قلة من أعمال دراما السير الذاتية حققت نجاحاً وقبولاً طيباً لدى الجمهور، بينما فشلت الغالبية لافتقادها المصداقية، والركون إلى الافتعال والتسطيح وبعض رتوش التجميل التي ربما نجحت في إيجاد تقارب شكلي.
وفشلت تماماً في التقارب الوجداني، وبعد النجاح المتواضع لهذه النوعية من المسلسلات خلال الأعوام الأخيرة توقعنا أن يتراجع إقبال المنتجين والفنانين عليها حتى لا يشوه تاريخ هذه الشخصيات من جانب، ولمنع نزيف الخسائر المادية من جانب آخر، لكن على الرغم من ذلك فوجئنا بالإعلان عن أن هناك 16 مسلسلا على الأقل عن سير شخصيات تتنافس على استقطاب المشاهدين في دراما رمضان المقبلة، تتناول شخصيات بارزة مثل د.مصطفى محمود، د.مصطفى مشرفة، الملكة نازلي، بيرم التونسي، بليغ حمدي، منيرة المهدية، همّام آخر ملوك الصعيد، روز اليوسف، كليوباترا، عمر المختار، فريد شوقي، تحية كاريوكا، إحسان عبدالقدوس، محمد فوزي، رشدي أباظة، محمد علي.. ما يجعلنا نتوه بين حسابات الربح والفن منزوع الدسم والقيمة.. إلى التفاصيل.
الفنان مجدي كامل الذي يطمح إلى تجسيد شخصية المناضل الليبي الراحل (عمر المختار) يقول: لكل فنان أحلامه وطموحاته في الأدوار التي يحب أن يقدمها، ولديّ رغبة كبيرة في تقديم مسلسلات عن شخصيات مؤثرة في التاريخ مثل شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر التي سبق أن قدمتها قبل عامين؛ لأنه شخصية تاريخية أسهمت في تغيير شكل الحياة في البلاد العربية. وهدفي تعريف الأجيال الجديدة بتاريخنا الثري من خلال هذه الأعمال، وهو ما أريد تحقيقه من خلال تجسيد حياة الزعيم الليبي (عمر المختار) الذي واجه الاحتلال الإيطالي لبلاده، فأنا لا تشغلني حسابات الربح والخسارة، إنما القيمة الدرامية والإنسانية التي يقدمها العمل.
وأشار إلى أن الجمهور ملّ مشاهدة المسلسلات التي تحكي قصص الحب والزواج والطلاق والمرض، وأصبح في حاجة إلى نوعية من المسلسلات تظهر الجانب السلبي والإيجابي للشخصية الشهيرة، وعدم الاكتفاء بالجانب الإيجابي فقط. وذلك كما حدث في مسلسل عبد الناصر، الذي اعترف بأخطائه على الرغم من أنه زعيم، وهذا لم يحدث في مسلسل (الملك فاروق) وغيره من المسلسلات التي تتناول الجانب الإيجابي فقط، لذلك تثير الكثير من الانتقادات مهما حققت من نجاح.
تفاصيل الشخصية
أما النجمة صابرين التي تفوقت على نفسها في تجسيد حياة كوكب الشرق (أم كلثوم) فترى أن تفاصيل السيرة الذاتية مرهقة للغاية وتعد مهمة خاصة. وتضيف: في مسلسل أم كلثوم اكتسبت خبرة كبيرة من خلال المعلومات التي جمعتها عن حياة هذه السيدة التي وصلت إلى القمة من قاع المجتمع، وتعايشت مع عالم الشخصيات العامة والمؤثرة وتحدثت بمفرداتها ولغتها.
وقد تمكنت من خلال اطلاعي الواسع عن الراحلة تقديم شخصية حقيقية وليست هامشية، وحرصت على أن أسيطر على الملل نظرا إلى امتداد فترة التصوير عاما كاملا حتى وصلنا بجهد شاق إلى النهاية التي يرضى عنها الجمهور العربي الذي يعشق هذه السيدة، ويعرف عنها الكثير.
