«من إحدى أفضليات الإنسان على الحيوانات الأدنى منه أنه المخلوق الأكثر تقليدا في الكون»؛ مقولة أرسطو السابقة تؤكد أن التقليد حالة طبيعية عند الإنسان، وهي صيغة من صيغ التعلم وتطوير المهارات، لكن ظاهرة التقليد أصبحت تتجاوز موضوع التعلم لتكون طريقة حياة لبعض الشباب الذين لم يستطيعوا أن يجدوا تميزهم وتفردهم فصاروا يتبعون ويقلدون غيرهم، كما أن التقليد دخل مجالات الحياة المختلفة مثل الفن والصناعة ومجال الأزياء.

ومن الطبيعي أن يبدأ التقليد منذ مراحل الطفولة المبكرة؛ فالطفل يقلد الكبار والمحيط به بشكل كبير، وكلنا يمكن أن نلاحظ الأطفال وطرق تقليدهم الطريفة، حيث تروي الأمهات طرائف عن هذا التقليد، حيث تقول فرجينيا نينوس: فاجأني ابني الصغير ذو الأعوام الخمسة، وهو يلعب مع صديقته بأنهما يلعبان دور الأم والأب مع دميته التي نضعها في العربة، فهما يمشيان معا وكأنهما والدان في مركز تسوق، وهو يحمل عنها الطفل الدمية ويناقشها بضرورة إرضاعها، وهي تقول له يجب أن نشتري له ملابس جديدة، وهكذا يقضون وقت لعبهم بتقليد الكبار، وهو أمر طبيعي عند الأطفال، لكن ما ادهشني حقا هو دقة تقليدهم لتفاصيل كثيرة تخص الأبوين لم أتوقع أن ينتبه اليها الأطفال.

وتشير سماح أحمد إلى أن طفلتها الوحيدة تفاجئها كل يوم بطلبات غريبة؛ فهي تقلد صديقاتها في المدرسة، وصارت تتحدث بلهجات متعددة، فضلا عن أنها ترغب في أن تكون مثل فلة واعلاناتها في التلفزيون، حتى أفكر أحيانا كيف ستكون تلك الطفلة حين تكبر وهي تقلد الجميع من حولها؟. ومن الناحية النفسية يرى الدكتور ريموند حمدان أن التقليد عند الأطفال حالة صحية، شرط ألا يستمر حتى مراحل متأخرة، لأن الطفل يحاول أن يقلد الأشخاص الذين يعجبونه أو يجدهم محبوبين وناجحين ليكون مثلهم ويحصل على ما يحصلون عليه، وهو بهذا يكتسب المعارف والسلوك المناسب بتجربة تكراره من الآخرين، والتقليد يعني تفاعل الطفل مع مجتمعه وتأثره بمحيطه.

ويجب أن تنتبه الأسرة وخصوصا الوالدين إلى أن الطفل يرى فيهما النموذج الأول للتقليد لذا لابد لهذا النموذج أن يقدم صورة تربوية صحيحة ومتوازنة ترتكز عليها شخصية الطفل وتقلدها، فالطفل خلال تلك التجارب يبحث في الوقت ذاته عما يناسبه ويجعله أكثر شعورا بالانسجام مع نفسه، وهو يبحث عن طريقة يلفت الانظار اليه ويعبر عن نفسه، حيث يستمر التقليد عند بعض الاطفال إلى سن المراهقة ويبدأون حينها تقليد الشخصيات العامة والمشهورة من الفنانين وغيرهم. لكنهم بالنتيجة يجب أن يكفوا عن التقليد ويتخذوا قرارا في ما يجب أن يكونوا عليه، وفي تلك المرحلة يكون الطفل قد شكل قناعاته الخاصة واستطاع أن يكون ما هو عليه أصلا، لأن التقليد بعد مرحلة المراهقة يعني عدم وجود ثقة بالنفس، وأن هناك خللا في القناعات وطريقة التعبير عنها، فالمقلدون يخافون من اظهار شخصياتهم الحقيقية، لذا يختبئون خلف شخصيات أخرى يرونها ناجحة فيحاولون تقليدها والمثل بها.

دبي- دلال جويد