ينسى أكرم خان العالم، وهو يحلق على المسرح برقصه الأدائي، ليظهر وحيدا إلا من مهاراته، وتمكنه من حركاته التي جعلته أحد الأسماء المعروفة على مستوى العالم.(ظاهرة في مشهد الرقص اسمها أكرم خان) إنها إحدى الإشادات بمكانة خان الذي يأخذه الرقص بعيدا إلى عوالم من الصوفية، خاليا من كل مشاهد الحضارة، ليبرز أن الجسد فقط هو المتجدد في أدائه.

خصوصا عندما يمزجه بشيء كبير من روحه التي تجلت في أكثر من عرض مثل (باهوك) و(الغنوص) أي (المعرفة الروحية)، والتي يعكس فيها (فلسفة أن ترى الظلام وعيناك كفيفتان عن النور).ليبقى خان في المحصلة راقصا يجمع مزيجا، من الثقافات التي شكلت مع الزمن اتجاهه الخاص وحققت له شهرة عالمية واسعة.

خان الذي، عقد لقاء مفتوحا في مسرح أبوظبي الثلاثاء الماضي نظمه المجلس الثقافي البريطاني وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، سيقدم عرضا جديدا في أبوظبي يومي الخميس والجمعة المقبلين.

جذورك البنغالية، وتأثرك بالصوفية، والعيش في مجتمع غربي، كيف استطعت ترجمة كل هذا إلى رقص؟***أعتقد أن الجسد لديه الاستعداد للتفاعل مع كل هذه الأمور، بعض الناس مستعدون لتطويرها، وآخرون قد يخافون من فعل هذا، مثل بقية المعتقدات والمفاهيم في العالم، فالعبادات تتحدد بكل ما يشير إلى الله.

عبر حالات روحانية، ليس لها قالب معين، بل هي ما تؤمن به، وتخشاه في الوقت ذاته، ومن هنا اخترت (الكاثاك)، وهي رقصة تجمع بين الفن الهندي والإسلامي.

رقصة الشعر .

هل تعتقد أن هذه الأسباب مجتمعة هي التي أدت إلى تميزك وشهرتك؟***في الواقع لا أعرف السبب مباشرة، لكني أعرف أن أمي كانت تحكي لي أننا جميعا شئ واحد، ومتنوع في الوقت ذاته، لكن في النهاية نعرف أننا سنفتقد شيئا ما، ومن هنا كان علي أن أعرف تماما كلمة الخوف.خصوصا أننا جميعا نمتلك الشعور نفسه، ولكن كل منا يعبر عنه بطريقة مختلفة، ومن هنا أعتبر أن أمي مدرستي في الحياة، فالطريق مع الفن سار في إطار تعاليمها، إضافة إلى تأثري بالشعر (اللومي)، الذي جعلني شاعرا أترجم الشعر رقصا على المسرح.

قلت في مؤتمر صحافي أقيم قبل عرض (آي- إن) في أبوظبي في العام 2009 إن الجسد يشبه الإسفنج كلما تضغط عليه تتحكم فيه، هل هذه الفلسفة تطلبت منك الجهد الكثير للوصول إلى ما ترغب إليه في الرقص الإيحائي؟

نعم بواسطة أشياء كثيرة تحكمت بجسدي منها الصبر، النظام، والرغبة، فالأمر يتعلق إلى أي مدى أدفع نفسي في مسار ما، وهذا الشيء تعلمته من والدتي، ومن المنتج فاروق شودهري، كما أسهم تفاعل الناس في التحسين من أدائي، ومستواي.

إضافة إلى قناعتي أن الحياة هي مرة واحدة، لماذا لا أفعل بها الكثير، علما أن هناك من يقول لي لماذا لا تستمع بوقتك، من السهل أن يستمتع الإنسان بوقته، ويجلس ويدعي أنه سعيد، لكني لست منهم فأنا لا أميل إلى الاستراحات والإجازات.

ماذا عن الرقص في يومياتك كم ساعة تتدرب؟

في المنزل أرقص ساعة ونصف الساعة، ومن ثم أذهب إلى الاستديو وقد تصل ساعات تدريبي هناك إلى عشر ساعات يوميا.

قلت أيضا (إن الجسد لا يكذب) فماذا تقصد بالضبط من هذه العبارة؟

على المسرح تحديدا لا يمكن للجسد أن يكذب، إن ما أعنيه أننا أحيانا نتحايل على الكلمات، وقد نخفي نياتنا الحقيقة، ولكن بالنسبة للجسد فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك، إن فعل لابد أن تكشفه طبيعة الحركات، مثلا إن احتضن شخص شخصا آخر، من خلال النظر إليهما لابد أن توحي طريقة هذه الحركة بالحب أو الكراهية أو غير ذلك.

