لا جسد بلا ظل إلا الظل نفسه، وهؤلاء الذين يجلسون على مقهى (بعرة) في شارع عماد الدين بوسط القاهرة ما هم إلا ظلال نجوم ساطعة أمام كاميرات السينما أو التلفزيون، ظلال لا يراها ولا يشعر بها أحد، مأساتهم ألاّ نصيب لهم من الضوء على الرغم من معايشتهم التامة لكل الأضواء، على حافة الخطر يعيشون دائمًا، سواء فى العمل أو خارجه.
وتبقى قلوبهم على حافة انتظار اختيارهم في دور صامت، وحبذا لو كان له أن ينطق بكلمة أو كلمتين. عدد هائل من الكومبارس الجالسين على مقهى (بعرة) يتقاضون أجورًا لا تذكر، وغالبيتهم يحلم بمشهد يتقاضى عنه 20 جنيها، أي ما يوازي 3 دولارات، يعيشون كمظاليم على الرغم من أنهم يلقبون ب(ملح الطبخة الفنية)، يعيشون بلا نقابات ولا تأمينات. ويحصل السماسرة الذين يوفرون لهم فرص العمل على نصف ما يتقاضونه من أجور؛ إضافة إلى أنهم قد يعملون يوماً، ثم يمارسون طقوس البطالة لشهر كامل على مقهى (بعرة)؛ أملا في غد قريب يحمل بين جوانحه مشهدا يوقظ الأمل.
يقسم العامل العجوز في مقهى (بعرة) بأغلظ الأيمان وبرؤوس جميع أجداده بأن عددا من مشاهير النجوم كانوا في بداياتهم من رواد المقهى، من بينهم رشدي أباظة، فريد شوقي، توفيق الدقن، عادل إمام، يوسف شعبان، أحمد زكي، محمود حميدة، الشحات مبروك، محمد سعد، هو لا يدعي أنهم كانوا من فئة الكومبارس، لكنهم كانوا كغيرهم ينتظرون حظهم على المقهى، ويعتبرونه محطة تقلهم إلى عالم الشهرة والنجومية.
وهذا ما يؤكده أيضا (سيد الزناتي) ابن صاحب المقهى: بينما تنتشر مكاتب مديرى الإنتاج الفني، وصانعي السينما بوسط القاهرة، وينال النجوم نصيباً موفوراً من الحياة إلا أن (الكومبارس) لا يزالون يسهرون الليالي الطويلة انتظاراً لمن يقدم لهم أي عمل يأخذ بأيديهم إلى الأضواء.
ويوضح أن الكومبارس يقضي ساعات طويلة على المقهى منتظرًا (الريجيسير) صاحب القلب الطيب الذي سيمنحه مشهدًا صغيرًا في أحد المسلسلات أو الأفلام السينمائية حتى لو كان صامتا، فأعظم اللحظات بالنسبة إليهم عندما يشاهدون الريجيسير يأتي لينادي على عدد منهم ليفاضل بينهم حسب مواصفات جسدية وعمرية معينة تتناغم مع طبيعة العمل، فتخفق قلوبهم، وهم ينتظرون أن يقع الاختيار عليهم حتى لا يعودوا إلى منازلهم بعد يوم كامل بلا رزق.
يؤكد (الزناتي) أن القاهرة وحدها تضم ما يزيد على عشرة آلاف (كومبارس) بحسب إحصائيات يرددها الكومبارس أنفسهم، لكنهم لا يجدون جهة رسمية ترعى حقوقهم، وتتولى رعاية من يتعرض إلى أزمات صحية أو مالية، لاسيما أن كثيرا منهم يقضى نحبه أثناء العمل كما حدث لأحد الكومبارس الذي صدمته سيارة أثناء التصوير فقضت عليه.
