تحولات جينية عديدة يشهدها حالياً أصحاب الدور الثاني، أو ما يعرف ب«السنيد»، فأحياناً يتم الدفع بهم إلى أن يكونوا أبطالاً لأفلام يتم تفصيلها على قياساتهم بعد تحقيقهم بعض النجومية، أو لعوامل إنتاجية أخرى، ما جعل من البطولة المطلقة حلماً يلهث وراءه كل من يعمل في السينما المصرية؛ لذا يكون الصراع محتدماً بين النجوم الشبان سواء الأبطال الحقيقيين أم من يريدون أن يتركوا مقعد «السنيد» ليجلسوا في مقدمة العمل السينمائي، إلى أن تؤدي الظاهرة إلى اختفاء تدريجي لقيمة «السنيد» التي عرفها وأجادها كبار الفنانين مثل عبدالمنعم إبراهيم، عبدالسلام النابولسي، إسماعيل ياسين، محمود شكوكو، ثريا حلمي، زينات صدقي، وغيرهم.
وعلى الرغم من الإقامة الطويلة لعدد من نجوم السينما قديماً في دور «السنيد» أمثال حسين رياض، فؤاد المهندس، عبدالمنعم مدبولي، فإن نجوم هذه الأيام لا يكتفون بقيمة الدور، ويتطلعون إلى ما هو أكبر من وجهة نظرهم.. فمن يصدق أن إسماعيل ياسين وهو «السنيد العملاق» في السينما المصرية ظل يقدم هذه النوعية من الأدوار حتى بعد تحقيقه أكبر قدر من النجومية حققها فنان في تاريخ السينما العربية لدرجة أن تصنع أفلام باسمه، ومع ذلك لم يستكبر على هذه النوعية من الأعمال وظل يقدمها بعد وصوله إلى القمة! ما يفتح التساؤل حول جدوى هذه الظاهرة، مع أم ضد العمل الفني؟
محور الأحداث... الناقد الفني رفيق الصبان يؤكد أن (السنِّيد) في السينما عادة ما يكون صديقاً للبطل، يقوم بحل كل عقدة من خلال المشاركة الإيجابية في الأحداث، ولعل أشهر من برع في دور السنيد هو الفنان الراحل إسماعيل ياسين؛ إذ كان الفيلم يقوم على أهمية دوره بشكل جوهري، فكان المسؤول الأول عن إضفاء جو من البهجة، إضافة إلى منولوجاته الشهيرة، والتي كانت تضمن إيرادات ضخمة للفيلم، وعندما تحول إلى النجم الأول للسينما المصرية لم يتخل عن دور السنيد، فقدمه في عدة أدوار مثل (بنات حواء)، (الستات ما يعرفوش يكدبوا)، (حلاق السيدات) على الرغم من شعبيته الجارفة في هذا الوقت، كما قام ممثلون كبار آنذاك بدور السنّيد مثل عبدالسلام النابلسي، عبدالمنعم إبراهيم، أحمد رمزي، حسن يوسف، محمد عوض، ولم يكن وجودهم في الفيلم مجرد ضيوف، بل كانوا أعمدة الفيلم وصناع نجاحه.
ويضيف: ثقافة النجوم في الوقت الحالي تنظر إلى مساحة الدور، وعدد المشاهد، أكثر من الاهتمام بالدور نفسه، وتأثيره في الدراما، فما فائدة أن يقدم فنان دور البطولة ويكون ضعيف الآداء بسبب اختياره الخاطئ؟ لذلك فالمشكلة ليست في تحول السنيد إلى بطل بقدر طريقة أداء وتوظيف قدرات هذا الممثل. وعن عواقب تحول نجوم الصف الثاني إلى أبطال يعلق بقوله: إن عدم وجود طريقة مدروسة لإنتاج الفيلم تؤدي إلى الفشل، ويتحمل المنتج بمفرده عواقب تحول ممثل ضعيف إلى نجم أول، وفي الحقيقة هناك أبطال تكتظ بهم الساحة الفنية حالياً لا يصلحون حتى لأدوار السنّيد.
