الواقعية تيار رئيسي اعتمد عليه صناع الأفلام الصينية لتطويرها، ففي المد العالي الجديد للإبداع السينمائي الذي بدأ منذ أواسط ثمانينات القرن العشرين، وصلت الأفلام التي تعكس الموضوعات الواقعية إلى أعلى مستوى فني لا مثيل له من قبل.
من ناحية تجسيد الحياة وتنويع المواضيع والأساليب والأشكال واستكشاف وتجديد التعبيرات التي بدأت تتناول نوعية أخرى من الأعمال بعيداً عما هو مألوف عن السينما الصينية من فانتازيا وأساطير وأكشن ممزوج بألعاب قتالية مثل الكاراتيه والكونغ فو.وفيلم «تشون ساو وأمها» الذي عرض على هامش الأسبوع الثقافي الصيني والذي استضافته مؤسسة العويس الثقافية في دبي الأسبوع الماضي، من تلك النوعية التي تستعرض شريحة من الحياة الصينية، متصلة بحياة القرى في سفوح الجبال، وهو غني بمساحات نفسية وإنسانية واسعة، حيث يتعرف المشاهد خلالها على هذه المجتمعات وعلى العادات والتقاليد، كما يتعرف أيضاً على الوضع المزري الذي تعيش فيه هذه القرى المتروكة لفقرها المدقع.
تشون ساو وأمها محور هذا العمل وهما من الفقراء الذين من الممكن أن تراهم في مختلف أنحاء العالم، ولاسيما الذين يعيشون تحت ظروف قاسية، حيث تتشابه الهموم والأحلام، وتصور الأحداث أسرتهما التي تسكن في قرية «متغ وان» الجبلية والتي يتغلغل فيها التخلف والفقر.
كما تركز على البطل الحقيقي شخصية الفتاة «تشون ساو» المتمردة العنيدة الراغبة في البحث دائماً عن الأفضل داخل مجتمع ينشد الأفضلية للذكور على حساب النساء اللاتي يعانين من الشقاء والإهمال ويتحملن الكثير من المصاعب، والتي جسدتها الممثلة الصينية تاو هونغ المعروفة لبعض العيون العربية، حيث حازت على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان دمشق الدولي عام 1997 عن فيلم «العيون السوداء».
وتظهر اللقطات الأولى من الفيلم تشون ساو وهي طفلة تجادل أمها رافضة أن تهمل وتحاصر في أشغال البيت وتأمل في أن تواصل تعليمها الذي تحقق في بداياته تفوقاً ملحوظاً، لكنها في النهاية أمام ظروف الأم الصحية ترضخ لشؤون المنزل وتذهب إلى الأسواق لتبيع البقوليات الصينية في محاولة من جانبها لتحسين أوضاع الأسرة المعيشية.
وفي مشهد يتكرر أكثر من مرة في أحداث مختلفة، تقف تشون ساو أعلى المنطقة الجبلية وهي ترى قريتها أمامها، تبكي وتصرخ رافضة تعنت وعناد والدتها التي تريدها مجرد ربة منزل مثل كل فتيات القرية، ويقف والدها أحياناً إلى جوارها في محاولة منه للتخفيف عنها ويربت عليها بحنان وحب وينتهز أول فرصة لقدوم عمها من المدينة بعد وفاة زوجته ليأخذها لتعيش معه وتعينه على تدبير مسؤوليات بيته في مقابل مادي مغرٍ يجعل الأم توافق على مفارقة ابنتها.
وتذهب تشون ساو إلى المدينة بطموح أن تغير من أحوالها لكنها تتعرض لمضايقات ابن عمها المتزوج الذي يحاصرها ويطالبها أن تكون عشيقته، ولا تجد أمامها مفراً سوى العودة مرة أخرى لأمها ولأوامرها التي لا تنتهي.
يختار مخرج الفيلم يانغ ياغو أحد أبرز السينمائيين الشبان المعاصرين، أن يحكي يوميات هذه الأسرة الفقيرة من خلال التفاصيل الإنسانية ورصد المشاعر التي تضفي على العمل قوة وجمالاً، مثلاً نتوقف عند الأشقاء الذكور الذين تتحدد مسؤوليتهم في أعمال بسيطة، في مقابل دفع الأم للفتاة الوحيدة بالزواج ممن يدفع مهراً أغلى لتحقيق الاستقرار المالي لأخوتها.
ونتوقف أيضاً عند الزوج الذي يعاني ضغوطات الحياة ولا يملك سوى الانصياع لرغبات الأم وجدالها المستمر مع ابنتها ولا يملك أمام تعرضها للسقوط وكسر ساقها وتألمها إلا الموافقة على أن تعمل تشون ساو، ورغم علمه أن هذه المشاحنات المستمرة تجعل الفتاة تبتعد بمشاعرها عن الأم، لكنه في لحظة فراقه للحياة يطالب ابنته بالبقاء والحرص على أمها ويوصيها بها خيراً.
وترتبط تشون ساو بشاب لا يملك شيئاً يعرضها إلى مزيد من المواجهات الصعبة مع أمها، بعد أن يتركها أماً لطفل وطفلة ويعرضها لمطاردة الدائنين له، وتهجر بيت الزوجية لعدم مقدرتها على دفع إيجاره وتترك ابنها لدى والدتها وتسافر مع طفلتها إلى المدينة بحثاً عن زوجها الذي أعطته مشاعرها وارتضت الارتباط به رغم عدم موافقة أمها عليه.
وتتكرر سلسلة المضايقات والمتاعب لكن اجتهادها يمكنها من امتلاك دكان صغير لبيع البقوليات، وتلتئم شمل أسرتها بظهور الزوج وجلب أمها ابنها بعد سنوات من الفراق، لتكتشف شون ساو أن أمها تعاني من ورم في المعدة يجب استئصاله، وتتكفل بدفع تكاليف العملية التي ترفضها أمها ثم توافق بعد أن تعطيها وصية بالبيت الموجود في القرية والذي يمكن أن يسعها هي وزوجها وأولادها، في منحنى جديد لمشاعر الود بعد عناد وجدال بينهما.
ومن ذكاء المخرج يانغ ياغو في هذا العمل أنه لم يسقط في نبرة الخطاب المباشر كما هو حال العديد من الأفلام التي تتناول مثل هذه الموضوعات، بل قدم الوجه الواقعي في عالم صيني متعدد لا تزال فيه للتقاليد سلطة على الفرد وعلى العائلة، وتلك ميزة سينما اليوم في صين تتبنى نقداً بناءً وهادئاً تجاه ذاتها والعالم.
فيلم «تشون ساو وأمها» مأخوذ عن رواية أدبية تحمل الاسم نفسه، وهو من الأفلام ذات الإنتاجية القليلة والتي تعتمد في تصويرها على كاميرات الديجيتال، ويعتمد في إيراداته على السوق الصيني الذي يصل جمهوره إلى 3,1 مليار نسمة، ما يجعل هذه النوعية من الأعمال تتعامل مع مفردات الواقع المحلي، وهي نموذج من الممكن أن يحسم المناقشات الطويلة والتقليدية التي تطرح بشكل متواصل ونحن نتساءل، كيف يمكن أن يصبح للسينما العربية وجوداً عالمياً؟
دبي ـ أسامة عسل

