هل أحسست يوما أنك تريد الخروج من ثيابك؟ احتمل معي سخافة وصفاقة السؤال، وتأمل نفسك محاصراً بطوفان من المشكلات التي لا تنتهي: فقر، تلوث، ضوضاء، قهر سياسي، وأسري، ترقع كل المفاهيم الجميلة، هل لا تزال في حاجة إذاً للاحتفاظ بثيابك؟

لا ندري إذا ما كان كل ذلك هو ما دعا راكبة للتخلي عن ثيابها على مرأى من جميع مرتادي مطار القاهرة أخيرا، لكن قبل أن تبادر بخلع ثيابك، بوسعك القيام بجولة سريعة إلى مدينة تبعد عن مطار القاهرة 220 كيلومترا باتجاه الشرق.بالفعل إنها بورسعيد، وبالطبع لن يتسع المجال للحديث عن مدينة الصمود والأبطال إبان المواجهة مع العدو الصهيوني، لكن أنت فقط مدعو للتعرف إلى فرقة السمسمية، والتمتع بفقراتها التي تخترق الوجدان والروح، ومن ثم خذ قرارك بعدها بالعودة إلى القاهرة بثيابك أو من دونها.. إلى السمسمية.

ليست فقط بورسعيد مدينة التجارة والأسواق الحرة، بل هي درة مدن القناة، شوارعها يغلب عليها الطابع الكرنفالي. يكره أهلها الحزن والكآبة والرتابة ككرههم للمرض والفقر ومصلحة الضرائب، لذلك تجدهم دائما في كرنفالات فنية يتمايلون ويرقصون ويغنون حتى الساعات الأولى من اليوم التالي سواء في الأعياد أو حفلات الزفاف أو في أي فوز كروي وانتصار سياسي.دائما شوارعها تزهو وترقص وتفرح، لا تعرف مقاهيها المشاجرات التقليدية، ولا شرب شتى صنوف المنكرات، ذلك أن أهلها أدمنوا أمرا لا تستطيع أي إدارة في وزارة الداخلية أو أي مصلحة حكومية أخرى الاعتراض عليه.. ذلك هو (السمسمية)..

وهي آلة وفرقة موسيقية ارتبطت نشأتها في العصر الحديث بحفر قناة السويس، إذ كانت وسيلة للتسلية والسمر لعمال الحفر، يتحلقون حولها في المساء للتخفيف عن متاعبهم وآلامهم من الغربة، ومع نغماتها كانت تخرج آمالهم وأشواقهم المكبوتة رغبة في حياة أفضل، وغنت للقناة (وغني يا سمسيمة لرصاص البندقية فيه ولكل أيد قوية حاضنة زنودها المدافع).

كما غنت (زارني المحبوب) و(منين أجيبه) و(غصن الحبيب)، ورقصت السمسمية لصيادي السمك وهم رجال بورسعيد، كما رقصت لرمي الشباك وحرفة البمبوطي وهو يجدف بقاربه ويلف الحبل للسفن، كما غنت ورقصت لشواطئ بورسعيد ومياهها الزرقاء وجمالها الساحر.

ليست السمسمية الفرقة الوحيدة التي تشتهر بها بورسعيد وشقيقاتها من مدن القناة، لكنها الفرقة الأشهر، فهناك أيضا فرقة (الطنبورة) وهي على اسم آلة موسيقية وجدت رسومها على جدران المعابد الفرعونية، آلة وترية ذات قاعدة خشبية ترتكز إلى صدر العازف، تنطلق منها أوتار عدة متصلة بما يشبه القوس المنحني، أي أنها صورة مكبرة من السمسمية ذات الحجم الأصغر.

ويهرب الجميع من مشاكله وأزماته بالاسترخاء الروحي إلى عازفيها في حلقة بهيجة تتوسطها فرقة السمسمية التي يحدثنا مديرها محمود غندر قائلا: آلة السمسمية يرجع تاريخها إلى قديم الزمان من قبل نشأة مدن القناة.

حيث تمتد إلى قدماء الفراعنة، لكن الفرقة بشكلها الحديث تكونت عام 1990 بعناصر من (الصحبجية)، الذين كانوا يتجمعون في البداية على المقاهي، ويصورون هذا الفن، لكن لم يكوّنوا فرقة بذاتها، والصحبجية هم مجموعة من الشباب وكبار السن الذين يحفظون التراث البورسعيدي كاملا، ويصل عدد راقصي الفرقة والعازفين والمطربين الشعبيين إلى 16 عضوا.

والفرقة شاركت في مهرجان الشمس والحجر باليونان، ومهرجان ميرابيل بفرنسا، وجامب ببلجيكا، ومهرجان الموسيقى الشعبية بتونس، ومهرجان اليونسكو وألحان الشرق بأوزباكستان، فالسمسمية آلة فرعونية الأصل كانت تعرف بالكنارة تشبه آلة الهارب الآن، لكنها أصغر في حجمها.

فهي آلة شعبية لها من خمسة إلى سبعة أوتار، أما موسيقاها فتتبع السلم الخماسي مثل الربابة والطنبورة وغيرهما، ارتبطت في بداياتها بعمليات حفر قناة السويس، حيث كان عمال الحفر لا يجدون ملاذا ولا راحة لهم غير السمسمية، يشكون آلامهم فتحيي فيهم الأمل والصبر.