حسن كفتة
(حسن كفتة) واحد من أشهر الكومبارس في السينما المصرية؛ يعمل في هذه المهنة بلا انقطاع إلا لظروف المرض منذ عام 1948، بدأ حياته في فيلم مع الفنان سعد عبدالوهاب، وكان عمره آنذاك 10 أعوام، ثم عمل مع فريد شوقي في فيلم (جعلوني مجرماً) و(30 يوم في السجن)، وآخر أعماله أفلام (علي سبايسي)، (حريم كريم)، (الساحر)، (أصحاب ولا بيزنس)، لكنه وعلى الرغم مما حققه من شهرة بين أهالي الحي الشعبي الذي يقطنه، فإنه ناقم على الأجور المتدنية التى يحصل عليها الكومبارس.
وتحدث (كفتة) عن الصعوبات التى تواجهه قائلاً: أعمل منذ فترة طويلة وأتعرض إلى إصابات لا حصر لها تضطرني للتوقف عن العمل، فلا أجد من يعوضني أو يساهم في نفقات علاجي، على الرغم من أن إحدى إصاباتي جعلتني أمكث شهورًا عدة في بيتي بلا مصدر رزق.
وعند عودتي رفض الريجيسيرات الاستعانة بي؛ لأننى كنت أعانى بعض الآلام فى ساقي، وبعد أن منَّ الله عليّ بالشفاء عانيت عدم الاهتمام، فالريجيسير يطلب 10 أشخاص فيتدافع إليه 50 كومبارسًا، ما يؤدي إلى افتعال المشاكل وحدوث معارك لا حدود لها، بصفة شبه يومية.
يشير كفتة أيضًا إلى معاناة من نوع آخر وهي ظهور الوسطاء والسماسرة الذين يأكلون حقوق الكومبارس؛ إذ يتفقون على يوميات تبلغ 140 جنيهًا، لكن لا يحصل الكومبارس فعليا سوى على 15 أو 20 جنيهًا فقط، وذلك فى الأفلام والمسلسلات، أما فى الإعلانات، فيحصل الريجيسير على 170 جنيهًا، ويعطى الكومبارس 20 جنيها .
ضرب وبهدلة وإهمال
أما محمد فتحي أحد مشاهير الكومبارس، والذي شارك في عدد كبير من الأفلام تجاوز ال100 فيلم، من بينها (55 إسعاف)، (معالي الوزير)، (الواد محروس بتاع الوزير)، فيرى أن الكومبارس لا يأخذ حقه مطلقًا رغم كثرة الإصابات، خاصة في أفلام (الأكشن)؛ إذ من الممكن أن تقضى بعض المشاهد على الشخص فنياً فى حالة كسر قدمه أو إصابته بأذى في العمود الفقري بسبب مشاهد المعارك والضرب، فيهمله الريجيسير، ويعود كما بدأ خالي الوفاض، وتتشرد أسرته بالتبعية.
ويتذكر محمد حسن عبدالجليل الشهير ب(محمد شبر) أول أجر حصل عليه ك(كومبارس) والذى كان 25 قرشًا مع شادية، وفريد الأطرش، بينما حصل على 50 جنيهًا عن مسلسل (حدائق الشيطان).
وعلى الرغم من مرور السنين فما زال يتقاضى أجرًا ضئيلاً بعد أن دخل المهنة الآلاف، ما قلل من فرصة رفع الأجور؛ لذلك يضطر إلى الرضا بأي مبلغ حتى لا يجلس على المقهى دون عمل، وأحياناً يتدخل الوسطاء التابعون للمنتجين لاختيار كومبارس معين بمواصفات خاصة فتعقد صفقات بينهم وبين الوسطاء تكون سببًا فى إضاعة فرص زملائهم في الحصول على عمل.
وبما أن أعداد الكومبارس أحيانًا تصل إلى أكثر من 100 فرد فى العمل الواحد، فلا يعرفهم النجوم إلا أن بعضهم يسعى إلى التعرف على كبار الممثلين والمخرجين والمنتجين، متمنين أن يكونوا كومبارس متكلمين في بعض المشاهد بحيث لا تزيد كلماتهم على 4 أو 5 كلمات في المشهد الواحد؛ إذ من الممكن بعد ذلك أن تتم الاستعانة بهم في بعض المشاهد الصغيرة.
