بعد رحيل الكبار الذين احتكروا النغم بمواهبهم الفذة، نادراً ما نلتقي حالة موسيقية متفردة فى هذا العصر، إلا أن شبكة عمار الشريعى لا تكف عن اصطياد لآلئ الألحان، ولا تدري من أي مكان سماوي يقتنص مؤلفاته الموسيقية.. تحتوي ثقافته ومواكبته التطور الهائل في تكنولوجيا آلات العزف على توليفة العبقرية التى يعيشها وتعيشه في آن..

شريعته تتلخص فى مبدأ واحد مفاده أن تُقدم لحنا فذا شيء، وأن تعيش الحياة على أنها لحن طويل شيء آخر.. لماذا لا تجربون معنا الغوص في أعماق هذا العمار..المكان صعيد مصر، الزمان العام 1948م، الموعد طفولة تستطيع أن تنسبها إلى عالم عميد الأدب العربي (طه حسين) المغلق بصراً، المضيء بصيرة ووعياً..

في مدرسة عميد الأدب العربي تلقى عمار الشريعي تعليمه الابتدائي والثانوي، ولد مع الموهبة، وأصر ألا يفارقها، درس الموسيقى، وأتقن العزف على أكثر من آلة كالعود والأكورديون وغيرهما. تخرج في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة عين شمس في العام 1970م.

وواصل دراساته الموسيقية بدراسة التأليف الموسيقي عن طريق مدرسة أمريكية لتعليم المكفوفين بالمراسلة، ثم تلقى علوم الموسيقى الشرقية على يد مجموعة من الأساتذة الكبار بمدرسته الثانوية في إطار برنامج مكثف أعدته وزارة التربية والتعليم للطلبة المكفوفين.

امسكوا الخشب

يؤكد المخرج محمد فاضل أن للشريعي براعة في تطويع القوالب والألحان الموسيقية لخدمة الدراما بصفة عامة، فهو من القليلين المؤهلين لذلك؛ لأنه يتمتع بحس وذوق فني عال، إضافة إلى إخلاصه بدرجة كبيرة تصل إلى حد التقديس.

مشيرا إلى أنه في فترة السبعينيات ظهر أول ألحانه الموسيقية لأغنية (امسكوا الخشب) التى قدمتها المطربة مها صبري؛ لتدشن الانطلاقة الحقيقية له في مجال التلحين، ففتحت أمامه الباب للعمل مع كبار المطربين والمطربات من أجيال مختلفة.

وممن تعامل معهم: شادية، وردة الجزائرية، مها صبري، عفاف راضي، ميادة الحناوي، عبدالله الرويشد، محمد منير، محمد ثروت، نادية مصطفى، لطيفة، علي الحجار، محمد الحلو، مدحت صالح، أصالة، وأنغام، وغيرهم..

وتتابعت تجربته بمؤلفات متميزة في مجال الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية، قدم خلالها عصارة أفكاره وإبداعاته الفنية، وحصل بها على العديد من الجوائز على الصعيدين العربي والعالمي؛ إضافة إلى تجاربه فى تقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية المتخصصة فى المجال الموسيقي، من بينها على سبيل المثال «غواص فى بحر النغم» و«سهرة شريعي».

ويوضح فاضل أن نجاحات عمار لم تقتصر على مجال التلحين أو فيما يخص الموسيقى فقط، بل كان من أكثر المهتمين بحال الغناء العربي، ومستوى الأصوات الغنائية، ما دفعه للبحث وراء التطوير والابتكار، ليس على مستوى الموسيقى والألحان فقط، بل على مستوى الغناء.

لذلك كان حريصاً على الاهتمام بالمواهب الغنائية الجديدة، ففى الثمانينات قدم إلى الساحة مجموعة من الأصوات الشابة من بينها منى عبدالغني، حنان، علاء عبدالخالق، واستطاع أن يجمع بينها كي يُكِّون فرقة موسيقية غنائية أطلق عليها بعد ذلك اسم «الأصدقاء»، واستطاع أن يقدم معها مجموعة من مشكلات وقضايا المجتمع فى تلك الفترة.

