لا تستغربي سيدتي إن أصبحت النظارات الداكنة اللون جزءاً لا يتجزأ من أي عرض أزياء في المستقبل، بعد أن كان منظرها يثير السخرية. وما علينا إلا أن نتذكر مظهر محرري الموضة وبعض المصممين بنظاراتهم الشمسية داخل قاعات مغطاة لا تخترقها أشعة الشمس ولا ضوء النهار أحياناً.
مثل رئيسة تحرير مجلة »فوغ« أنا وينتور ومصمم دار »شانيل« الألماني كارل لاغرفيلد. أما الآن فإنها ستصبح »على الموضة« ولها ما يبررها. والفضل في هذا يعود بدرجة كبيرة إلى فيلم »أفاتار« الذي حقق إيرادات فاقت تلك التي حققها مخرجه جيمس كاميرون في فيلمه »تايتانيك«. ويتوقع أن تزيد مبيعات شاشات التلفزيون الثلاثية الأبعاد هي الأخرى في عام 2012.ولأن مصمم الدار كريستوفر بايلي يعشق التكنولوجيا ويعمل منذ سنوات على تقريب البعيد من خلالها، فيما تمثلت آخر إهداءاته في هذا المجال في دعوة خاصة جداً لباقة ستكون منتقاة بدقة لحضور عرضه مباشرة، وفي التوقيت نفسه في نيويورك ودبي وطوكيو وباريس ولوس أنجليس، لهذا إذا كنت من المحظوظات اللواتي وصلتهن الدعوة.
فلا اعتقد انك ستتجاهلينها!، لأنها ستفتح لك الباب لتعيشي لحظات تاريخية، فأنت ستتابعين العرض مباشرة بفضل نظارات ثلاثية الأبعاد التي ستعطيك الإحساس بأنك في مكان وزمان العرض اللندني، ولأول مرة في تاريخ الموضة، ستشاهدين مختلف تفاصيل التجربة، بدءاً من توافد المشاهير والحضور، إلى نوعية الأقمشة والألوان وسماع الموسيقى وكأنك موجودة في لندن.وتجدر الإشارة إلى أن العرض، الذي أقيم نحو الساعة الرابعة ظهراً من يوم 24 من الشهر الحالي في »تشيلسي كوليدج أوف آرت«، هو الثاني للدار في العاصمة لندن، وكانت مشاركتها الأولى في العام الأخير قد حققت ضجة كبيرة صبت في صالحها وصالح الأسبوع الذي استقطب حضوراً أكبر ومشاركين أكثر من ذي قبل.
وهذا ما يجعل لندن هذا العام تتمتع بحيوية لا تشهدها العواصم الأخرى، فالكل يريد أن يوجد فيها، ليغرف من حيويتها ويعيش على إيقاعها المثير. لكن للأسف لا يمكنها أن تستقبل الكل وتستضيفهم، ما شجع كريستوفر بايلي المصمم الذي برهن على أنه يعكس روح جيله ومعانقته كل جديد، على هذه الخطوة الثلاثية الأبعاد.ولا شك أنه تأثر بتجربة فيلم »أفاتار« الذي حقق نجاحاً كبيراً كونه يمنح المشاهد تجربة خاصة وكأنه في عين المكان ويعيش الأحداث من خلال استعمال هذه النظارات التي تجعله يرى الأمور من كل الجوانب.
الجدير بالذكر ان كريستوفر من المصممين القلائل الذين يميلون إلى الزهد في الاستعراض، وهذا أمر نادر في الوسط الذي يعمل فيه، حيث يرى البعض انه من الضروري إيجاد صورة لافتة، سواء بارتداء نظارات سوداء ضخمة طوال الوقت، أو ارتداء أزياء بوهيمية أو »داندية«، وما شابهها من مستلزمات المهنة وضرورياتها.
واختار في المقابل العمل الدؤوب بصمت، وكان من الطبيعي ان تنعكس شخصيته الهادئة والواقعية على إبداعاته، التي تبتعد عن الصرعات ومحاولات لفت الانتباه الصادمة.