ويشير إلى أن السمسمية تتكون من (خرمان وحمال وسناد وشمسية وقرص وأوتار وفرس وحوايات وصندوق للصوت). أما أوتارها فمن السلك الصلب لكي تتحمل العزف، ولكل وتر اسم معين تبدأ بالترتيب ب(بومه- المتكلم- المتحدث- المتجاوب- الشرارة).

أما أهم المقامات الشعبية الموسيقية لها فكانت (الراست والكرد- البياني- نهاوند- هزام يمجد وحجاز)، وهذه الآلة كانت في البداية طنبورة نوبية على هيئة علبة خشبية أو طبق صاج مشدود عليه جلد رقيق، ولها ذراعان يمين المداد يربطهما ذراع ثالثة، لكي تشبه مثلثا في الشكل، ويتم ربط الأجزاء بخيوط من جلود الحيوانات.

ثم تزين هذه الآلة بالخرز والنقوش، ثم تطورت الآن لتصبح 16 وترا حتى يتمكن العازف من تقديم كل الألحان الشرقية، ولمواكبة عصر الموسيقى الحديث والتطور السريع لها، وعند البدء لابد من عزف مقطوعة أو أغنية حسب مقام واحد، ولا يستطيع العازف الانتقال إلى مقام آخر داخل العمل، إنما يقوم قبل العزف بضبط الأوتار حسب المقام.

أما عن الآلات الأخرى أو الأدوات التي استخدمت مع السمسمية فيقول مدير الفرقة: أعجب العازفون في بادئ الأمر بصوت إسباني يسمى (الكاستنيت)، لكن لم يقدروا على توفيره، فاستبدلوه بملعقتين معدنيتين يمسكهما العازف، وتكون يده على فخذه في رقصة رشيقة، وهو يثنى ركبته على الأرض أو يصل بالملعقتين إلى فخذه، ومن تردد يده على فخذه بالملعقتين يصدر النغم الذي يريده، ومن يومها ارتبطت الملاعق بآلة السمسمية، لكي تعبر عن بعض الألحان المستعملة.

ارتباط وثيق

ومن مزايا هذه الآلة، كما يؤكد غندر، أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعازفها، حيث إنه يقوم بتثبيت آلة السمسمية على نهاية فخذه ويضمها بذراعيه متجها لبطنه، ويستند بذراعه الحمال على باطن الذراع، والساق السناد على فخذه، وتكون أصابعه اليسرى ممسكة بالأوتار، والأصابع اليمنى تقوم بالنقر عليه.

وكانت أوتارها تصنع من الجلد الطبيعي، ولابد أن يبلل بالماء قبل الاستعمال حتى يكون ناعما على اليد، واستبدل صندوقها الصاج بصندوق خشبي؛ وذلك لتحسين الصوت ونقائه وإخراج الألحان المطلوبة، ومع التطور أيضا استبدلت مفاتيح الأوتار بمفاتيح (مندولين) ذات تروس عالية لضبط سرعة الصوت، وفي كل هذه المراحل كان للسمسمية جمهور كبير جدًا، يعشقها ويتعايش معها لحظة بلحظة.

بينما يتذكر الكاتب الصحفي جمال الغيطاني فترة عمله كمراسل حربي أثناء حرب أكتوبر وعلاقته بالسمسمية وأحد أبرز روادها الكابتن غزالي قائلا: عزف السمسمية والطنبورة من أرقى أنواع الموسيقى التي عرفتها.. إن اسم السمسمية مناسب حقا، كما نقول اسم على مسمى..

وبقدر رقة السمسمية بقدر قوة التصفيق ورجولة الغناء. من أعضاء الفرقة في الرقص (عم إبراهيم)- رحمه الله - عامل في شركة البترول وعازف ماهر على السمسمية، يبدأ الرقص التعبيري، وهذه إحدى سمات الفن البورسعيدي، فالسمسمية ليست عزفا فقط..

إنما غناء مصحوب برقص رجولي جميل. وهذا ما نراه الآن في تلك الفرقة الفنية الرائعة، ومن بين الفنون التي ترسخت داخلي منذ الطفولة فن السمسمية.. أو كما يعرف في بورسعيد ب(الضمة)، فكل إنسان يمكنه أن يغني، وأن يكون صوته جميلا.

وكل إنسان يمكنه أن يرقص حتى إذا كان متقدما جدا في العمر، هذا أحد المعاني الجميلة الكامنة وراء فن الضمة أو السمسمية. والآن نصل إلى إجابة السؤال.. هل ستتخلى عن ثيابك أم تعود إلى القاهرة وقد تخليت عن همومك ومشاكلك؟

إضاءة

هناك ما يشبه الإجماع على أن أصل آلة السمسمية هي آلة «الكنارة» الفرعونية، التي تشبه إلى حد كبير آلة الهارب حاليا، ولها 7 أوتار من أمعاء الحيوان، تطورت لتصبح آلة (الطنبورة) النوبية حاليا، وهي عبارة عن علبة من الخشب، أو قصعة لها ذراعان متباعدان يسميان المداد، يربطهما ذراع ثالثة على هيئة قاعدة تسمى حمالة، يتم ربط هذه الأجزاء بخيوط قوية وتزين بالخرز والنقوش.

ومن ثم تطورت أيضا إلى آلة السمسمية المعروفة حاليا، وهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنها آلة مصرية خالصة بخلاف من ادعى أنها دخلت إلى مصر مع التجار من أبناء الجزيرة العربية، الذين كانوا يأتون إلى مدن القناة قديما.