واحدة من أشهر عوانس السينما العربية على الرغم من أنها تزوجت فعلياً في سن الرابعة عشرة من عمرها، صنعت طوال مسيرتها الفنية حالة من البهجة التي تفردت في أدائها بخصوصية سلسة لا تصادفها إلى القلوب عقبة، ومع ذلك ودعت محبيها مكتئبة حزينة عليلة القلب.
تحتار في أي الألقاب أنسب إليها، العانس، بنت البلد، خفيفة الظل، ناظرة الكوميديا، كتاكيتو بني، ذات القلب الشفاف، والحقيقة أنها استحقت بالفعل كل هذه الألقاب وأكثر، تلك هي زينات صدقي تاج الكوميديا العربية التي ولدت في مثل هذا الشهر قبل 97 عاما بتاريخ 20 مارسأهل الكوميديا يضحكون من شدة الحزن، ويصدّرون البهجة إلى الآخرين في الوقت الذي يمتلئون فيه ألما وحسرة وعذابا، زينات صدقي واحدة من أسرة الضحك المبكي، تميزت بإكسسوارات وملابس مبتكرة أضافت إلى موهبتها في الإضحاك أبعادًا أهم، التلقائية طريقة أدائها التي عززت لها طريق التفرد والتميز في أدوار كشفت خفة ظلها التلقائية.
مئات الأفلام، والمسرحيات رصيدها الفني الذي أضحكنا، ولايزال يضحك الملايين بعد أعوام طويلة على رحيلها، لكن لم يبق لها غير ما تركت من بسمات على شفاهنا لنتذكرها. ولدت زينات صدقي بمدينة الإسكندرية، لكن إذا كان مكان الميلاد معروفا، فهناك اختلاف حول تاريخ مولدها، فقائل بأنها ولدت في 4 مايو 1912، وآخر بأنها ولدت في 20 مارس 1913. العانس تتزوج مبكرا اسمها الحقيقي زينب محمد سعد، ولدت بالإسكندرية لعائلة (الغولي) الثرية، تعلمت حتى المرحلة الابتدائية، وتزوجت وهي سن 14 عامًا لابن عمها الطبيب، ولم تستمر معه إلا شهورا تم بعدها الطلاق، ثم التحقت بمعهد أنصار التمثيل والسينما بالإسكندرية، الذي أنشأه الفنان زكي طليمات.
لكن أسرتها وقفت أمامها ومنعتها من الفن لاسيما أنها بدأته من بوابة الطرب والرقص، بعدها قررت السفر إلى لبنان مع صديقتها خيرية صدقي، التي أخذت منها اسم والدها لتضيفه إلى اسمها الفني الجديد (زينات) الذي اختاره لها الفنان نجيب الريحاني.
هناك في لبنان عملت مطربة، وأصبح لها اسم معروف من خلال مونولوجات خاصة توضح هويتها المصرية، وكانت لها أغانيها التي تحمل طابعا خاصا، وظلت فترة في لبنان حتى استمعت إليها المطربة فتحية أحمد وهي تؤدي أغنياتها على المسرح.
فتشاجرت معها في ظل دهشة زينات التي تخيلت أن فتحية أحمد ستحييها على ذلك، وقررت حينئذ عودتها إلى القاهرة مرة أخرى بعد أن تعرفت خلال فترة إقامتها هناك إلى الفنانة بديعة مصابني، وعندما عادت إلى القاهرة ذهبت لتعمل معها كمطربة، لكن بديعة أرادت أن تحولها إلى الرقص بسبب قوامها وجمالها.
وألحت على زينات كثيرًا إلا أنها كانت ترفض هذا المجال، وسلمتها بديعة لمدرب الرقص بالفرقة لكي يتولى تدريبها، لكنها لم تستمر سوى 18 يوما فقط، وأثناء وجودها بمسرح نجيب الريحاني، كانت تقف في الكواليس مقلدة إحدى الفنانات التي تقف على المسرح، فرآها نجيب الريحاني، وانبهر بأدائها.
وعرض عليها العمل مع فرقته من خلال أدوار صغيرة مقابل 8 جنيهات، فوافقت على الفور، وعملت مع نجيب الريحاني، إلى أن مرضت بطلة العرض المسرحي، ولم يكن هناك وقت لتحفيظ أحد الدور، فقفزت زينات أمام نجيب وطلبت أن تؤدي الدور الذي تحفظه جيدا، ولم يكن أمام الريحاني سبيل آخر.
وهكذا أدت الدور، وأعجب بها الريحاني بشدة، وتبناها إلى أن أصبحت بطلة تقدم دور الفتاة الشعبية، ودور الفتاة التي تأخرت في الزواج، ووصل الأمر إلى أن الريحاني كان يطلب من المؤلفين أن يكتبوا لها أدوارًا خاصة بها.
أول معلم
تعلمت زينات من الريحاني احترام المسرح وعدم التفكير في أي شيء خارجه، وكان التعليم قاسيا، فقد ارتبكت وأسرّت للريحاني بأنها نسيت دورها حين رأت الملك فاروق بين جمهور مسرح دار الأوبرا، فكانت الصفعة القوية من الريحاني على وجهها، طالبا منها التركيز فقط في التمثيل لا في الجمهور أيا كان، وهكذا عادت إليها ثقتها وذاكرتها على الفور.
وبعد وفاة الريحاني انضمت زينات إلى فرقة إسماعيل يس المسرحية، بعد انضمامها لفترة قصيرة إلى مسرح يوسف وهبي، وكان الموعد مع ثنائي ناجح يضمها مع إسماعيل يس في مجموعة كبيرة من الأفلام، وحدث أن توفيت والدتها أثناء عرض مسرحي لزينات مع إسماعيل يس، فأصرت على الذهاب إلى المسرح.