إذا لم يسعفك الحظ لحضور عرض دار »بيربيري« الذي تترقبه أوساط الموضة بشوق في لندن هذا الأسبوع، لبعد المسافات، فلا تقلقي لأن التكنولوجيا جعلت كل شيء ممكناً، وهو ما يعلق عليه قائلاً: أنا لست من المصممين الذين يعتقدون بطرح تنورات للرجل، مثلاً، لأني لا اعتقد أن المصمم يحتاج إلى شيء جذري كهذا لكي يغيّر طريقة تعامل الرجل مع الموضة.
ويتابع: الموضة ليست ثورة بل تطور طبيعي.. وسواء أطلقت عليها اسم موضة أو أسماء أخرى، فإن المهم هو الأسلوب الخاص بدءاً من طريقة عقد ربطة العنق إلى العطر مروراً باختيار الكبك، حتى خطه »برورسم« الراقي يتنفس هذه الروح، لأن الترف، حسب رأيه: »يجب ان يغري ويلهم وأن يقدم شيئاً لا يتوفر في حياتنا اليومية.
لكنه يجب ان يكون واقعي، أنا أشعر بأننا نعيش في وقت يسمح لنا بأن نحقق كل الأحلام، سواء أكانت مادية أم معنوية، وبالتالي أشعر بالتحدي عندما أقدم جديداً يغذي هذا الحلم ويشبعه، وإن كان الترف، بمعناه الحقيقي، هو شيء لا نحتاجه بالضرورة بقدرما نريده ونحلم بتجربته.
مما لا شك فيه أن كريستوفر كان هدية من السماء لـ »بيربيري« التي تحولت ماركتها المسجلة »الكاروهات«، في فترة من الفترات، إلى نقمة عليها، نظراً لإقبال حديثي النعمة ومشاغبي كرة القدم عليها، مما جعل الطبقات الأخرى تخاف من إيحاءاتها السلبية وتبتعد عن كل ما يمت لها بصلة من قريب أو بعيد.
عندما التحق بها كريستوفر كان التحدي أمامه كبيراً، إذ كان عليه ان يخلصها من سلبيات التصقت بها عدة سنوات، وفي الوقت ذاته أن يحملها إلى القرن الواحد والعشرين وإلى مصاف كبريات دور الأزياء العالمية الراقية، كان التحدي كبيراً، لكنه كان أهلاً له، وأذهل الجميع بما حققه من نجاح في وقت قياسي، ليس في مجال الأزياء النسائية التي تخصص فيها من قبل، بل حتى في مجال الأزياء الرجالية الذي كان جديداً عليه.
والطريف في الأمر ان كريستوفر لم يكن يحلم بان يكون مصمماً في سنوات الدراسة، بل دخل المجال صدفة. فقد كان يريد ان يكون مهندساً، لكن أستاذه للفنون، شجعه على الالتحاق بجامعة »ديوزبري« لدراسة الفنون، وهناك تعرف على الموضة ووقع في حبها مما شجعه على التخصص فيها، أثناء دراسته كان عليه ان يعيل نفسه كأي طالب لا يمتلك إمكانات عالية، فعمل في محل لبيع فساتين الزفاف.
حيث كان يحضر القهوة والشاي للزبونات، وينقل السلع ويساعد في تثبيت الدبابيس عندما تحضر العرائس لقياس فساتينهن. كانت هذه التجربة مهمة في حياته، لأنها كما يقول ساعدته على فهم التأثير النفسي للأزياء وما تثيره من أحاسيس عند ارتدائها، فضلاً عن كيفية تعامل كل واحد منا مع جسده.
وكان لهذه التجربة الفضل في تشكيل إحساسه بجسد المرأة واحتياجاتها، الأمر غير المسبوق بالنسبة لأي مصمم بريطاني قبله، ما يفسر جمعه الأنثوي المثير بالمريح والواقعي العملي، وعند التخرج زارت المصممة الأميركية دونا كاران المعهد الملكي (روايال كوليدج) وسرعان ما انتبهت إلى إمكاناته، فلم تتردد في ان تعرض عليه العمل معها في نيويورك، وهكذا من سنة 1994 إلى 1996 كان هو المصمم الفني للجانب النسائي في معملها قبل ان يخطفه منها توم فورد .
