لا نرث فقط ملامح الآباء والأجداد، بل نرث ما تعودوا من عادات دون أن ندري. نحن العرب فينا من العادات الرامية في قلب التاريخ، فينا من الآخرين ربما، فينا من أنفسنا، وقد يرشدنا الأنثروبولوجي إلى أن ماضينا حاضر غيرنا، وحاضرنا ماضي الآخرين..

وحين تختلط الثقافات تنبت عادات جديدة، فلا تعرف إلى أي عادات تنتمي أنت الآن، فالميراث الإنساني لا مالك له إلا الإنسان، ولعل هذا الحديث مرتبطا بما نشاهده جميعا اليوم في الطريق من «أسبلة» تروي المارة، ربما كان للسبيل أصلٌ في الذاكرة الإنسانية وليس في الذاكرة العربية فقط. «السبيل» لفظاً يعني الطريق الذي يتخذه الإنسان ليصل، ولكن قد يكون الوجدان الإنساني احتفظ بمعنى خفي لما يروي الظمأ، ويعين على الوصول من هذه اللفظة، والتي تحوَّلت من ميراث خدمي قديم إلى منشأة اجتماعية تعليمية في وقت من الأوقات، إلى أن اتخذت شكلاً معاصراً مثل «المبرد» الذي يعمل بالكهرباء لمساعدة الغرباء كي يواصلوا طريقهم. فضلا عن اعتبار البعض بأنها صدقة جارية على أرواح ذويهم من الراحلين لتكفير الذنوب، أو صدقة إنسانية تربط بين مقيم ومسافر، لا يهم كيف كانت في الماضي؟ لا يهم هل كانت بئرا أم زيرا أم ثلاجة، لكن الذي يشغلنا هو كونها ميراثاً إنسانياً.

ميراث الأمم... كيف ارتوى المسافرون قديما في الصحارى، أين أقاموا في ليالي السفر؟ تقول الحكاية: إن سقاية الحجيج بدأت في عهد «عبد المطلب»، جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت تعني شرفا كبيرا لقريش أن تقدم عونا لإنسان غريب، لكن التاريخ يحكي أن السبيل كان منشأة اجتماعية عالمية، ولا يُستبعد أن يكون هذا الميراث عند أمم أخرى عاشت في ظروف مشابهة في مكان ما. كان العرب قبل الإسلام يقومون بحفر الآبار، وتكليف العبيد بحمل القِرَبِ، والطواف بين الناس لسقايتهم، وهذه العادة تؤكد أن قلوب العرب كانت مهيأة لاستقبال دينٍ ما سيظهر عمَّا قريب؛ لكن الأسبلة اختلفت عبر العصور؛ فتنافس النبلاء في بناء الأسبلة رأفة بالغرباء قبل توفر الوسائل الحديثة التي جعلت «السبيل» ذا شكل عصري يؤدي الغرض نفسه، فمهما اختلف الزمان لا تختلف الحياة في سيرها.

والسبيل شكلاً عبارة عن مبنى مكون من طابقين، الأول بئر محفورة في الأرض تتجمع بها مياه الأمطار أو مياه النيل، يعلوه غطاء من الرخام، أما الطابق الثاني فيرتفع عن سطح الأرض، وتسمى حجرة التَّسْبيل، أو المزملة، لتوزيع الماء على الراغبين، ويقوم المزملاتي «الشخص المُعين من قبل منشئ السبيل» برفع الماء بواسطة قنوات تجرى تحت البلاط المصنوع من الحجر الصلب، وينتهي الماء إلى فتحات معدة لرفع الماء. وكان الماء يُرفع من تلك الفتحات بواسطة كيزان مربوطة بسلاسل مثبتة بقضبان النوافذ، أما طريقة التشغيل فكانت تتم بواسطة بَكَرَةٌ فوق البئر، محمولة على خشبة مربوط بها حبل، وكان بطرف الحبل سَطْل «جردل» يرفع به المزملاتي الماء إلى القنوات الموجودة تحت بلاط المزملة، فيجري إلى النوافذ القائمة عند فتحات القنوات، وكان طالب الماء يصعد على سلالم موجودة أسفل كل نافذة إلى حيث يجد الماء، فيحصل على حاجته ويرتوي.

السبيل شكلاً

هناك وصف آخر للسبيل؛ حيث إنه كان يتكون من ثلاثة طوابق، أحدها الواقع تحت سطح الأرض عبارة عن خزان واسع تصب فيه الماء، ويرفع الطابق العلوي عددٌ من الأعمدة الرخامية الجيدة النحت، وزخارف على الحجر والبرونز، وكان يتزود منها الناس بالمياه التي يحتاجون إليها مجاناً في كل المواسم.

