اختفى من الوجود «طائر الدودو»، «ذئب تسمانيا»، «الماموث»، «الكهوف»، «الديناصورات»، «العصر الطباشيري»، «اللغة الأكادية»..
كل شيء يمارس الانقراض كما يمارس الحياة.. وبما أنني كنت ممن يعيش، فأنا مُعرّض إلى اللحاق بمن سبقوني في الغياب.. أنا «المونولوج» ولدت في نطاق المسرحيات، مملكة المضحكات، شعبة السخرية، أعيش على عيوب الزمن، تصنعني عين لماحة، ويراقصني في الهواء قلب خفيف الظل، وأحيانًا يفتح عينيه بقوة على كوابيس تقلقه.. أجدادي في زمنكم «إسماعيل يس، محمود شكوكو، حسن فايق، سيد سليمان، أحمد غانم، ثريا حلمي، عمر الجيزاوي، سيد الملاح، أحمد الحداد».. أما الأبناء والأحفاد فمنهم «حمادة سلطان، فيصل خورشيد، عادل الفار، عزب شو».. أما تاريخ نسياني فتعرفوا إليه على لسان أبنائي والمتابعين لسيرتي..
يبدأ «المونولوجست» حمادة سلطان حديثه عن «المونولوج»؛ قائلا: تعرفت إلى هذا الفن على يد إسماعيل يس، شكوكو، ثلاثي أضواء المسرح، وغيرهم، وهذا النوع الفكاهي من الأداء لم يقتصر على «المنولوجستات» المعروفين في الزمن الفائت، بل امتد إلى غيرهم مثل كوكب الشرق «أم كلثوم»، والتي غنت مونولوج «يا ليالي الهنا»، و«عبدالحليم حافظ» من خلال مونولوج «الدنيا ويَّانا» الذي قدمه في بداية ظهوره.. لكن ما يحدث اليوم هو اختلاط الحابل بالنابل في سوق الغناء والطرب، الكل يغني، ولا أحد يعرف هل هذا غناء طربي أم مونولوج مثل أغنيات «قوم أقف وأنت بتكلمني»، «هي ناقصاك أنت كمان»، والتي لم تترك للمونولوج شيئًا ليقدمه، فاختفى الفن الساخر الذي يضع يده على سلبيات المجتمع، ويحاول وأدها بطريقة فكاهية وساخرة.
مأساة المونولوج... يشير سلطان إلى أن مأساة المونولوج لم تقف عند حد أغنيات الإسفاف والابتذال والاختلاط، بل تعدتها إلى النكتة المباشرة التي يلقيها «المونولوجست» أمام الجمهور مباشرة بعد أن تحولت أفلام المضحكين إلى فواصل من النكات الساذجة والمكررة التي لا يصدقها أحد، كما أن معظم أفلام هؤلاء «الكوميديانات» الجدد استبدلت فن المونولوج المسرحي بفقرة تقليد مطربين وممثلين يتم إعدادها لتخاطب جمهور الشباب في الصيف، وتقدم لهم الحلم الخادع في تخطي كل الإحباطات المجتمعية، بالقفز على كل شيء للوصول فجأة إلى النجاح السهل من خلال قصة صعود أحد أفراد الطبقة الكادحة إلى عالم «البيزنس»، وهذا العصر رفض احتضان مواهب جيل الوسط من أبناء المونولوج، فلم يعد لهم مكان أمام الفيديو كليب، والمسرح التجاري، ومسلسلات «الست كوم»؛ لأن الكل يقدم المونولوج الخفيف بطرق مختلفة.
قلة كُتَّاب
بينما يشير «عزب شو» إلى اختفاء فن المونولوج بعد سنوات عديدة من الازدهار مع «إسماعيل ياسين، ثريا حلمي، شكوكو».. مرجعًا ذلك إلى عدة أسباب؛ منها: إن المهنة أصبحت صعبة للغاية، فهي تحتاج إلى مواصفات معينة للمونولوجست يمارس بها المونولوج، كما أن البعض يفضل تقديم الأغنيات على المونولوج؛ لأنها تحقق الشهرة والربح، خاصة إذا كان صوته متميزًا..
وعلى الرغم من ذلك يشير إلى أن المونولوجست حالياً استطاع أن يطور نفسه بالاطلاع على الموسوعات العالمية، ويقرأ لكثير من ظرفاء العالم، ينتخب منها ما يروقه من فكاهات، ويفتعل النكتة من خلال الموقف أو الحدث، إلا أن قلة كُتَّاب هذا النوع من الفن سبب رئيسي في طي صفحته.
من جانبه، يؤكد فيصل خورشيد إلى أن المونولوجست ناقد اجتماعي مظلوم؛ لأن مهنة النقد بشكل عام صار يمارسها كل من هو غريب عنها؛ لذا فقدت قيمتها حتى صار لدينا ملايين النقاد لملايين الجماهير، وإذا زاد الكم بلا فائدة، قلت القيمة وضعف العائد من ورائها.
أما عادل الفار فكان له رأي آخر عبر عنه؛ قائلا: لم ينقرض المونولوج من حياتنا، بل تطور في الشكل، ووصل إلى قمة ازدهاره، وحين نرجع إلى عهد المونولوج الأصيل لوجدنا «شكوكو» و«إسماعيل يس» قد مارسا المونولوج على طريقتهما، وقدم «أمين الهنيدي» تقليدًا للفنانين.