قدمت عرضا مشتركا مع الممثلة الفرنسية جوليت بينوش، فهل هناك مشاريع مستقبلية معها أو مع إحدى الفنانات وما هي هذه المشاريع؟

ليس لدي مثل هذه المشاريع في الوقت الراهن، مع أي أحد من الفنانات.

الطريق العمودي

أقمت مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث شراكة لمدة ثلاث سنوات ربما أولها العرض الضخم (طريق عمودي)، وهو مستوحى من العالم العربي، هل طبيعة هذه الشراكة هي التي أوحت بهكذا عرض، وما خططك المستقبلية مع الهيئة؟

يمثل (الطريق العمودي) علامة فارقة بيني وبين الهيئة، وسيتم تقديم هذا العمل في أكتوبر من العام الجاري، على مسرح (سارلرز ويلز) في لندن قبل الشروع في جولة عالمية لأميركا.

وأوروبا والهند، وآسيا، ويعتبر العمل من أحدث الأعمال في مجال الرقص المعاصر، فهو محاولة لاكتشاف الروابط بين الثقافات وحقول المعرفة الخلاقة بين الشعوب، وسأجمع في هذا العمل، حشدا من المؤدين والفنانين من آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، على اختلاف أعمارهم، وتخصصاتهم وخلفياتهم.

استضافت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث عرضك (الغنوص)، ويعني المعرفة الروحية، ما محتوى هذا العرض؟

إنه أحدث الأعمال المنفردة أعود من خلالها إلى جذوري بالرقص الكلاسيكي الهندي بوحي من (ماهابهاراتا) قصة الملكة غاندري، التي تعصب عينيها طلية حياتها لكي تتبع زوجها الضرير.

تستكشف (الغنوص) مفهوم المعرفة الداخلية والرؤية المحجوبة أي أن ترى الظلام وعيناك كفيفتان عن النور، وفي (الغنوص) حركات رقص إضافية من تصميم غوري شارما تريباثي ورسي براتاب باوار.

ويصاحبنا موسيقيون عالميون من الهند، واليابان، وبريطانيا، بما فيهم ضابط إيقاعات الكودو الشهير يوشي ساناتا.

مدرسك بالرقص كان هنديا هل تجاوزت مدرسته، وهل تعتبر نفسك الآن أنك تمتلك طريقتك الخاصة بك؟

أتأمل أن أصل لمستوى أستاذي، فأنا لا أمتلك شعورا بتجاوزه، لاتزال تنقصني الحكمة، بينما هو يمتلكها، للآسف أرى في عصر الحضارة الراهن، أن الجيل الكبير يصبح منسيا، وهذا مثار للحزن، خصوصا أن بعض الحكومات تساند الشباب فقط دون أن تراعي ما حققه كبار السن.

ألفة

أجد ألفتي بالرقص، وأحاول في كل بلد أذهب إليها أن أفهم الفن فيها، من أعمالها الفنية والسينمائية، بل حتى يعرف الإنسان بلدا ما، عليه أن يفهم فنها، فالتغير الذي أراه في البلدان يشمل كل الجوانب، فأنا مبهور جدا بالإيقاعات والألوان والاستعراضات والطقوس التي تقوم بها الشعوب.

إحساس

أستمع إلى كل شيء، من دون تحديد، مثلا يعجبني أعمال المخرج الإيراني الشهير كوستابي، وتبهرني أعمال الكثير من الفنانين الذين يمتلكون الكثير من الحساسية أو الإحساس بالبيئة المحيطة بهم.

وقدرتهم على تحويلها إلى عمل فيه الكثير من الرهبة على المسرح، أو من خلال لوحة فنية، أو موسيقى، وكل هذا يساعدني في أن أرى نفسي مجددا، وكل التيارات والأنواع لها أهميتها عندي.

عرض

قدم خان أول عرض له في أبوظبي على مسرح قصر الإمارات في العام 2009 بمشاركة الممثلة الفائزة بجائزة الأوسكار جوليت بينوش التي جاءت شهرتها العالمية في العام 1988 عندما أدت دور (تيريزا) في فيلم (خفة الكائن التي لا تحتمل) وعبر (آي-إن) تكتشف الشابة شريكها صدفة عندما كانت تحضر عرضا سينمائيا، ومن ثم تعيش معه وسط خلافات تنتهي أخيرا بالصلح.

حوار- عبير يونس