وراء كل مذيع مُعِد برامج يخطط من وراء الكواليس لسيناريو العمل بالكامل، كأنه العين التي رأت قبل الجميع، يصف ما يحدث بدقة لأنه رسم الفكرة وجمع المعلومات التي تخص موضوع المناقشة، وحدد الضيوف جميعهم، وهو واضع التصورات والمناقشات والخطوط التي يسير عليها غيره، لكن على الرغم من هذا الدور المهم والبارز للمُعِد، إلا أنه لم يتم تكريمه في أيٍ من المناسبات الإعلامية أو المهرجانات، بل إن دوره يظل مقتصرا على الكواليس ولا يبرحها أبدا.. «الحواس الخمس» فتح ملف مُعِد البرامج، وناقش طبيعة دوره مقارنة بدور المُعِد في البرامج الغربية؛ فإلى التفاصيل.
«من العيوب التي نلمسها على الساحة الإعلامية غياب المفهوم الصحيح والدقيق لعملية الإعداد التلفزيوني أو الإذاعي، واختزال هذا المفهوم ـ في كثير من الأحيان ـ في القيام بتحديد ضيوف البرنامج، وتحديد مواعيد التسجيل معهم»، هذا ما أكده محمد شريف، أستاذ الإعلام ومقدم برامج تلفزيونية؛ مشيرا الى أن وظيفة المُعِد تعتبر من أهم الوظائف الإعلامية، والتي تحتاج إلى ثقافة وخبرة عالية، إضافة إلى حرفية في جمع المعلومات؛ لأن المُعِد هو الذي يقوم بدراسات متعددة حول القضية التي يختارها بنفسه، وجمع كل المعلومات المتعلقة بها، وتحديد ضيوف الحلقة، وتنسيق مداخلات وتليفونات الحلقة أيضا، ويقوم بتنفيذ كل هذه الخطوات في صورة ورقية، وهي ما تسمى بـ «الاسكريبت».
ويضيف «للأسف وظيفة الإعداد اليوم لم تأخذ حقها؛ لأن دور المُعِد لايزال مقتصرا على الاتصال بالضيوف الذين يتم استضافتهم في الحلقة، وتحديد موعد التسجيل معهم، بل يحدث ما هو أسوأ، وهو أن يقدم المُعِد فكرة جيدة تكون عنوانا للحلقة، ويقوم المذيع بالبحث عنها وكتابة ورق الحلقة، على الرغم من أن هذا من عمل المُعِد، وهنا أيضا يقتصر دور المُعِد على تقديم الفكرة فقط والاتصال بضيوف الحلقة، كما أن المُعِد كثيرا ما يختلف مع المذيع الذي يتدخل في الإعداد.. مبررا اختلافه بأن بعض الإعلاميين ومقدمي البرامج يعتقدون أنهم يختارون فكرة، ويعالجونها من مختلف جوانبها، لكن هذا تصور خطأ، فلا بد من الاستعانة بفريق كامل من الإعداد، حتى لا تكون معالجة القضية أو الفكرة هي معالجة فردية».
ويذكر أن وظيفة الإعداد في منطقتنا العربية ليست واضحة المعالم، فمعظم الناس لا يعرفون ما وظيفة المُعِد، وهذا يرجع إلى عدم التعريف به في وسائل الإعلام كافة، كذلك كليات الإعلام لا توجد بها مادة تدرس الإعداد بعكس مادة الإخراج ومواد الإذاعة والتقديم، وهذا يعتبر ظلما يتعرض له مُعِد اليوم ليس فقط على مستوى المهنة بل أيضا على المستوى الأكاديمي، على الرغم من أهميته، ودرايته بالمواضيع المطروحة؛ فمثلاً البرامج الصحية، الرياضية، الدينية، العلمية يفضل أن يكون لها متخصصون في هذه المجالات، وليس مجرد شخص عادي.
صراع خفي
«لا يزال هناك عدم اعتراف بمهنة المُعِد، ولا يزال الصراع خفيا بين المذيع والمُعِد». هذا ما أكدته الإعلامية بثينة كامل، التي قالت إن الصراع القائم بين المذيع والمُعِد له عدة أسباب يأتي في مقدمتها أن يكون المُعِد مفروضا على المذيع، أو العكس أن يكون المذيع مفروضا على المُعِد، وأحيانا يأتي الصراع عندما يكون أحدهم متميزا عن الآخر؛ فهنا يحدث صراع بينهما؛ لأن كل فرد منهم يريد أن ينسب نجاح البرنامج إليه.
