على المسرح تستحي. لا تزال بعد أكثر من عقد على احترافها الغناء، تتوتر، وتشد على خصرها، كمن يريد التأكد أن كل ذلك الدم الفوار، الذي ينطلق من المعدة، لكي يساعد الصوت على أن يصدح، لا يزال هناك. سيالا، كما ينبغي لنهر من الشغف أن يتدفق..

آمال ماهر في أبو ظبي على مسرح قصر الإمارات، يوم الثلاثاء الماضي، أعلنت أن بوسع صبية جميلة، لا بل هي جذابة بمواصفات مغنيات هذا الزمن، أن تغني أم كلثوم. فالغناء لكوكب الشرق لا يتم اختزاله بتعابير شكلية.اعتدنا عليها من قبل كثير من المغنيات (حتى المغنين) الذين أرادوا أن يدخلوا الى كوكب (ثومة): امتلاء الجسد، ضخامة العنق، صنمية الوقفة على المسرح، منديل يشدّ على السبابة ويلوّح عاليا حين ترتفع اليد معلنة تمرد الحبيبة لأن (للصبر حدود) أو سخريتها اللاذعة في و(قول للزمان ارجع يا زمان) و(اهي غلطة)..

صوت وصدى

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تلت وفاة المطربة الأشهر في تاريخ العرب، غرقنا في تيارات من (الكليشيه الكلثومي). شكلت أغاني السيدة الحوض الذي يعمّد فيه أصحاب المواهب اطلالاتهم الأولى الجذابة على الجمهور.

يلجون الى مناطق الحنين، والفقدان (فقدان ثومة وزمنها الثقافي والسياسي)، والحب المستحيل، المفقود. يتسللون الى القلب من نوافذ، كانت في يوم ما مفتوحة على الأمل والبراءة، قبل أن تغلقها الهزائم الشخصية والوطنية، وتطلي زجاجها بالأزرق وتسدها بألواح الخشب الممسمرة. يرددون كلمات عن (سيرة الحب) والأيام التي تدور.

أرطال من الكلمات، محفورة فينا. يستدعي المغنون الذين يرددون أغاني أم كلثوم أصداء تهيم في دواخلنا، يحفزونها. يحرضونها على الهمس من جديد. وحين يغلي هذا الهمس فينا، لا يعود مهما من هو المغني، سنفتح الباب في كل الأحوال، وربما نصفق. ليس للمؤدي، في غالب الأحيان، ولكن لذلك الهمس المنثور من حكاياتنا الشخصية المرتبطة بأغاني أم كلثوم.

آمال ماهر ليست في هذه الدائرة. لا أعرف تماما ما الذي يخرجها، منذ اللحظة الأولى، من تلك العملية. ربما هي، في المرتبة الأولى، تلك الأريحية التي تظلل صوتها، وهي تطلق الغناء. صدها المباشر لتهمة (التنشيز) التي يقضي بها الجمهور، في العادة، وبخبث في بعض المرات، على المقتربين من (الصرح الكلثومي).

ثم هناك إشارات الجسد الرشيق، لآمال، وهي تستخدم أصابعها ويديها، لرسم كل كلمة في الأغنية. كما يليق بصبية في الخامسة والعشرين، تشرح للناس عن معاناتها في الحب، وألمها. أم كلثوم لم تفعل ذلك. لم تكمش طرفي جبينها باصبعيها، كمن يصيبه دوار. لم تلعب بأطرف شعرها على خشبة المسرح. شعرها لم يكن أصلا في يوم منسدلا.

كانت تغني بشغف، ولكن بتحفظ. كما يليق بسيدة أتت من (طماي الزهايرة)، من الفلاحين. آمال، ابنة هذا العصر، ابنة الجيل. لا تريد أن تكون كلثومية الشكل. هي ارتضت أن تكون كلثومية المشروع، الى الآن.

الجمهور أيضا توطأ مع رغبتها، الى درجة الحبس. لم يصدق أن صوتا نقيا، لا (ينشذ)، بوسعه أن يعيده، فعلا، الى أجواء السيدة الأيقونية. لا يريد أن يفقد آمال. لقد أفشل لها مشروعها الغنائي الأول، حين انتقت أغنيات حديثة طبعتها على ألبوم طرح في الأسواق قبل اربع سنوات. لا نعرف كثيرا عن هذه الأسطوانة.

شاهدنا أغنية واحدة مصورة، ناجحة الى حد ما. لكن الجمهور، الذي يريد أن يرى الصبية حصرا على مسارح مهيبة في دار الأوبرا في القاهرة وقصر الإمارات بأبو ظبي (على هذه الخشبة وقفت فيروز وميادة الحناوي وماجدة الرومي ووردة خلال السنوات الخمس الماضية)، يرغب فعلا، أن تعسكر آمال هناك.