وتركت والدتها في لحظاتها الأخيرة، على الرغم من تعلقها الشديد بها، وعلى الرغم من حالتها النفسية السيئة علقت على ذلك بقولها: ما ذنب الجمهور؟ وما ذنب موظفي المسرح أن يحرموا من أجورهم اليوم؟
وهكذا ذهبت إلى المسرح دون أن يعلم أحد وهي لا تكف عن البكاء في أعمق أعماقها، وكان دورها كوميديا، لكنها تماسكت، وكانت بين كل فقرة وأخرى تذهب إلى غرفتها لتبكي، وقد لاحظ ذلك إسماعيل يس.
وطلب منها أن تترك المسرح على الفور وسيعتذر هو إلى الجمهور، لكنها رفضت، وفي نهاية المسرحية قدمها إسماعيل يس، وهو يرفع يدها، ويروي للجمهور ما حدث، وظل الجمهور يصفق لها ما لا يقل عن نصف ساعة متصلة.
ماركة مسجلة
منذ بداية الأربعينيات كانت لها أدوار محفوظة في وجدان الجماهير حتى الآن، أدوار يمكنك أن تطلق عليها وصف (ماركة مسجلة)، فقد شاركت إسماعيل يس في المسرح، كذلك في جميع أفلامه، وفيها اتضح الكثير من معالم نجوميتها وتفرد مدرستها.
كانت كل أدوارها كافية لأن تسجلها في تاريخ الكوميديا كعلامة مهمة؛ إذ كانت القاسم المشترك في معظم أفلام الكبار الذين عشقوا فنها.
وكانت ورقة رابحة وضمانًا لنجاح الفيلم إذا اشتركت فيه، شاركت عبدالحليم حافظ، أنور وجدي، عبدالسلام النابلسي، عبدالفتاح القصري، فريد الأطرش، وغيرهم من كبار النجوم، وهي التي غنى لها محمد فوزي أغنيته الشهيرة (زنوبة)، الجميع كان يعتبرها من أكثر الفنانات التزاما.
وفي أول فيلم بطولة مطلقة لعبدالسلام النابلسي (حلاق السيدات)، طلب منها الاشتراك في الفيلم الذي يجرب فيه الإنتاج للمرة الأولى، فرفضت أن تتقاضى أجرا نظير دورها، بل اشترت ملابس الدور على نفقتها الخاصة.
وظلت زينات صدقي نحو 26 عاما إحدى نجمات المسرح الكوميدي، كانت تدرك مناطق تميزها الفني، وتعلمت كيف توظف ما اختزنته في الذاكرة من سلوكيات وأنماط الحياة، وقيل إن الكاميرا كانت تسلب مساحات كبيرة من جمالها، لكنها لم تكن تبحث عن جمال الصورة بقدر ما كانت تفتش عن وسيلة لاقتحام قلوب الناس، وانتزاع سعادتهم من خلال ضحكة صافية.
الحفيدة
عزة مصطفى إحدى حفيدات زينات صدقي، وهي ابنة الحاجة نادرة علي اللبان، بنت أخت الفنانة والتي كانت شاهدة على ذكريات سعيدة ومؤلمة تعرضت لها زينات الضاحكة الباكية.
وعن تكريمها من قبل الرئيس الراحل السادات قالت عزة: إنها قبل التكريم بفترات كانت موجودة في فرح ابنة الرئيس بدعوة منه، وجلست على مائدة السادات، ومعها أمي وزوجة الرئيس، ثم ذهبت لتهنئ الرئيس، لكن قدمها اصطدمت بقدم أختها، فاندفعت تجاه الرئيس الذي سندها.
وقالت لوالدتي تعليقاتها المعتادة، وظل الرئيس يضحك كثيرا بسبب كلماتها، وأعطاها رقمه الخاص، وقالت له أمي إن زينات توقفت عن العمل، فصرف لها معاشا استثنائيا، وجاء بعد ذلك مباشرة عيد الفن عام 1976.
ولم تكن من المكرمين، فسأل الرئيس عنها، وطلب البحث عنها لكي تأتي ليكرمها، وأعطى لها مكافأة لم تلتفت لقيمتها المادية، بل إلى قيمتها المعنوية التي أخرجتها بعض الشيء من حزنها الشديد بعد تجاهل زملائها السؤال عنها في محنتها المرضية التي طالت قلبها وأصابته بالعلل.
الزواج
وتوضح الحفيدة أن جدتها لم تكن أبدا عانسا، كما كانت في أفلامها، فقد تزوجت وهي في الرابعة عشرة من عمرها من ابن عمها الطبيب، ثم تركته وعملت في السينما والمسرح، ثم تزوجت لواء في الجيش، وكان هذا الشخص حبها الوحيد.
وكانت على استعداد لأن تترك الفن من أجله، لكنهما انفصلا بعد زواج سري بسبب طلبه أن تترك الفن وكذلك تترك أمها عند أختها أثناء مرضها.
ومقابل ذلك يعلن زواجهما، لكنها رفضت ذلك لتقديسها لأمها، وطلبت منه الطلاق، بعدها قاطعت الرجال وكرست حياتها لأعمالها الفنية لتربيتي أنا وأخي طارق، فهي كانت المسؤولة عن دراستنا وتربيتنا من الألف إلى الياء..
لم تكن والدتي تعرف شيئاً عنا، فنشأت بيني وبينها علاقة حب وأمومة لا أستطيع نسيانها مثلما فعلت مع أمي عندما كانت في الثانية من عمرها، وعندما وصلت إلى سن الزواج أصرت على تحمل تكاليفه بالكامل، وأيضاً على أن أعيش معها في شقتها بعماد الدين.
القاهرة - دار الإعلام العربية