مشيرة إلى تأخرها في خوض التجربة الثانية في عالم الشخصيات بمسلسل (الشيماء) جاء بسبب احتياج العمل إلى ميزانية ضخمة ليظهر بالصورة التي ترضى عنها، خصوصا في ظل وجود فيلم شهير عن الشخصية ذاتها رصدت له ميزانية ضخمة وقتها، ولايزال يعرض ويحقق النجاح مع الأجيال كافة.
مجهود جبار
إلى ذلك، أكدت المخرجة إنعام محمد علي أن دراما السير الذاتية تحتاج إلى مجهود جبار لجمع معلومات من مختلف الجوانب عن الشخصية مثل شخصية العالم الراحل (مصطفى مشرفة) الذي احتاج مؤلفه إلى مراجع تاريخية وعلمية لا حصر لها، بالإضافة إلى المراجعة الأسرية، وذلك عكس الدراما الاجتماعية التي تحمل فضائح وأسرارا تحظى بتسويق جيد للغاية.
في حين أن الأعمال التي تتناول موضوعات ومعلومات قيمة عن شخصيات أثرت في وجدان الناس لا تحظى بالانتشار والتسويق؛ مع أنني أسعى إلى معالجة قضايا المجتمع باستخدام نموذج شخصية حقيقية من الماضي.
فمسلسل (مصطفى مشرفة) الذي يتم تصويره حاليا يتناول موضوع البحث العلمي في مصر من خلال حياة عالم الذرة المصري الراحل، التي بدأت في عشرينيات القرن الفائت، واشترك في أبحاث خطيرة عدة كادت تغير مصير العالم العربي لولا التدخل من اللوبي الصهيوني، كما يطرح العمل تساؤلات عدة عن موقعنا في مجال البحث العلمي ونظرتنا إلى العلم والعلماء.
وأرجعت المخرجة سبب فشل كثير من أعمال سير الشخصيات إلى عدم التحضير الجيد لها، مؤكدة أن هذه النوعية من الأعمال تحتاج إلى وقت طويل للتحضير، لكن السباق على موسم العرض الرمضاني لا يترك للمنتجين فرصة لتحضير جيد؛ لذا ظهرت معظم أعمال السير الذاتية بشكل مسيء للقائمين عليها وللشخصية التي تتناولها، وبدلا من إعادتها للحياة، وتذكير الناس بها فإن هذه الشخصيات تتأثر سلبا من خلال العمل الدرامي غير المدروس.
كما أن صراع منفذي هذه الأعمال مع ورثة الشخصيات المقدمة يؤثر على درجة التركيز، وكم من المسلسلات مثل (قلبي دليلي)، (أسمهان)، (العندليب)، تهددها الفشل بسبب خلافات القائمين عليها مع ورثة هؤلاء الراحلين.
تصحيح
ويصحح المنتج إسماعيل كتكت الخلط بين مفهوم دراما السيرة الذاتية ودراما الشخصيات، موضحا أنه لا يوجد شيء اسمه مسلسلات السير الذاتية، إنما مسلسلات سير شخصية، لأن السيرة الذاتية هي التي يكتبها صاحبها فقط، وليس لدينا مسلسل عن فنان كتب قصته بنفسه قبل رحيله، لكن ما يحدث حاليا هو تقديم أعمال لحياة شخصيات يكتبها مؤلف من خلال معلومات حقيقية وليس من خياله.
ونفى كتكت ما تردد عن إنتاجه مسلسل (روز اليوسف)، مشيرا إلى أنه يقوم بدراسة بعض السيناريوهات المعروضة عليه حاليا ليختار منها طبقا لمعايير الشخصية ومدى تأثيرها، وإعجاب الجمهور بها.
الكل يلهث
بدوره، أكد الناقد طارق الشناوي أن الكل يلهث وراء الشخصيات التي تحمل ثنايا تجربتها الحياتية قيمة يمكن تناولها في مسلسل، وتتمتع بقدر من الشهرة يمكنها من حشد الجمهور لمشاهدة هذا العمل، إذ أرجع نجاح (أم كلثوم)، (أسمهان)، (الملك فاروق) إلى ارتباط الجمهور بهذه الشخصيات، وليس بسبب أداء النجوم.
أضاف أن بعض هذه الأعمال شوهت الحقائق، وحقرت من الرموز التي تناولتها، والتي رسم لها الجمهور صورا نقية في خياله، فإذا بها تتحول في معظم هذه الأعمال إلى شياطين كما حدث في (السيندريلا)، التي قامت ببطولته منى زكي، و(أسمهان) على طريقة سولاف فواخرجي.