أما عن عدم تكريم المُعدين؛ فأشارت الى أن هذا يرجع إلى غياب مفهوم ودور هذه الوظيفة، على الرغم من أهميتها في البرامج، خاصة البرامج الكبيرة، والتي لها اسم لامع، وأضافت «كنت أقدم برنامجي الإذاعي وأعده بنفسي دون مساعدة من مُعِد، لكن حاليا في التلفزيون قمت باختيار من يعد البرنامج، وهذا المُعِد أيضا اختارني بإرادته دون فرض»..
مضيفة إلى أنه على الرغم من جهل البعض بهذه الوظيفة؛ إلا أننا لا نستطيع إغفال دورها المهم؛ لأن المُعِد هو الأساس، فهو صاحب الفكرة، والمعالجة، والتحليل، ومنسق الضيوف، وأتمنى أن تكون وظيفة المُعِد في المستقبل أكثر ظهورا؛ لأنها وظيفة حية في العمل الإعلامي بأكمله، ولولاها ما كانت هناك برامج قوية، ومقدمو برامج ناجحون.
علاقة غير مستقرة
الأمر ذاته لفت إليه الإعلامي طارق رضوان مقدم برنامج «الكرة الافريقية»، على شاشة التلفزيون المصري، والذي قال «إن المُعِد الناجح هو الذي يدعم المذيع والبرنامج بأكمله»، وأكد أن علاقة المُعِد بالمذيع علاقة غير مستقرة؛ لأن كل المجهود الذي يقوم به المُعِد يُنسب في النهاية إلى المذيع.
وبناءً على هذا يكون التكريم للمذيع، ولا يبقى للمُعِد شيءٌ سوى أن يظهر غضبه في صورة مكتومة وخفية عن طريق معاملته مع المذيع، مضيفًا «إن دور المذيع يعتبر آخر الأدوار في المعمل الإعلامي كله.
ولا يجب نسيان من سبقوه في إعداد العمل، أما أن يكون المذيع هو المُعِد فهذه حالة جيدة بشرط أن يتوافر لدى هذا المذيع ثقافة عالية، أما إذا كان المذيع لديه معد فلا بد من أن تكون العلاقة بينهما علاقة تكاملية قائمة على التفاهم وتبادل الآراء، وأن يكون هدف كل منهما هو نجاح العمل دون أن يعتني كل منهما بظهوره وشهرته الخاصة على الشاشة».
عصر الإعلامي الشامل
وأشار الإعلامي عمر أنور رئيس قناة النيل الثقافية بالتلفزيون المصري الى أن وراء كل مذيع متألق مُعد يدفعه إلى هذا التألق؛ فمهنة الإعداد شهدت تطورا ملموسا؛ فأصبح المُعِد في ظل سهولة جمع المعلومات من الإنترنت أكثر إتقانا فأصبحت الأفكار ومعالجتها أكثر دقة.
فالمُعِد الناجح هو الذي يستطيع أن يستخرج من كم هذه المعلومات الهائل معلومات بسيطة ومترابطة، ويقوم بتحليلها منطقيا.. مؤكدا أننا أصبحنا حاليا في عصر المذيع المُعِد المخرج، أي الإعلامي الشامل، وهو الذي يستطيع أن يقوم بكل هذه العمليات، ويلم بكل قواعدها وشروطها.
وأضاف «إن الصراع القائم بين المذيع والمُعِد والمخرج سببه أن كل فرد من هؤلاء يريد أن يُنسب نجاح هذا العمل إلى نفسه، فالمُعِد يريد أن يكون المذيع مجرد آلة، لا يضيف شيئًا، والمذيع يريد أن يحرك الأفراد الآخرين.
والمخرج يريد أن ينفرد بالعمل بصفته رب البرنامج، لكن في حال أن يكون المُعِد ضعيفًا،؛ فإنه يطيح بالبرنامج بأكمله؛ لأنه أساس العمل»، وبحسب أنور فإنه لا دور لمُعِد البرامج في دول كثيرة مثل فرنسا، فالمذيع هناك يتولى مسؤولية البرنامج كاملا، أما في مصر، فالمُعِد له دور فعّال.