لكن التقليد ينتهي بسرعة، فالجمهور يضحك على الشكل، أما التهريج فهو نوع من أنواع السيرك؛ غير أن الفار يلقي باللوم على الإعلام لتجاهله فن المونولوج.. مؤكدًا أن الإعلام يكرس للأغنية فقط، ويتجاهل المونولوج تمامًا، وكأنه ليس من الفنون، رغم أن البرامج الإذاعية كانت دائمًا تقدمه بجوار الأغنيات.
ويشير إلى أن البعض قد يتهمون اللهجة بأنها المسؤولة عن عدم انتشار المونولوج عربيًا، إلا أنه يؤكد أنها ليست عائقًا، بل يمكن التغلب على مسألة اللهجة بسهولة بمصطلحات من لهجات الأقطار العربية الأخرى، كما أن اللهجة المصرية قريبة من عقل المواطن العربي بشكل عام.
مثل الزبادي
إلى ذلك، يؤكد وائل علاء أن النكتة مثل «الزبادي» سرعان ما تفسد، وتنتهي صلاحيتها، كذلك المونولوجست التقليدي لم يعد له مكان الآن، فقد كان الناس في الماضي تنتظر «أحمد الحداد» ليضحكهم بنكات «الصعايدة» وبمدمنات الثرثرة.
أما الآن بإمكان أي شخص أن يجلس أمام الإنترنت لربع ساعة يطلع فيها على أحدث النكات التي تصبح قديمة بعد أيام، وبالتالي لا يمكن لأي مونولوجست أن يواكب تلك السرعة، لكن عليه أن يطوّر من أدواته، ويعتمد على كوميديا الموقف.
ويضيف: «لقد اخترت الإعلانات لتقديم الضحكة في موقف درامي، فقدمت سلسلة إعلانات لإحدى القنوات أؤدي فيها دور سائق تاكسي يتعرض لمواقف كوميدية مع الركاب يتم في أحدها مثلا إجباره على خلع ملابسه، وتعليقه على شجرة خارج العمران عقابًا له على ثرثرته.. وكذلك تقمصت دور مشجع كرة متعصب في إعلان آخر عن مشروبات، وحركت أقدامي وأمسكت بحذائي بطريق عصبية مضحكة».
بدورها، تؤكد رانيا رفعت صاحبة فرقة الفرس الجامح لفن المنولوج أن هذا الفن الذي ارتبط بالسخرية، يسعى من خلاله المؤدي إلى متابعة السلبيات واختيار وسيلة وأسلوب يبتعدان عن الوعظ المباشر الذي يستفز منه الجمهور، ويعتبره وسيلة فاشلة لتوصيل الفكرة أو النقد.. موضحة أن صعوبة المونولوج تكمن في أنه يعتمد في الأساس على الموهبة التمثيلية.
وليس على الطرب؛ فالأداء الحركي والتمثيلي والقبول على المسرح هي المقياس الأساسي، فعلى سبيل المثال فرقة «الفرس الجامح» لفن المونولوج قامت بتأليف العديد من المونولوجات التي ترتبط بالعديد من مشاكل المواطن البسيط في معاناته اليومية، إذ عبر عنها الفريق في مونولوج بعنوان «عايز أعدي»..
مشيرة إلى أنه يجب أن تهتم الدولة بالمونولوج المسرحي وتضعه في مقدمة اهتماماتها مثل السينما والمسرح والأغاني والدراما، وألا تجعله يتلاشى في الفضاء دون قيمة حتى لا تصاب شخصيات كبرى مثل «شكوكو» و«إسماعيل يس» بعطب النسيان.
عتبة الانقراض
إلى ذلك، يؤكد الناقد الفني طارق الشناوي أن هذا الفن أصبح على «عتبة الانقراض» كما «ذئب تسمانيا ، الديناصورات»، وغيرها بعد أن تناقض مريدوه وفنانوه، وغرق بعضهم في التقليد، وانساق البعض الآخر إلى العمل كمقدمي برامج، وهجروا هذا الفن الذي كان يحظى بشعبية ضخمة سواء في السينما أم على خشبة المسرح..
مشيراً إلى أن ما يحدث لهذا الفن نلمسه في الواقع في فيلم «الفرح» في شخصية «صلاح وردة» التي أداها الفنان «صلاح عبدالله»، إذ لم يعد «المونولوجست» يطلبه أحد، ولا حتى في الأفراح، بعد أن كان الوجبة الدائمة على موائدها، بالرغم من أن هذا الفن بدأ نجوم كبار حياتهم بأدائه، منهم نجيب الريحاني، حسن فايق، ومازالت الإذاعة المصرية تحتفظ لديها بمونولوج سجله «حسن فايق» في الثلاثينيات يناقش مشكلة انتشار مخدر «الكوكايين» بمصر في تلك الفترة، ويقول مطلعه: «شم الكوكايين خلاني مسكين»..
وقد رحبت السينما بنجوم المونولوج وعلى رأسهم إسماعيل يس، ولم تتوقف عن الاستعانة بنجوم مثل «محمود شكوكو وأحمد الحداد»، لكن تضاءل وجودهم بشدة في السنوات العشرين الأخيرة.