مكون أساسي
أما الناقد عصام زكريا فيشير إلى أهمية السنّيد في السينما باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات أي فيلم، إلا أنه في الوقت الحالي يظهر في شكل سيئ يجعل الممثلين ينفرون منه، ويسعون إلى أدوار البطولة باستماتة، ويكون الممثل بذلك قد ضرب عصفورين بحجر واحد، خاصة بعد أن أصبح المطلوب منه إضحاك الناس وإلقاء (الإفيهات) دون أن يكون له خط درامي محدد.
ولو نظرنا إلى رمضان الفائت لوجدنا النقاد قد صبوا جام غضبهم على النجوم الذين قاموا ببطولة عدد كبير من الأعمال الدرامية، فيما نجا نجوم الصف الثاني من الحملات القاسية، وأثبتوا تفوقاً طغى على كبار النجوم؛ إذ أثبتت آيتن عامر - على سبيل المثال - نفسها في مسلسل (أفراح إبليس) من خلال تجسيدها شخصية «دهب» بفعل العواطف المتداخلة التي تنازعت الشخصية.
هروب النجوم
المنتج هاني جرجس فوزي يرى أن نجوم الصف الأول أحياناً قد يتسببون في إرباك الساحة الفنية بدخول نجوم الصف الثاني بعد رفضهم القيام بالبطولة المطلقة كما حدث في عيد الفطر الفائت؛ إذ تعمدوا الابتعاد عنه قدر الإمكان. فاضطر في هذه الحالة بعض المخرجين إلى الاستعانة بنجوم الصف الثاني، فقام حسن حسني وخالد سرحان بالبطولة المطلقة في فيلم (الديكتاتور).
وكلاهما لم يقم ببطولة مطلقة في حياته، بل تخصصا في الأدوار الثانية على الرغم من مشاركة حسن حسني في معظم أفلام الشباب، ويعتبره البعض العنصر الأساسي لنجاح تلك الأفلام.. الحال نفسه بالنسبة لفيلم (ابقى قابلني)، الذي قام ببطولته علاء مرسي وسعد الصغير وجميع أبطال الفيلم لم يلعبوا من قبل أدوار البطولة، وظلوا معروفين لدى الجمهور بالأدوار الثانية، إلا أن فراغ الموسم، وإحجام النجوم أتاح لهم الفرصة..
من الممكن أن تؤهل هذه التجربة بعض أصحاب الدور الثاني لخوض بطولات مطلقة، فمن المحتمل أن يقوم سعد الصغير في الفترة المقبلة ببطولة مطلقة في فيلم (المستشفى).. وكان فيلم (الحكاية فيها منة) هو فرصة «بشرى» الأولى في أدوار البطولة المطلقة، وكانت فرصة لإيساف والفنان لطفي لبيب؛ إذ كان الإقبال على تلك الأفلام ضعيفاً، لكنهم اعتمدوا في الأساس على أن الأفلام الثلاثة هي المتاحة فقط في دور السينما.
طموح أكبر
ويعتقد المخرج أحمد جلال أن السنيد في أغلب الأحيان يظل سنيداً، وفي أوقات نادرة للغاية يتحول إلى أدوار أفضل، ففي الوقت الحالي أصبح نجوم الصف الثاني لديهم طموح أكبر من الفترة الفائتة في أن يتحولوا إلى أبطال، ويخلعوا رداء ممثلي الصف الثاني مثل أحمد عيد، محمد رجب، رامز جلال، لكن فشل عدد قليل منهم مثل نشوى مصطفى التي عادت مرة أخرى إلى الوقوف في طابور الصف الثاني.
وعما يجعل الكثيرين ينزعجون من آداء دور السنيد، يقال إن التسمية ذاتها تثير نوعاً من الاشمئزاز، ويفضلوا أن يطلقوا عبارة أخرى مثل (أبطال مشاركين) حتى يتم الإقبال عليها بدلاً من رفضها من جانب عدد كبير ممن اعتبروها أدواراً سيئة السمعة تتعلق برقبة الفنان طوال عمره، على الرغم من أن 99% من الفنانين بدأوا بها، واسألوا عن ذلك فريد شوقي ونور الشريف وعادل إمام وأحمد زكي وغيرهم من الكبار..