سلطة الجمهور

يعطي الجمهور لنفسه الحق أن يصادر خيارات الفنان الذي يهواه. أليس هو في المقام الأول من يصنع نجومية الفنان؟ أليس هو، وحده، من يقدر على سلبه تلك النجومية، اذا أراد؟ ليست (الثرثرة) أو الكلام الذي لا وزن له، أو الأزياء الغريبة، أو التفاخر المحرج، هي الأسباب التي ستهدم صرح المطربة أصالة، على سبيل المثال، بل هي اللحظة التي سيقرر فيها الجمهور سحب رخصة النجومية منها.

ستكون تلك عوامل مؤثرة، من دون شك، ولكنها لن تكون السبب الجوهري. ربما لا يحصل هذا الأمر، فذلك متروك في ذكاء أصالة، في معرفة طبيعة هذه الرخصة، وموعد تلك اللحظة، للنأي عنها باستمرار.

الجمهور، حين يستشرس، لا يمكن لأحد أن يقف في وجهه. لا مدير حفلة ولا مصور في قناة تلفزيونية ولا حتى مايسترو. وحين انزعج جمهور حفلة آمال ماهر، التي تحمل عنوان (الخميس الأخير من كل شهر) ( قدمت يوم الثلاثاء استثنائيا)، ضمن الفعاليات التي تنظمها هيئة الثقافة والتراث .

المصور (الخبير)

كان مصورا تلفزيونيا متواجدا على المسرح، مع الفرقة التي قادها خالد فؤاد، والمطربة طوال الوقت. دخل وخرج من (الكادر) أكثر من ثلاثين مرة خلال ساعتين. بدت حركاته كوميدية، بهلوانية، كممثل مسرحي، يختفي فجأة، ويحضر فجأة.

يحمل الكاميرا، كحقنة عملاقة ضخمة، ويهجم من خلف الستارة، من (الباك ستيج)، على ضاربي الدف و(الدربكة)، ويحشر حقنته في قلب الآلة الموسيقية. لا يفعل الا ذلك.

أكثر من اربعين دقيقة يصور جزءا من الفرقة في طرف المسرح. يتحرك في عشرة اقدام مربعة، ثم يخرج الى خلف الستارة، ليعاود الدخول. الجمهور لا يستطيع أن يندمج مع غناء آمال. العازفون الذين وجدوا أنفسهم تحت عدسة مصور (غريب الأطوار)، يعلق سماعة في أذنيه، تأتيه من خلالها ارشادات المخرج، لم يتوانوا عن الضحك.

الجمهور يضحك لضحك العازفين، وأيضا للمشهد البهلواني الذي لا يتوقف، فيما آمال تصدح بأجمل الآهات، وترنيمات الفالس الذي يعرف محمد عبد الوهاب جيدا كيف يمزج مع النغمات الشرقية للقانون. بعضه لا يضحك. يثور. تقول السيدة بعد ختام الحفل:( أعذرني لقد شاهدت قفا المصور أكثر من أي شيء آخر على المسرح).

المصور والمخرج يتذرعان ب(روعة) اللقطات التي ستعرض فيما بعد. (حين تشاهدون تسجيل الحفلة ستغفرون لنا). (لكننا لا نريد أن نشاهد التسجيل، أردنا أن نحضر الحفلة الحية.

أم كلثوم نشاهدها في تسجيل تلفزيوني لأنها غير موجودة اليوم. آمال ماهر حية ترزق، لذلك اتينا لمشاهدتها لايف)، يرد أحدهم بحنق، ويعلو صوت الشكاوى، في جو بعد الحفلة كان أشبه ما يكون بمشادة بين الجمهور وطاقم التصوير التلفزيوني.

آمال على المسرح لا تنتبه الى ما يدور حولها. فقط تتحدث بلغة اشارات سرية مع المايسترو. يوجه لها، فيما يبدو ملاحظات. يطالبها بمواوبل. يشير على عنقها. يطلب أمرا ما. في كل مرة تضحك. تستحي.

لا تلحظ ضحك الجمهور أو حنقه من مشهد المصور الذي يصول ويدور معها على المسرح. هي فقط تسمع التصفيق الشديد بعد الكوبليه أو قفلة الأغنية أو تنهيدة تطلقها أو وصلة منفردة لعازف القانون. تسمع ايضا عبارات مستعادة من زمن أم كلثوم.

جمل قيلت، أول مرة، لأم كلثوم:( عظمة على عظمة يا ست). تضحك. ربما من الفرح، ربما من الخوف من المقارنة (هل تخلصت فعلا من هذا الخوف بعد عقد من الزمن؟).

أبو ظبي - إبراهيم توتونجي