وعلى الرغم من إيمانه ويقينه بأهمية العمل مع المطربين الشباب، فإنه فاجأ الجميع عندما أعلن عن قراره بحجب التعاون الشبابي، خاصة بعد الحالة السيئة التى وصل إليها مستوى الغناء فى مصر والعالم العربي؛ ليتفرغ لأعماله ومؤلفاته الموسيقية، وفضل فى هذا التوقيت التعامل مع بعض المطربين الكبار، إلا أن التجربة كانت على استحياء، وكان آخرها تجربته مع أنغام خلال ألبومها الأخير.

عبقرية الترجمة الموسيقية

أما الموسيقار حلمي بكر، فأكد عبقرية عمار الشريعي، وقدرته الفائقة على التعبير الموسيقي، وبراعته في ترجمة المشاهد الحوارية والأحداث الدرامية في قالب موسيقي معبر.. هذه العبقرية وضعته في مكانة يستحقها بين موسيقيي هذا العصر.

فإضافة إلى موهبته، فإن ثقافته الموسيقية ودرايته بكل جديد في عالم الموسيقى والغناء تعد موهبة أخرى تستحق التقدير والريادة، على الرغم من حدة المنافسة بينه وبين كثير من الموسيقيين الموهوبين في مجال التلحين والموسيقى التصويرية من أمثال ياسر عبدالرحمن، عمر خيرت.

يضيف بكر قائلاً: من الصعب أن نحصر إنجازات عمار الموسيقية، فهو قيمة فنية كبيرة قدم لنا الكثير، نذكر من أعماله مشروعه الخالد الذى تولى فيه مسئولية إعادة تقديم تراثنا الموسيقي، وذلك من خلال مجموعة من الألبومات قدم خلالها أشهر الألحان للموسيقار محمد عبدالوهاب، والموسيقار فريد الأطرش، وغيرها من الألحان التى أعاد توزيعها وتقديمها بشكل عصري.

مشروع ضخم

الشاعر سيد حجاب، الذى يعد التوأم الفني لعمار الشريعي، وأحد أكثر الشعراء الذين جمعتهم علاقة وثيقة معه، يقول: التقيت «عمار» في أعمال لا تعد ولا تحصى.

وتحديداً في مجال تترات المسلسلات مثل «بابا عبده»، «الأيام»، وفي السينما «لا تسألني من أنا»، «حنفي الأبهة»، وغيرها من الأعمال التى كان لها دور كبير في ميلاد علاقة صداقة قوية جمعت بين الطرفين (الشاعر والملحن)..

ويعتبر عمار الشريعي بمثابة مشروع موسيقي ضخم وليس ملحناً عادياً كغيره من الملحنين، فهو فنان مهموم بفنه وبالقضايا والمشكلات التي تعانيها الموسيقى العربية، وهذا النموذج نادر الوجود، ففي كل لحن مع عمار تجد بداخله موسيقياً كبيراً، وحلماً يحل مشكلة الأصالة والمعاصرة في الموسيقى العربية الحديثة.

غواص ماهر

الشاعر عمر بطيشة وصف الشريعي بأنه غواص ماهر يبحث وراء الكنوز الثمينة، ويضع على عاتقه مسؤولية اكتشافها وتقديمها إلى الجمهور؛ ليعيد لها من جديد ما افتقدته من سحر وجاذبية مع مرور الزمان.

كلمات بطيشة كانت تعليقاً على تجربة الشريعي في الإذاعة المصرية من خلال برنامجه الشهير «غواص في بحر النغم» الذي كان بمثابة طوق نجاة للتراث الغنائي والموسيقي؛ واستطاع خلال البرنامج تقديم مئات الألحان القديمة لعمالقة الطرب الأصيل على مستوى العالم العربي، وتناولها بتحليل رشيق يجمع بين مستوى الأكاديمي، ومستوى المتلقى غير المتخصص..

