الخيوط والألوان عزف متجانس على قطع القماش، خيط يشتبك بآخر، ولون يعزز ويدعم اشتباك هذه الخيوط، حتى تتحول قطعة القماش الصماء إلى قطعة فنية تحظى بروح ملونة، روح تتلبسها هوية خاصة تعبر عنها خير تعبير.

والحديث عن الروح ليس ضربا من العبث أو الخيال، بل هو واقع يعيشه ويحسه رجل وهب عمره لفن تطريز الثياب والأقمشة، وإخراجها من صمتها وعفويتها إلى كائنات لا تخلو من روح لا يفطن إليها إلا من تمتع أيضا بروح وإحساس فني مرهف، هذا هو حسين أحمد هاشم شيخ الطرازين الذي يؤكد أنه فطن إلى ما يتضمنه فن التطريز من قيم جمالية كبرى، من بينها الرسم على القماش أو استنساخه أو نقله بواسطة ورق الكربون.ثم الرسم بالخَرَز على الرسم المطبوع باستخدام أقلام خشبية ذات سنٍّ سميك، مسدس شمع، دبابيس، فتظهر لوحة رائعة الألوان، حينها فقط يكون الفنان قد حول الخامة السادة، (القماش)، إلى فن تستريح له العين ويخطف الوجدان.

وبفطرية كبيرة وذاكرة لمشهد خلا قبل نصف قرن يتذكره كما لو كان قبل نصف دقيقة يقول: شعرت لأول مرة بفرحة أن تصنع جمالا حين أنتجت أول قطعة لفتت أنظار الآخرين على الرغم من حداثة عهدي بالمهنة والحياة، وكانت هذه الفرحة منذ 50 عامًا.

أحمد هاشم الذي يعيش في حارة (حوش عيسى) بمنطقة الحسين، قلب القاهرة النابض بالفن والحياة ومئات الحرف اليدوية، اختار منها طريق والده في فن التطريز، وعن ذلك يضيف: بدأت أدقق النظر في كيفية إمساك أبي للإبرة، واختياره للخيوط التي تتناسب مع الأقمشة التي يقوم بتطريزها.

ومن ثم بدأ الوالد بعدما لاحظ شغفي بمتابعته في إعطائي الإبرة لعمل إحدى الغرز، وتعلمت التطريز في أسبوع واحد حتى استطعت تطريز قطعة من القماش كتجربة أولى انبهر بها والدي وأصدقاؤه في المهنة، هذا في الوقت الذي كنت أخوض مساري التعليمي بالتوازي مع تعلم المهنة حتى حصلت على بكالوريوس السياحة والفنادق، فلم يشغلني العمل بمؤهلي وأعطيت كل وقتي منذ تخرجي لهذا الفن.

خامات

ويوضح أن أهم الخامات التي يتم التطريز عليها هي الحرير، القطن، الساتان، ويتم تحديد نوع الخامة التي سوف يتم الطباعة عليها، ثم يوضع الورق الشفاف عليها، وينقل الرسم المراد تنفيذه بواسطة ورق الكربون ثم التنفيذ الفعلي بواسطة الإبرة.

أما الخيوط التي يتم استخدامها فهي (المولونية)، وهي عبارة عن لفة من الخيوط تحتوي على 6 أنواع بها مقاسات مختلفة يتم سحب مجموعة خيوط في كل مرة، ووضعها داخل الإبرة ليتم العمل بها بشرط ألا تكون ذات طول كبير، حتى لا يتعقد الخيط..

كما أن هناك أنواعًا كثيرة للخيوط منها الحريرية، القطنية، وأشهرها خيوط ح)) وهي بعدة مقاسات وأرقام تستخدم حسب سمك القماش، وبالنسبة إلي فإنني اختار دائمًا الأنواع الجيدة ذات الألوان الثابتة لإنجاز أعمالي.

ويشير إلى أن والده كان يعتمد عليه في إنجاز الأعمال المتعلقة بالآيات القرآنية، البسملة، الأدعية الدينية، الأحاديث النبوية؛ لأنه كان يرى أن هذه الأعمال بها بركة، وكان يلومه إذا رآه يساعد أحدًا في تطريز العبايات، ويهدده بعد الاستعانة به مرة أخرى.

ويكمل فنان التطريز حكايته مع القماش واللون قائلا: بدأت أرسم الأشكال والطيور والحيوانات، كذلك الأشكال الفرعونية القديمة مثل (رأس نفرتيتي) لأعيد سيرة الفنون الفرعونية؛ لأن الفراعنة كانوا أول من اهتم بهذه المهنة؛ وتفننوا في تجميل ثيابهم كما تشير إلى ذلك رسوماتهم وجدارياتهم.

وكان التطريز يتم بواسطة أباريق لكنها أكبر سمكًا، أكثر خيوطًا من الكتان، القطن، القنب، الصوف، شعر الحيوانات، وجلدها. ومن ثم جاءت مرحلة أخرى وهي التطريز بالخرز، النمنم، البلاك، باستخدام بعض الأنواع الزجاجية، الأحجار الثمينة التي كانت تستخدم لطبقات معينة في المجتمع وهي طبقة الأثرياء.