الإعلامية سلمى الشمّاع، أشارت الى أن فريق الإعداد لديه انتشار واسع في الأرجاء كافة، حتى يتمكن من الإلمام بالأحداث على نطاق واسع.. مضيفة أن دخول المُعِد الصحافي إلى البرامج أعطى لها عمقًا واسعًا.
مؤكدة أن البرامج الكبيرة التي تلمع هي التي تعتمد بالضرورة على فريق كبير من الإعداد؛ لذا فهي تعترض على أن يلعب المذيع دور المُعِد؛ لأن المذيع برأيها لا يستطيع أن يلم بكل اتجاهات الموضوع؛ فهذه وظيفة تحتاج إلى مهارة عالية، ويجب فقط على المذيع أن يتفرغ للإذاعة أو يشارك برأيه في الإعداد فقط.
أما عن مسألة الصراع؛ فقالت «إن هذا الصراع موجود، ولا أحد يستطيع أن ينكره، فلكل فرد وجهة نظر، ويريد أن ينتصر لرأيه في النهاية، فمن المستحيل أن توحد وجهات النظر بين كل الأطراف؛ لكن يمكننا أن نوزع الأدوار، وكل فرد يؤمن بدوره، ويؤمن أن لولا دوره ما اكتملت الأدوار الأخرى».
سقط عمداً..
إيهاب حفني مُعِد ومدير برامج بقنوات النيل المتخصصة، أكد أن المُعِد مظلوم، خاصة في التلفزيون المصري، ويضيف «ربما في القنوات الخاصة بدأ دور المُعِد يظهر، لكن في التلفزيون المصري فإن دور المُعِد يختزل ويتقلص يوما تلو الآخر؛ فمهنة المُعِد تختفي من الأضواء؛ لأن المذيع يريد أن يتألق وحده دون إظهار أحد بجانبه.
على الرغم من أن المُعِد هو أساس البرنامج».. مؤكداً أن المُعِد أصبح في التلفزيون كأنه «ريجيسير» سينما، له علاقة فقط بتجميع ضيوف الحوار، ما أدى إلى عجزه عن متابعة دوره.
واتفق حفني مع كل معدي الإعلام المصري في أن دور المُعِد يعيش حالة من التهميش المقصود، على الرغم من أنه الشخص الوحيد الذي يعرف صورة الكلمة التي يكتبها، وهو الذي يستطيع أن يحرك أفراد العمل الإعلامي الآخرين.
وأشار إلى أن العمل الإعلامي مثل العمل داخل مطعم، ف«الطباخ» هو المُعِد، و«المضيف» هو المذيع الذي يقوم بتوزيع الأكل على الضيوف، فالمُعِد «ملقن مسرح» لا يراه الجمهور، لكن هو الذي يلقن الممثلين أدوارهم، ودونه لا يحدث تمثيل، واختتم بأنه لم يسمع عن مُعِد تم تكريمه بعد المُعِد «يحيى تادرس»، ويتساءل لماذا يتم تجاهل المُعدين في مهرجانات التكريم؟.
رباط مقدس
أما أسامة خليل مُعِد تنفيذي بقناة النيل الثقافية فيؤكد على أهمية أن تكون العلاقة بين المذيع والمُعِد والمخرج مثل الزواج الكاثوليكي دون طلاق؛ فهي الرباط المقدس الذي يؤدي إلى نجاح البرنامج، وإلا حدث انهيار يطيح بالفريق ككل..
وأكد خليل أن هناك بالفعل ظلما يقع على عاتق المُعد؛ مضيفا «في الدول العربية لا يعرفون قيمة المُعِد، فدوره في مصر- على الرغم مما يتعرض له - يعتبر أفضل حالاً، لكن هناك محاولة للتعتيم على المفهوم الصحيح لوظيفة الإعداد، والمذيع هو الذي يأخذ نصيب الأسد ماديا ومعنويا، فيأخذ الشهرة والمنصب، أما المُعِد فلا، وهذا يشير إلى أن المعركة ستظل بينهما مستمرة، ما دام النجاح ليس موزعا بالتساوي».



