندو» للخدم.
وثالث للأثاث، كما تناول الإعلان قوة أساسات البناية التي لا تؤثر فيها الهزات الأرضية، إضافة إلى إعفاء الساكن من دفع إيجار العمارة لمدة ثلاثة أشهر، وتبدأ من لحظة توقيع عقد الإيجار الذي كانت قيمته تبدأ بستة جنيهات، وترتفع إلى تسعة جنيهات، وأخيرًا 12 جنيهًا حسب مساحة الشقة.
وهي مبالغ إيجارية عالية إذا ما قورنت بقيمة النقود في تلك الفترة التي لم يكن يتجاوز فيها سعر إيجار شقة مساحتها 140 مترًا على جنيهين أو ثلاثة، وبالطبع أغرت البناية العديد من الفنانين للسكن بها، ووصل عددهم إلى نحو 30 فنانًا، منهم:
نجيب الريحاني، محمد فوزي، أنور وجدي، ليلى مراد، محمود المليجي، محمد عبدالوهاب، ماجدة الصباحي التي لا يزال مكتبها موجودًا بها حتى الآن، ولا تزال تتردد عليه.
الشواربي باشا
تقع في شارع 26 يوليو في تقاطعه مع شارع رمسيس، بنيت عام 1925م، وصممها مهندس مصري من أصل لبناني يدعى جيبي عمروت على طراز (آرت ديكو)، وتتميز بزخارف على شكل تمثال (أبو الهول)، كما تتميز بتعدد مداخلها. وتستغل وحداتها حاليا الكثير من الشركات والأسر.
الغريب أن هذه العمارة قد تعرضت منذ فترة قصيرة إلى حادث حريق هدد المقيمين بها، وعاشت العمارة في حالة من الدخان والاختناق الذي قد يكون معادلا للزمن الذي يعيشه سكان هذه العمارة في هذا الزمن.
التأمين الأهلية
تتميز بالشكل الجمالي دون النظر إلى التكلفة وقت إنشائها، فالعمارة تم بناؤها على الطراز اليوناني الواضح في شرفاتها من خلال الرسومات التي تملأ طوابقها الثمانية.
وهي من تصميم فرنسيين في عهد الخديوي إسماعيل ومدون عليها أنها قد بنيت العام 1900م، وأهم ما يميزها أنها لم تقم على وجود أساسات مسلحة، بل إنها عبارة عن تضافر للأسياخ الحديدية مع بعضها.
وهو ما جعلها صامدة أمام أي زلزال على مدى الأعوام السابقة، كما أن لها واجهة متميزة على شكل نصف دائرة؛ لتتناسب مع حركة الميدان، وتطل على ثلاث مناطق، هي ميدان مصطفى كامل، شارع قصر النيل، شارع محمد فريد.
البنك المركزي
توجد على ناصية شارع قصر النيل مع شارع شريف، وتعتبر من أجمل المباني، يرتبط طرازها المعماري بقصة طريفة؛ إذ إن المبنى الذي بني في أوائل القرن تم تجديد واجهته على طراز «نيو كلاسيك» على يد أحد عملاء البنك، الذي كان مقاولا يدعى بمُُّّمَم فشل في تسديد ديونه للبنك، فاقترح ترميم الواجهة، وتغييرها إلى طراز مختلف مقابل إسقاط ديونه.
سوارس
تطل على ميدان مصطفى كامل، وهي معقل اليهود في مصر، فصاحبها روفائيل سوارس يهودي، وكان يعمل مديرًا لأحد البنوك؛ إذ شيدت العمارة في العام 1897م؛ على طراز «نيو رينيسانس»، وهو طراز يعتمد على إعادة إحياء عصر النهضة الإيطالي بشكل معاصر.
وكانت تضم وقتها ناديًا إيطاليًا يدعى «رينو وتو»، وكان من أشهر الأندية في القاهرة، وقد وصل الأمر إلى تسمية ميدان مصطفى كامل بميدان سوارس.
صيدناوي
تطل على ميدان طلعت حرب، شارع قصر النيل، وتميزت بطوابقها الستة، فهي الأعلى ارتفاعًا، وشرفاتها كثيرة تعدت 14 شرفة في الطابق الواحد، الأمر الذي يتيح رؤية الميدان من النوافذ جميعها.
أنور وجدي
قريبة من المبنى القديم لدار الإذاعة، فلا تتجاوز المسافة بينهما أكثر من ثلاث دقائق، ولذلك رغب عدد كبير من المخرجين والمذيعين في أن يسكنوها نظرًا لقربها من الإذاعة، وكان أنور وجدي يؤجر الشقة فيها بـ 18 جنيهًا، لكنه تنازل عن جنيهين من إيجار كل شقة لأي فنان من فناني الإذاعة.
وكان من الذين فازوا بهذا التخفيض الإذاعيون الكبار جلال معوض، عثمان أباظة، كامل يوسف، وهذه العمارة تم بناؤها العام 1955م، وهو العام نفسه الذي توفي فيه الفنان أنور وجدي، ولم يتمكن من سكنها.
القاهرة: دار الإعلام العربية