فكان لهذا البرنامج دور مهم في الكشف عن جماليات الغناء في الحقبة الحديثة التي بدأت مع أوائل القرن العشرين، والتي ضمت مجموعة من العمالقة أمثال السنباطي، القصبجي، محمود الشريف، عبدالوهاب، الموجي، ومحمد فوزي، وغيرهم.

من ظرفاء عصره

أما المطرب مدحت صالح الذى كان له نصيب الأسد دون غيره من المطربين في التعاون مع الموسيقار عمار الشريعي في تقديم تترات البداية والنهاية للعديد من الأعمال الدرامية فأكد الجانب الشخصي المثالي لعمار الشريعي الذي لا يبتعد عن مستوى موسيقاه.

وهو ما لمسه من خلال طيبة قلبه وتعامله الراقي مع كل من حوله من فريق العمل، ما جعل الجميع يعملون في إطار من الود والصراحة كأنك في أسرة تخفف عنك متاعبك، إضافة إلى خفة ظله، ورد فعله السريع، وتعليقاته الساخنة، فنستطيع ببساطة أن نصنفه كأحد كبار المتحدثين الظرفاء فى عصرنا، إلى جانب مسؤوليته الفنية الواعية تجاه العمل، الأمر الذي يجعل من يتعاون معه لا يقلق لأن وراءه «عمار».

بدورها، تعتبر المطربة نادية مصطفى الموسيقار عمار الشريعي واحداً من أبرز وأهم الموسيقيين الذين أثروا الحياة الغنائية في مصر والعالم العربي بالعديد من أعمالهم الناجحة سواء كان فى مجال التلحين أو الموسيقى التصويرية.

كذلك موهبته الإنسانية فى احتواء من يلتقيه لأول مرة، فإزالة الرهبة من القلوب موهبته الكبرى، وتضيف: هذا أمر كنت محظوظة به من خلال تعاملي معه في كثير من الأعمال الفنية مثل ألبوم «جواباتك»، وكثير من الأغنيات الوطنية.

ومن الأمور التي تحسب للمواهب الكبرى نوع غريب من الغيرة الفنية على التراث الموسيقى والغنائي، وعمار الشريعى واحد من أولئك المهمومين بالموسيقى ورموزها، فنجده حريصاً على ألا يقترب غيره من تراث أم كلثوم، لأنه يعتبر أم كلثوم ملكاً خاصاً له ولا أحد يستطيع أن يتعامل معها بقدسية تستحقها مثله.

وقد أفصح عن سر من أسرار عمل أم كلثوم وهو أنه قد حلم باختيارات وترتيب الأجزاء التى شكلت المقدمة التى أعدها لمسلسل أم كلثوم، وهذا يؤكد أنه لا يصنع الموسيقى بل يحياها.

جامعة إنسانية

أما المطربة المغربية جنّات فقالت: عمار الشريعي أحد أبرز الشخصيات الموسيقية في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، ولقد أسعدني الحظ، وشرفت بالتعاون معه فى تجربة أعتبرها من أهم تجاربي خلال الفترة الفائتة في الأوبريت الذي أعد خصيصًا ضمن فعاليات حفل ختام مهرجان الإعلام العربي في دورته الفائتة.

وعلى الرغم من أن هذه التجربة كانت الأولى التى جمعتني به، وكنت أشعر وقتها بالخوف والقلق من هذا التعاون، فإنه استطاع أن يجعل من الأستوديو والبروفات عالماً عاطفياً يطير فى خفة ظل، وأبوة وتوجيهات مخلصة من القلب، كأننا فى جامعة إنسانية متكاملة، فهو قيمة فنية نادرة، له تاريخه، وأعماله تشهد له بالعبقرية والابتكار.