كما هو حال الشعب المصري وكثير من الشعوب، هناك 3 فئات رئيسة في المجتمع: علية القوم، ومتوسطو الحال والدخل، وأخيرًا المهمشون والفقراء.. ويمكنك أن تتعرف ببساطة إلى كل فئة منهم من خلال دور العرض السينمائي التي يترددون عليها، الأولى تستقطبها دور العرض الملحقة بالمولات الكبرى، بينما يفضل متوسطو الحال سينمات وسط البلد الشهيرة..

أما الفئة الأخيرة فتعرف طريقها إلى «الترسو».. وهي عدد من دور السينما القديمة، بالية المقاعد، سيئة العرض، زهيدة السعر.. يعيش ساكنو كل فئة كما يعيش أي كائن حي في أي مكان، يتنفس، يأكل، يشرب، مع اختلاف النوعيات من الطعام والشراب، وطريقة الأكل والشرب، يضحكون، يبكون، ويشاهدون السينما أيضًا، لكن أقدام كل منهم تذهب في اتجاه.. وبالطبع نحن مع «ملوك الترسو».. عالم غريب وفريد، تعالوا نتعرف إلى ملامحه عبر السطور التالية.. قد تكون الأزمات الاقتصادية العالمية وراء انتعاش بعض الصناعات أو ركودها، وبينما عانت كثيرٌ من دور السينما الفاخرة عزوف عدد كبير من روادها، وجدت فيها سينمات الدرجة الثالثة طوق النجاة، وانتعاشة الحياة التي مسحت عنها غبار أطلالها، وخواء مقاعدها، ليعود النبض مجددًا إلى عالم «الترسو» الذي ظل سنوات طويلة الاختيار المفضل لجموع الشعب، لا سيما وقد استطاع صُناع السينما ابتكار أفكار بدأ استخدامها منذ خمسينات القرن الفائت من خلال إنتاج عدد من الأفلام التي أثارت جدلاً كبيراً وقتها، تعتمد على ما يدغدغ أحاسيس الناس؛ سواء للبطل الذي يتصدى للظلم ويحرك في نفوسهم لمحات من الانتعاش، في ظل الواقع المحبط الذي يكبلهم، أم تعرض أعمالاً تثير الغرائز وتحرك في جوانحهم رغبات طالما فشلوا في التنفيس عنها؛ لذلك تجد حضورًا كثيفًا للأعمال التي تعلوها عبارة مميزة مثل «للكبار فقط».

وبحسب الناقد الفني د.رفيق الصبان فإن أفلام «الترسو» باتت واقعًا ليس بسبب الأزمة الاقتصادية، لكن بسبب ظهور وتعدد الفضائيات، ما أدى في الوقت نفسه لانتعاش سينما «الترسو»، التي تجذب شرائح معينة؛ خاصة الطبقات الفقيرة التي تعشق أفلام الضرب والقتل والمطاردات والسلاح الأبيض، وذلك كما كان يحدث قديمًا؛ إذ كانت هذه السينمات تنتعش بأفلام موجة «الكاراتيه» و«الكونغ فو»، والتي كانت عبارة عن معارك متلاحقة ينتقم فيها بطل الفيلم من الأصدقاء قبل الأعداء، والتي كانت تعرض سنوات طويلة في سينما الدرجة الثالثة، وكانت تتوج «أفيشاتها» مداخل دور العرض، مصحوبة بعبارات «ثلاثة أفلام في بروجرام واحد»، ولعل أشهر هذه السينمات في مصر: سينما «الزيتون» بمنطقة الزيتون، وسينما «الكورسال» ببولاق أبو العلا، وسينما «علي بابا» في شارع 26 يوليو، وسينما شارع عبدالعزيز في ميدان العتبة بوسط القاهرة، وسينما ميدان الجيزة، ويلاحظ أن جميعها تقع في مناطق شعبية يتجمع فيها الباعة الجائلون، والذين عادة ما يريدون أن يرفهوا عن أنفسهم بدخول السينما فلا يجدون سواها.

