محمود سلطان إعلامي من طراز خاص، ينتمي إلى جيل الآباء في الإعلام العربي، انطلق صوته متميزاً قوياً عبر أثير الإذاعة، منتهياً بالشاشة قارئاً للنشرة الإخبارية، ومقدماً للبرامج الهادفة، ساعياً إلى تحقيق الرسالة التي نشأ عليها وآمن بمبادئها ونقلها إلى الأجيال التالية.. التقيناه وكانت السطور التالية.

«نور الدنيا» فضائية جديدة توليتم مهمة رئاستها أخيراً، ما الذي تريد قوله عبر هذه القناة؟>>>«نور الدنيا» قناة فضائية مصرية عامة، تهتم بالبعد العربي، تسعى إلى خلق حالة من التنوير، وهذه النوعية من القنوات غير موجودة في الفضاء العربي.خاصة أننا نسعى لإيجاد نوع من التكامل في مختلف المجالات العربية. تهتم القناة بالقضايا المصيرية البارزة، وتنفرد بطرح العديد من القضايا المهمة سواء في مصر أو العالم العربي.***ثبات مع تطور***إلى أي مدى تتغير شخصية الإعلامي مع تراكم خبراته؟>>>الإعلامي يحمل دائماً ملامح شخصية ثابتة من الماضي مروراً بالحاضر إلى المستقبل، لكن المهم هو أن يحدث نوع من التطور والاستفادة من الإمكانات المتاحة سواء أكانت تكنولوجية أم ما يتعلق بسقف الحرية، وهذا يختلف من قناة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر.

أحاول من خلال رئاستي لقناة «نور الدنيا» أن أقدم ما يميزني، ويخدم الهدف الإعلامي العام، فعلى سبيل المثال يتمثل طموحي في تقديم برنامج سياسي اقتصادي ذي طابع مختلف، وسيدخل هذا البرنامج حيز التنفيذ قريباً.***كأحد المخضرمين في مجال الإعلام، كيف تقيّم الإعلام المصري والعربي؟ >>>إعلامنا أمس عاش ظروفاً أفضل؛ لأنه كان يستغل الإمكانيات القليلة التي كانت موجودة لديه؛ لينتج خدمات متميزة، لكن إعلام اليوم لديه آلة جبارة من التكنولوجيا، لكنه محدود في إنجاز هدف إعلامي فعال؛ لذا فإن إعلاميي الماضي كانوا أكثر حظاً خاصة وأنهم كانوا قليلي العدد.

ونصيبهم من الشهرة كان كبيراً، كذلك فإن كثرة المحطات الآن لا توازي مقدار ما تنتج؛ لذا أتمنى في غدنا القريب أن يواكب إعلامنا المصري أو العربي مثيله العالمي الذي يستثمر السرعة الفائقة في تجميع المعلومات؛ لينجز مهمته على الوجه الأكمل.

صراع الفضائيات

ما الدور المنوط بإعلام اليوم ولا يزال غائباً؟

الصراع القائم اليوم بين الفضائيات هو صراع بقاء؛ صراع حياة أو موت، لذا أتمنى أن يعود الدور التثقيفي والتنويري للإعلام كما كان مخططاً له من قبل، فرغم اتساع رقعة ديمقراطية الفكر وحرية التعبير إلا أننا نرى إعلاماً سطحياً إلى حد كبير، مفتقداً رسالته الأساسية، وصار لاهثاً وراء طرح سلبيات المجتمع دون طرح علاج لها، فقط الإثارة هدف في ذاتها، وهذا أمر لا قيمة من ورائه.

فالإعلام المصري، على وجه الخصوص، يمر بأزمة شديدة تتمثل في الهبوط الحاد في مستوى البرامج الحوارية، بل إن هناك انحطاطاً في كثير من البرامج، بعد دخول مفردات غريبة على المهنة الإعلامية ابتعدت به عن القواعد والأصول والأعراف المجتمعية والمهنية، ولا حل لمشكلات الإعلام إلا من خلال التمسك بمواثيق الشرف الإعلامية.

وأتمنى أن يضع هذه المواثيق إعلاميون لا حكومات، حتى تكون هناك آلية حساب وعقاب من الداخل، وليست مفروضة من جهة حاكمة، وهذا الميثاق لن يتم إنجازه إلا من خلال نقابة للإعلاميين تخضعهم لقوانين صارمة، بدلاً من حالة الفوضى التعبيرية التي تتخذ من الحرية مبرراً أخلاقياً، لكن الحرية، التي هي مسعى البشرية الأعظم، بريئة من هذا الشكل المشين لإعلام اليوم.

ما الحدود المميزة بين الإعلام الخاص والحكومي؟

الإعلام الخاص صار الموجة الأقوى، لأنه دفع بالإعلام الحكومي إلى التفكير في التطور، إضافة إلى أنه صنع أجواء لم نكن نعرفها من قبل في الإعلام الحكومي، وقد يرجع ذلك إلى الاستثمار الجيد لمساحة الحرية ودخول رأس المال الخاص إلى عالم الإعلام، إلا أن هذا لا ينفي الدور الكبير التي يلعبه إعلام الدولة.