النقابة ضرورة
وبعد تعرض عدد كبير من الكومبارس لمآس إنسانية، وإصابات متعددة خاصة (الدوبلير)، بدأ عدد كبير منهم يطالبون الفنان أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، بضرورة انضمامهم إلى النقابة أسوة بباقي شعبها مثل الديكور والمكياج؛ نظرًا لحاجتهم الشديدة لخدمات النقابة وبخاصة التأمينات.
وهذا ما يؤكده إبراهيم عمران، أحد المطالبين بإنشاء الشعبة، بعد أن لاحظ أن أوضاعهم تدهورت بدرجة كبيرة، فهم يعملون أيامًا معدودة في العام، وأحوالهم تسوء بقيته.
ويحلمون بتحسين أوضاعهم ومراعاة ظروفهم، خاصة أن عددهم يزيد على 15 ألف كومبارس يهددون بالإضراب إذا لم تستجب النقابة لمطالبهم، ما يؤدي إلى تدهور صناعة السينما، نظرًا لأهمية عنصر المجاميع في عدد كبير من الأفلام والمسلسلات أيضًا.
لكن أشرف زكي - بدوره - يرد بأنه من الأفضل أن يكونوا تابعين لوزارة القوى العاملة، إلا أنهم رفضوا ذلك تمامًا على الرغم من أن عضوية النقابة لها شروطها ولا تنطبق عليهم، فعرض عليهم إنشاء رابطة، وتحدث مع وزيرة القوى العاملة بهذا الشأن؛ لأن انضمامهم للنقابة أمر غير ممكن، أما مسألة إنشاء نقابة خاصة بهم فيحتاج إلى موافقة برلمانية من مجلس الشعب.
سابقة لم تحدث
وعلى غير العادة، فوجئت فايزة عبدالجواد، أشهر كومبارس في مصر، بأن مهرجان الإسكندرية السينمائى قام بتكريمها كنوع من الاعتذار عن التجاهل، وهي التي تؤدي أدوارًا ثانوية، لكنها لاتزال تعد تحت فئة كومبارس على الرغم من قيامها بأدوار الشر والفتونة والمعارك والمسجونات.
ومنذ بداية فايزة في فيلم (تمر حنة) لم يخطر ببال جهاز السينما، وزعماء المهرجانات أن يلقوا نظرة إلى تاريخها الفني، وهي التي عملت فيه مع نعيمة عاكف، ورشدي أباظة، بأجر مالي قدره 75 قرشًا، ووصل حاليًا إلى 50 جنيهًا؛ إذ ترى أن هذا المبلغ حاليًا لا يوازي مشقة السفر إلى 6 أكتوبر قبل جميع طاقم العمل والمغادرة بعدهم.
صف ثالث
بينما يرفض صبحي سعيد الذي يعمل منذ 15 عامًا إطلاق اسم (كومبارس) عليه وزملائه قائلاً: إننا نصنّف كممثلي صف ثالث، وقد سمعت هذا التصنيف من مخرج عالمي كان يصور بمصر، أكد لي أن دورنا لا يقل أهمية عن دور نجوم الصفين الأول والثاني، مشيراً إلى أن أكبر أزماتهم تتمثل في ابتزاز المكاتب الفنية ومتعهدي التعاقدات الذين يطلق عليهم (ريجيسيرات).
ويؤكد سيد بيومي - كومبارس 52 عامًا- أن الأمر تحول إلى ما يشبه تجارة العبيد من قبل المكاتب الفنية، التي تستغل حاجة الكومبارس إلى المال نظراً للحالة الاقتصادية التي يعانون منها، فيضطرون إلى القبول والاستمرار في المهنة تحت وطأة هذه الظروف المهينة.
القاهرة - دار الإعلام العربية