لكن التفوق والإصرار والموهبة هي التي جعلتهم ينتقلون إلى المرتبة الأولى؛ لأن كل هذه المسميات ليست لها قيمة إذا أدى الفنان دوراً ناجحاً، وقتها يحظى بثقة الجمهور، وتكون له قاعدة عريضة وجماهيرية كبيرة تساعده على أن يكون بطلاً ناجحاً ومقبولاً.
مفاهيم تجارية
وعن السبب الرئيس في رفض عدد كبير من النجوم الذين فشلوا في القيام بأدوار البطولة والعودة إلى الصف الثاني يقول المخرج شريف عرفة: إن المفاهيم التجارية صارت متحكمة في السينما، فقد أصبحت أجور النجوم فلكية، كذلك كم الأعمال الذي ينتج سنوياً قليل للغاية مقارنة بالماضي.
إذ أصبحنا ننتج حالياً من 15 إلى 20 فيلماً فقط، في حين كنا ننتج قديماً أكثر من 100 فيلم، كما أن تكلفة الإنتاج لم تكن عالية فيما مضى، لكن حالياً، يحاول النجم الأول انتهاز الفرص للحصول على مبالغ ضخمة بأي طريقة، حتى في ظهوره على الفضائيات، ما جعل الصغار يلهثون من أجل اللحاق بركب الملايين.
حرفة كتابة
الفنان طارق لطفي، أكد أنه على استعداد دائم لتقديم الدور الثاني، وأنه لا يفرق بين كونه بطلاً أو في الدور الثاني، لكن كل ما يهمه هو السيناريو الجيد والقصة المقنعة التي تحمل قضية مهمة، وأنه يفخر بنجاح معظم الأفلام التي شارك فيها، فلم يكن يطمع في أن يكون بطلاً، لكن كان دائماً يرى كل الأدوار متساوية، وأن الذي يختلف فقط هو التأثير الدرامي.
بينما يرى الفنان حسن حسني أن مشكلة الدور الثاني تتمثل في المقام الأول في كيفية كتابة الدور، فالورق لابد أن يصف الدور بحرفة عالية وبعيداً عن الحشو، مؤكداً أن جميع النجوم الذين فشلوا في الصف الأول، وعادوا إلى الدور الثاني كان هناك خلل على مستوى كتابة الأدوار لهم، فظهروا بصورة هزيلة كانت كافية لتدميرهم أو على الأقل لبقائهم في مقاعد متأخرة، فالموهبة وحدها لا تكفى لإنجاز عمل جيد؛ لأن الفنان الأطول عمراً.
والأكثر جاذبية في أدواره، هو الفنان الأكثر تأثيراً في جمهوره والأكثر التزاماً بغض النظر عما إذا كان دوره بطولة أم مشاركات ثانوية، والدليل على ذلك نجاح الفنانين توفيق الدقن، عباس فارس، استيفان روستي الذين لم يلعبوا أدوار البطولة، لكنهم تحولوا مع مرور الزمن إلى عباقرة التمثيل، ولم ينسهم الجمهور والأجيال الحديثة على الرغم من مرور أعوام طويلة على رحيلهم.
أما الفنان عزت أبو عوف فيؤكد أن في حياة كل فنان وهماً كبيراً اسمه (الدور الأول) أو (دور البطولة) مشيراً إلى سذاجة المعنى؛ لأنه لا معنى للحديث عن البطل الفرد في ظل عمل جماعي، خاصة فيما يتعلق بالدراما وبنائها، فالدور القصير لو حذفناه لأدى إلى خلل درامي يفسد الفيلم كله حتى لو كان الدور مشهداً واحداً.
بدوره، يكرس الفنان صلاح عبدالله لأهمية الدور، ويقلل من أهمية البطل، ويؤكد أنه منذ بدايته حتى هذه اللحظة لم يشغل باله بالبطولة المطلقة؛ لأن الفن أكبر من هذه النظرية التافهة، فالأفلام الجيدة في تاريخ السينما صنع جودتها، وأكد أهميتها فنانون كبار شاركوا بها، ولم يكونوا أبطالاً؛ لذلك لابد أن تتغير نظرة الممثلين للفن والسينما وأن يتعاملوا معها بعمق أكبر.