وينقل إليها الماء بعناء شديد من فرع النيل، أما الطابق الثالث فسمي الكتّاب المجَّاني، واقتصر على تعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب، ويُصرف عليه من ريع مؤسسة السبيل، ويتم التعليم فيه عن طريق تلقين التلاميذ القراءة والكتابة.

وقد أبدع المصمم أشكالا وزخارف نوافذ السبيل التي كانت تُصنع من النحاس النقي، وتمثل نافذة سبيل السلطان «قايتباي» 879 هـ من العصر المملوكي النمط التقليدي لتلك النوافذ، والذي ظل مستمرا حتى فترة القرن الثاني عشر الهجري في مصر، ويعتبر أول بناء مؤكد للأسبلة في مصر في العصر المملوكي، بداية القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي.

وكان معظمها من أعمال الأمراء والسلاطين ونسائهم، كأنها كفارة عن الذنوب والآثام، وكان يُسمح للمارَّة من كل الجنسيات والمِلَل باستعمالها، ولا ينقطع الماء عنها أبدا، ويُعتبر سبيل مدرسة «الظاهر بيبرس» الذي أنشئ العام 660هـ أقدم الأسبلة الإسلامية، والذي شُيِّد في العصر المملوكي.

وكانت الأسبلة تبنى دائما ملحقة بغيرها من المباني مثل المدارس والمساجد، ونادرا ما تبنى منفردة، كما اتخذت هذه الأسبلة عدة هيئات؛ فهي إما سبيل ذو شباك واحد ملحق بمنشأة ذات واجهة واحدة على الطريق العام، كما في مدرسة «أم السلطان شعبان» 770 هـ في القاهرة، وإما سبيل ذو شباكين يبنى في أركان المدارس والمساجد، مثل سبيل «الناصر محمد بن قلاوون» 726هـ.

كما يعتبر سبيل «قايتباي» من أجمل الأسبلة التي أنشئت في العصر المملوكي الجركسي 1479م، أما سبيل «عبدالرحمن كتْخُذا» 1744م فيوصف بأنه تحفة فنية، فقد كُسيت جدرانه الداخلية ببلاطات القيشاني العثماني، وتوجد على أحد حوائطه الداخلية صورة للكعبة المشرفة مشكَّلة بمجموعة من بلاطات القيشاني التركي.

وظيفة تعليمية

ولم تقتصر وظيفة السبيل على توفير المياه للمارة فحسب؛ بل كانت له وظيفة تعليمية، حيث كان يُلحق بالسبيل في الجزء العلوي منه في الطابق الثالث مكتب أو كُتَّابٌ ليتعلم فيه الصغار مبادئ القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم، وقد استمر الجمع بين وظيفة السقاية والتعلم في بناء الأسبلة منذ فترة الحكم المملوكي، وهو الشيء الذي يعطي السبيل المصري خصوصيةً وتميزه عن الأسبلة الأخرى التي أُنشئت في معظم مدن العالم الإسلامي.

كما شُيِّدت في مدينة القاهرة مئات الأسبلة داخل المدن، وعلى طرق التجارة والحج في العصرين المملوكي والعثماني للسلاطين والأمراء والأثرياء، أيضاً شُيِّد بعضها على يد سيدات فضليات كان لهن قصب السبق في عمل الخير، ذُكرت أسماؤهن صراحة ومنهن سبيل «وقف كلسن».

ويقع هذا السبيل في عطفة الأنصاري المتفرعة من شارع بورسعيد، وقد شيدته «كلسن هانم» في منتصف القرن11ه، وترجع أهمية هذا السبيل إلى أنه يُعتبر أول سبيل عثماني شيدته امرأة بالقاهرة، كما أنه يعتبر ثالث سبيل من نماذج الأسبلة العثمانية المفردة، أو المستقلة التي لا تعلوها كتاتيب.

أما سبيل «الست صالحة» فيقع في ميدان السيدة زينب بالقاهرة، حيث الواجهة الرئيسية، أنشأته الست «صالحة» حسبما ورد اسمها صراحة بالنصَّيْن التأسيسيَّيْن أعلى شباكي السبيل، ويرجع تاريخ إنشائه إلى 1154 هجرية - 1741م، ومن الأسبلة الشهيرة أيضاً سبيل «نفيسة البيضا» الذي يقع خلف باب زويلة بالقاهرة القديمة، وهو أحد المكونات المعمارية لمجموعة خيرية أنشأتها السيدة نفسية البيضا، زوجة مراد بك الكبير سنة 1211 هـ، 1797 م، وتتكون هذه المجموعة من سبيل يعلوه كتاب ووكالة تجارية بها محلات تؤجر ويستغل ريعها للصرف على السبيل.

وتستمر الحكاية ما دام في الحياة حياة، وما دام الإنسان يرث حاضرا لغدٍ يأتي؛ فالذاكرة الإنسانية بالوعي أو اللاوعي تخزن ما يصلها بالآخر على الرغم مما يبدو على السطح من صراعات.