عالم المشاهير

كان شيخ الطرازين في صباه يتعجب حينما يرى مشاهير الفن والمجتمع يأتون إلى والده مشيًا على الأقدام في الورشة التي يعمل بها؛ إذ لا تستطيع السيارات الفارهة العبور إلى الداخل، فكانت الملكة (نازلي) إحدى زبائن والده، وكانت تبحث دائمًا عن الجمال، تسأله عن التصميمات الحديثة، وتعرض عليه بعض الأشكال والمجلات الخارجية، فكان ينفذ لها من تصميمه الخاص أشياء أفضل بكثير من التي تراها أو تطلبها من بيوت الأزياء العالمية.

يضيف: لم أكتف بتعليم المهنة من والدي، بل قررت أن يكون لي خط منفرد، فبدأت البحث والقراءة لتطوير المهنة التي أخشى عليها من الاندثار لتلحق بحرف يدوية راحت في عوالم النسيان، قررت إجراء أبحاث.

وتجارب لجلب نوعيات أخرى من الخرز والخيوط، وتصميم أشكال غير متعارف عليها بعد أن اختفى فن التطريز من البيوت في عصر التكنولوجيا، ثم اختفى تقريبًا من الأنشطة النسائية، وحل محله الفن الحديث بخطوطه المجردة، حتى الإبرة حلت محلها التقنيات الحديثة التي تعد لطمة قوية لفن التطريز الذي كاد يختفي.

ومن الأعمال التي لا ينساها الفنان حسين أحمد هاشم بعد تفرده في هذه المهنة قيامه بتطريز ملابس وديكورات لبعض الأعمال الفنية ومنها الجلباب الذي كان يرتديه الفنان سعيد صالح والفنان يونس شلبي في مسرحية (العيال كبرت)، كذلك ملابس مسرحية (ريا وسكينة)، وستائر السيرك القومي والمسرح الجمهوري.

ويقول: فن التطريز من الممكن أن يدخل في كل أنواع الأزياء التي ترتديها المرأة أو الرجل، ويصنع موضة جديدة بعيدا عما تفرضه بيوت الأزياء العالمية على الأذواق، فالتطريز يجعل لكل فرد خصوصية في مظهره بشكل عام. التطريز يدخل في مناسبات الزواج وأعياد الميلاد وفي فنون الدراما من ملابس الممثلين أو الديكورات.

منافسة شرسة

مع مرور الوقت وجد شيخ الطرازين أن الآلة تنافسه بشراسة، وبدأ عدد كبير من أبناء مهنته ومدرسته يتسرب من تحت يديه من أجل العمل بالآلات الحديثة في تطريز الخامات، لكنه ثبت على موقفه، وقرر إحياء مهنته التي هددتها التكنولوجيا الحديثة، وبدأ يعطي وقتًا أكبر يفوق ما كان يعطيه من قبل لكي ينجز منتجًا أفضل.

وحتى لا تنقرض مهنته ومهنة أبيه، قرر ألا يضيع وقته، وقام بتدريب أبنائه وزوجته على المهنة ذاتها، من أجل خلق جيل جديد يهتم بفن جمالي كالتطريز.

من أبنائه من نجح ومنهم من فشل، لكنه استطاع تكوين فريق عمل، وغزا الأسواق من جديد، حتى رضخ أمام إبداعاته التي لا تضاهى أصحاب المصانع والتجار بعد أن أثبت أنه قادر على إنجاز أشكال يصعب على أحدث الماكينات تنفيذها تبهر كل من يراها، وتعيش فترات طويلة لتصبح تراثًا للأجيال.

ولم يفت شيخ الطرازين أن يقوم بعمل جلسة أسبوعية بين الطرازين في حي الحسين للاستماع إلى مشكلاتهم وإبداعاتهم الجديدة من أجل الارتقاء بالمهنة، ما كان له عظيم الأثر في عودة هذا الفن اليدوي إلى الساحة مرة أخرى، لينافس جميع المنتجات الأخرى، حتى لقبه أبناء المهنة بشيخ الطرازين.

ويؤكد أن التطريز من المهن التراثية القديمة التي تفخر بها مناطق الجمالية والحسين والدرب الأحمر وشارع الأزهر بالقاهرة القديمة؛ إذ تعد إحدى الوسائل للتعبير عن الروح من خلال رسم جداريات تطرز بشكل فني رائع على قطع قماش تصير مصدرًا للبهجة لما تتميز به من ذوق وأصالة تدلان على الهوية العربية.

خاصة أن ممارسة هذا النوع من الفنون يدل على ارتباط الأسرة العربية بتاريخها وقدرتها على التعبير عن آمالها، حتى ولو كان ذلك بواسطة قطعة قماش وبضعة خيوط متباينة الألوان والأشكال.