عزلة اختيارية

لماذا يعيش إعلامنا في إطار محلي ولا تتسع دائرته إلى المستوى العالمي؟

هناك قصور إعلامي واضح إذا ما حاولنا أن نقارن أنفسنا بالإعلام الغربي، والسبب هو أننا نعتقد أننا محور الدنيا، فنهتم فقط بقضايانا المحلية الأمر الذي يؤدي إلى عزلة اختيارية ثم نعود كل فترة لنشكو من أن الغرب لا يفهمنا جيداً ولا يتابعنا! وحقيقة نحن كأطفال يغمضون أعينهم ويدعون أن الآخر هو الذي لا يريد أن يراهم.

كيف يختار إعلامنا وسيلته في التعبير عن قضاياه الداخلية؟

ألاحظ أننا نتخذ أسلوب «الفرقعة الإعلامية» شعاراً لمتابعة القضايا، دون الدخول في واقع المشكلة ومحاولة حلها بالمنطق والأسلوب العلمي، فلابد من إدانة أنفسنا أولاً حتى نستطيع أن نغير فيما بعد.. فلا يمكنني أن أتصور قيام زوابع بين بلدين شقيقين مثل مصر والجزائر بسبب مباراة في كرة القدم، وبالطبع يقف وراء هذه الزوابع إعلام أعمى لا يعي ما يفعل.

هل استفدت من ذلك في طرح نموذج إعلامي مختلف من خلال قناة «نور الدنيا»؟

حين تخرجت في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم التاريخ عام 1965 عملت بالإذاعة الموجهة كمشرف على قسم اللغة العربية، وقدمت خلال هذه الفترة خدمات إذاعية متعددة، وتعلمت وقتها التخطيط للبرامج، واستمر هذا العمل حتى عام 1970.

وفي نفس العام انتقلت إلى إذاعة صوت العرب حتى عام 1974، وعملت مذيعاً بالتلفزيون المصري، ثم معلقاً على برنامج «عالم الحيوان» الشهير الذي كان سبب شهرتي، وارتبط اسمي به كل جمعة.

ثم طرت إلى لندن كمذيع في إذاعة لندن، إلى أن وصلت إلى منصب نائب رئيس قطاع الأخبار، وأخيراً تم اختياري رئيساً لقناة «نور الدنيا»، وهذا السرد لرحلتي الإعلامية إنما لأوضح أنني بصدد تقديم خلاصة تجربتي الإعلامية عبر سنوات طويلة من خلال القناة التي تمثل حلماً جديداً، فالخبرة دائماً تقول كلمتها في أي مكان تذهب إليه.

حالة انتظار

هل تراجع دور مقدم البرامج اليوم مقارنة بما كان من قبل؟

الثقافة تنقص أغلبهم، واهتماماتهم محدودة في مطالعة كل ما يساعد على أن يكون الخبرة التراكمية؛ لذا يقل الوعي بالمسؤولية الإعلامية، لكن قد يكون غياب القضية وراء هذا الفراغ في رؤوس أغلب من يعملون في الحقل الإعلامي.

فجيلنا كان محتكاً بأزمة النكسة، ومن قبلها اندلاع الثورة المصرية، والتي شكلت وعي من عاشوا هذه الفترة، فلا يمكن أن أنسى تلك الفترة العصيبة في التاريخ المصري أيام نكسة 1967، فقد كنا كإعلاميين نشعر أننا نكذب على الناس، نطمئنهم ونحن في حالة غضب، إلى أن ضمدنا الجراح بعد حرب 1973 هذا الجيل يحتاج إلى قضية لكي يتغير، ويأخذ خطوة إلى الأمام.

كيف توزع وقتك بين العمل وفترة الإعداد له؟

استثمار الوقت في المتابعة الجيدة سواء للنشرات الإخبارية العالمية أو الصحف القومية والخاصة أمر ضروري، فأنا متابع جيد للنشرات الإخبارية، وأخص بالذكر محطة ال«بي بي سي» التي تتميز بقدر كبير من الحياد، وأتابع الأعمال الأدبية التي يطرحها الأدباء الكبار والشباب على حد سواء، وأهتم كثيراً بقراءة المنتج الروائي هذه الأيام، وأؤكد أن العمل الإعلامي الناجح يسبقه استثمار أمثل لكل لحظة في الحياة.

كيف تنظر إلى ما أنجزته وكيف ترى غدك الإعلامي؟

لقد حمل إلي الماضي هدايا كبرى، ويكفي أنني التقيت بالرئيس مبارك في اليابان بعد توليه الحكم مباشرة، وكنت أول من أجرى معه حواراً، وقد لاقيت تكريماً كبيراً خلال عملي الطويل، وتوج المشوار بالتكريم في الدورة الأخيرة لمهرجان الإعلام العربي.

وقد قدمت لعملي عمري بالكامل، ولم يبخل علي بالشهرة نظير ما قدمت، وأعتقد أن ما قدمته قليل يحتاج إلى مزيد من الرصيد في المهام المقبلة، فالنظر إلى الفائت على أنه منجز ضخم أمر يؤدي إلى الخسارة وفقدان الطموح، لذلك أعيش حالة انتظار دائم لما هو آت.