عمارةٌ تاريخيّة تشعّ سكينةً وإبداعاً ترقى إلى أعلى مستويات الفنون في العصر الإسلامي.. صلةُ وصلٍ تشهد للحضارة العثمانيّة وترسم منازل دمشق واسطنبول القديمتين في حارةٍ قاهريّة تدين بأصالتها للحضارة الفاطميّة. قراءة أعدها «الحواس الخمس» عن رحلة سافر فيها إلى حواري القاهرة القديمة ليطوف بهم في أرجاء معلمٍ تاريخيّ من معالم العمارة الإسلاميّة.
تخطيط المنزل للبيت قسمان، القبلي والبحري، وهو مثال للبيوت العربية التقليدية، إلا أنّه يتّسم بنكهة قاهرّية مميّزة، يُمكن الدخول إليه من خلال الممرّ الذي يؤدي إلى الباحة الأماميّة.حيث تنتشر الأحواض المزُروعة بالنباتات والأشجار وتتوزّع حوله كل غرف الدار المفتوحة. يشبه البيت بتخطيطه البيوت الشاميّة القديمة، فالطابق الأرضيّ فيه مخصّصٌّ للرجال ويسمّى «الزلملك» والطابق العلوي للنساء ويسمى «الحرملك»، لذا فالطابق الأرضي من البيت كله لاستقبال الضيوف من الرجال وليس فيه أي غرف أو قاعات أخرى.
الطابق السفلي
في القسم الأول نجد قاعة واسعة منتظمة الشكل، كانت تستخدم كمجلسٍ للرجال، تنقسم تلك القاعة إلى إيوانين يحصران في الوسط مساحة منخفضة عنهما يطلق عليها «الرقاعة».
وقد رصفت بالرخام الملون. يمتد حول جدران الإيوانين شريط من الكتابة يحتوي على أبيات شعريّة، كما يوجد على سقف القاعة رسومات وزخارف نباتية وهندسية ملونة مصنوعة من الخشب.
للبيت إيوان آخر مفتوح على الباحة الخلفيّة ويتوجه نحو الشمال ليستلم هواء البحر البارد صيفاً، يسمى المقعد وله سقفٌ خشبيّ أيضاً يشبه القاعة، كان المجلس يستخدم في فصل الشتاء، في حين يستخدم المقعد صيفاً.
في القسم البحري مجلس آخر يشبه الأول في التصميم، أي مكوّن من إيوانين ورقاعة إلا أن هذا المجلس أكبر حجماً وبه تفاصيل معمارية أدقّ وأكثر فخامة، وفي وسطه حوض ماءٍ من الرخام المذهّب وبه نافورةٌ على هيئة شمعدان، حيث يشبه بتصميمه الصحن المسقّف.
وفي هذا القسم أيضاً إيوانٌ يعلوه مشربية مصنوعة من خشب العزيزي. سقف هذا الإيوان من الخشب تتوسطه قبة خشبيّة صغيرة بها فتحات ليدخل منها الهواء والضوء تسمى «الشخشيخة»، مزخرفة من الداخل ومغطاةٌ بالجصّ من الخارج.
الطابق العلويّ
يشغل الطابق الأول غرفُ العائلة بشكلٍ أساسيّ، وهي قاعات متعددة تشبه التي في الطابق الأرضي، إلا أن بها شبابيك كثيرة مغطاة بالمشربيات تطل على الصحن وبعضها على الشارع، ولا تتميّز الغرف العلويّة بأيّ شيء باستثناء بعض الغرف المحددة.
جدران إحدى الغرف في الطابق العلوي من القسم البحري مكسوّةٌ بالقيشاني الأزرق المزخرف بزخارف نباتية دقيقة، وفيها أواني طعام مصنوعة من الخزف والسيراميك الملوّن والمزخرف، ومن الواضح أن تلك الغرفة لم تكن تُستخدم لطهي الطعام، وترتبط فيها غرفة صغيرة جدّاً غير مزخرفة تستخدم للخزن.
لم يكن في البيت أسرّة، بل أن العائلة تنام على مرتبات من القطائف المزخرفة أيضاً. في البيت حمام تقليدي عبارة عن غرفة صغيرة مكسوة بالرخام الأبيض، ولها سقف مقبب به كوات مربعة ودائرية مغطاة بالزجاج الملون، في الحمام موقد لتسخين الماء وحوض منحوت من قطعة واحدة من الرخام المزخرف بالإضافة إلى خزان للماء.
الباحات
للبيت باحتان (صحنان)، أماميّة بمثابة حديقة مزروعة يتوسطها ما يسمى بال«تختبوش»، وهو دكّة خشبية زُينت بأشغال من خشب الخرط، وفي هذه الباحة شجرتان زُرعتا عند بناء البيت، وفي الباحة الخلفيّة حوض ماء وساقية للري، وطاحونة تدار بواسطة الحيوانات، حيث كانت هذه الباحة مخصّصّة فقط للخدمة.
تاريخ بناء البيت
يقول المؤرّخون أن بناء البيت تمّ في عام 1058 للهجرة، إلا أن الدكتور أسعد نديم، المهندس المشرف على البيت لدى الحكومة المصرية، يقول إن عمر البيت لا يتجاوز 350 عاما.
حيث كان موقعه عامراً بمبانٍ من العصر الفاطمي، وخلال الحفريات التي قام بها مشروع توثيق وترميم البيت، اكتشف الأخصّائيون أن البناء الحالي يقوم فوق أنقاض وبقايا مبانٍ أقدم منه قد ترجع إلى العصر الفاطمي، حيث كان المكان موقعاً للمذبح.
إعداد ـ علي محيي الدين