بينما بالغت بعض الأعمال في تقديس الشخصيات التي تتناولها وأظهرتهم كملائكة منزهين عن الأخطاء، وربما تقديم تاريخ مغاير للحقائق المعروفة مثلما حدث في مسلسل (الملك فاروق) الذي أظهر شخصية ملك مصر الراحل في صورة ملائكية دفعت المشاهدين حاليا إلى الترحم على زمن الملكية وتمنيهم عودتها، بينما فشل نوع آخر لأسباب عديدة أخرى، منها الاعتماد على المحاكاة الشكلية للنجم.
كما حدث في (أبوضحكة جنان) والابتعاد عن روح الشخصية من الداخل، أيضا ضعف الدعاية، وبث العمل في أوقات غير مناسبة لا تتمتع بنسبة مشاهدة عالية، وهو ما حدث في عدد من المسلسلات منها: (فارس الرومانسية) الذي تناول السيرة الذاتية للأديب الكبير يوسف السباعي، وقام ببطولته الفنان محمد رياض، وكذلك (قاسم أمين) الذي قام ببطولته الفنان كمال أبورية، أما النوع الأخير فهو الذي أخفق في الأداء.
وجاء أداؤه ضعيفا للغاية، وجاءت الشخصية بعيدة كل البعد عن الحقيقة سواء في الشكل أو الروح أو إبراز السمات والحركات التي كانت تصدر عنها، وهو ما لمسه الجمهور عندما شاهد مسلسل (قلبي دليلي) الذي تناول مسيرة العملاقة ليلى مراد وقامت ببطولته السورية صفاء سلطان التي كانت بعيدة كل البعد عن روح ليلى مراد.
ضمان التوزيع
بينما يرى الناقد الفني سمير الجمل أن دراما الشخصيات الشهيرة لا تهدف في حقيقتها إلى تقديم صورة واقعية عن هذه الشخصيات ولا عن دورها الوطني في المجال الذي تميزت فيه، إنما تهدف إلى جني الأرباح التي تحققها الأعمال التي ترصد حياة المشاهير فأصبح الاعتماد حاليا على اسم الشخصية الشهيرة لضمان التوزيع دون إعطائها حقها في البحث والاطلاع.
خصوصا فيما يتعلق بشخصيات رحلت عن عالمنا، ولا تملك حق الدفاع عن نفسها أمام المشاهدين؛ لذلك يجب على صانعي دراما الشخصيات الدراسة الكافية لكل تفاصيل الشخصية، واللجوء إلى كل المراجع التي تحدثت عنها، ومقابلة كل من عاصروها وعرفوها عن قرب، ومناقشة المثقفين والسياسيين الذين يعرفون الكثير والكثير عن الحكايات والأسرار عنها.
هذا إن أرادوا تقديم عمل ذي قيمة حقيقية. أما لو كان الهدف الربح فقط أو تقديم أعمال باهتة منزوعة القيمة فيمكنهم الاكتفاء بتجميع بعض المعلومات من النت وإعطائها لكاتب مبتدئ على أحد المقاهي ليقدم لنا في غضون أيام توليفة لسيرة شخصية مهلهلة.
لحوم الموتى
فيما ترفض الناقدة ماجدة موريس التركيز على جوانب النميمة والشائعات والفضائح في حياة المشاهير بهدف الاتجار بأعراضهم وسمعتهم لجذب أكبر عدد من المعلنين والمشاهدين، كما ترفض تماما أكل لحوم الموتى، والمبالغة في تسفيههم وتحقيرهم، إذ إن سيرتهم في المقام الأول هدفها العبرة والعظة.
وملاحظة قصة الصعود والهبوط لشخصيات بلغت شهرتها الآفاق، وكانت يوما ملء الأسماع والأبصار، لأن ما يحدث هنا عكس الدراما الاجتماعية التي من الممكن أن تفشل أو تنجح دون أن تضر أحدا، أما الذاتية فلها حسابات أخرى، إذ تتناول شخصيات حقيقية لابد من توثيق كل حرف فيها بشكل واقعي بعيد عن الخيال أو الأهواء.