كان هذا الأخير في أوج قوته ويعيش شهر العسل مع »غوتشي« التي منحها قبلة الحياة بعد ركود شديد تعرضت له وكاد يفلسها، وربما تكون هذه الفترة هي التي علمت كريستوفر الإجراءات اللازمة لتجاوز المحن، وساعدته على إنعاش دار »بيربيري« عندما التحق بها، بيد ان طريقته جاءت مختلفة تماماً عن طريقة توم فورد.
فبينما كان هذا الأخير يعتمد الأسلوب الصادم إلى حد ما والمفعم بالأنوثة المثيرة، كان كريستوفر أكثر هدوءاً ولا يميل إلى الاستعراض أو لفت الانتباه بقدر ما يميل إلى الرومانسية الواقعية، بعد سنوات مع »غوتشي«، شعر كريستوفر انه وصل إلى نهاية الطريق.
وأن الوقت قد حان لكي يأخذ فترة راحة من العمل، فاستقال منها، على أمل ان يستجم لفترة من الزمن يشحذ فيها طاقته ويفكر في ما يريد ان يفعله مستقبلاً، لكن أمله في الراحة لم يدم طويلاً، لأنه بعد اسبوعين فقط من تقديمه الاستقالة، تلقى عرض حياته كمصمم فني لدار »بيربيري« العريقة.
كان العرض مغرياً والتحدي أكثر إغراءً، فقد كانت الدار بمثابة ماسة رائعة ظلت مدفونة لسنوات، وكل ما كان علينا ان نفعله هو ان ننفض عنها التراب وان نصقلها لتظهر وجوهها المتعددة والجميلة المثير في قصة نجاح دار »بيربيري« التي أصبحت مرتبطة إلى حد كبير باسم بايلي.
انها في الوقت الذي بدأت فيه بعض بيوت الأزياء توجه الأنظار إلى الأزياء »السبور« التي تخاطب شرائح أكبر، لم تغير استراتيجيتها بالتركيز على خطها »برورسم« الذي يعرض في اسبوع ميلانو منذ سنوات، ويعرف نجاحاً كبيراً سواء تعلق الأمر بالجانب الرجالي أو الجانب النسائي.
ويعتبر هذا الخط نخبوي مقارنة بـ »بيربيري لندن« وغيره من الخطوط التي تطرحها الدار، والسبب يعود إلى ان الدار التي حققت أرباحاً قدرت في شهر مارس الماضي ب4,995 مليون جنيه استرليني، تسمح لها إمكاناتها ان تركز على التطور والتطوير، رغم سحابة الأزمة الاقتصادية التي تخيّم على الأجواء العالمية عموماً.
معتمدة على وجود طبقات لن تتأثر بالأزمة ولن يوقفها الركود على البحث عن الجديد والمميز، وهذا بالذات ما تلعب عليه الدار ومصممها، الذي يرفض ان يشتت فكره فالمهم بالنسبة له كما يقول »ألا أتوقف على التقدم إلى الأمام وألا أحيد عن رؤيتي الواضحة، طبعاً علي ان أفهم حساسية الوضع الحالي، وآخذه في عين الاعتبار.
لكن هذا لا يعني التوقف عن التطور والابتكار، وهناك أمل كبير في الأسواق الجديدة التي تقدر الترف وتساعد على استمراره وانتعاشه ترجمته لحساسية الوضع، ترجمه في تشكيلات الخريف والشتاء الحاليين والربيع والصيف المقبلين، من خلال أزياء هادئة تشوبها مسحة كآبة تجلت في الألوان الداكنة أو الدرجات المطفية، لكنها كآبة أقرب إلى الرومانسية منها إلى الاكتئاب السوداوي.
لأن المشاعر كانت هي المحرك فيها وليس الجانب التجاري، خصوصاً فيما يتعلق بتشكيلة الصيف المقبل التي كانت مستوحاة من حديقة بريطانية في نعومتها وألوانها المطفية إلى حد ما، طبعاً لم تغب النقوشات المربعة التي اشتهرت بها الدار، بل فقط تم التعامل معها بطريقة حديثة وبنظرة مستقبلية، كما هو الحال بالنسبة للمعطف الممطر وغيره من القطع الأيقونة، التي تشتهر بها الدار .
دبي - رشا عبدالمنعم