جمهور المهمشين..... ويضيف «الصبان»: إن جمهور هذه السينمات من المهمشين، والطبقة التي تحارب من أجل لقمة العيش، وشباب المراهقين؛ لانجذاب هؤلاء إلى الجنس والإثارة، وتكون أفيشاتها مرسومة بألوان مائية سيئة يحاول الرسام فيها أن يصل إلى ملامح وجه النجم، وهو يؤدي إحدى الحركات المثيرة والصعبة، في مشاهد تتداخل فيها جميع أنواع العنف والصراعات والدماء وأدوات القتال والنساء. وكثيرًا ما تشاهد أفلاماً من نوعية «الصراع الرهيب»، «انتقام الجبابرة»، «حمام الملاطيلي»، «المأساة»، «الرغبة والجسد»، وكثيراً ما تجد أفلاماً مرسوماً على أفيشاتها صور الأبطال بصورة مخالفة تمامًا للواقع، وترتدي البطلة ملابس تكشف أضعاف ما تخفي، أو يكون بجوارها سرير على خلفية حمراء.

وأفيش آخر لفيلم قديم لعادل إمام أو شمس البارودي، وأسفله تجد صفًا طويلاً من البشر يتزاحمون على شباك التذاكر في سينما متهالكة، يتدافع عليها سكان المناطق العشوائية أو الشعبية، ومعظمهم من العمال، أو الطلاب الهاربين من مدارسهم.

مشاهد ساخنة..

إلى ذلك، تؤكد الناقدة السينمائية خيرية البشلاوي أنه إذا كانت جماهير «سينما الترسو» من الطبقات الشعبية، فإن سينما «المولات» والفنادق مخصصة للطبقة البرجوازية وأبناء الأغنياء، في حين أن سينمات شارع «عماد الدين» بوسط القاهرة تمتلئ بأبناء الطبقة المتوسطة.

إذ لا يمكن لسينما الترسو أن تعرض فيلمًا ليوسف شاهين أو يسري نصرالله، لكنها تعرض أفلامًا قديمة ممنوعة من العرض، وتركز أفيشاتها على المشاهد الساخنة فقط مثل فيلم «حمام الملاطيلي»، والذي لايزال يُعرض حتى الآن في هذه السينمات، على الرغم من مرور ما يقرب من 40 عامًا على إنتاجه .

ملك جديد..

الناقدة ماجدة خيرالله ترى أن الفنان كريم عبدالعزيز هو الوحيد المؤهل لكي يأخذ لقب «ملك الترسو» الجديد الذي ظل شاغرًا بعد الفنان الراحل فريد شوقي، وذلك بعد أن استطاع أن يقدم توليفة مختلفة عما يقدمه أبناء جيله، فقد جسد دور ابن الطبقة الشعبية في عدد كبير من الأدوار السينمائية.

ويأتي بعده في ذلك الفنان عمرو سعد بملامحه التي تؤهله للعب دور «ملك الترسو»، بعد أن استطاع في فترة قصيرة أن يقدم فيلمي «حين ميسرة»، و«دكان شحاتة» من خلال طبقة شعبية فقيرة، بعكس الفنان أحمد عز الذي من الصعب أن يصبح «ملك الترسو»؛ لأن «شياكته» في الضرب، إضافة إلى ملابسه التي لا تتسخ، تمنعانه من المنافسة على هذا اللقب، بالرغم من أنه حاول فعل ذلك في فيلم «الرهينة».

في الوقت ذاته ترى أن سينما «الترسو» في مصر لم تعد كما كانت من قبل، فقد اندثر معظمها بسبب الأزمات المالية التي تعرض لها أصحابها أو قيامهم بهدمها لبناء أبراج سكنية أو مراكز تجارية؛ لأن روادها من الفقراء لا يغني حضورهم شيئًا.

وعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من الفنانين كانوا يتمنون أن يطلق عليهم لقب «ملك الترسو»، فإن الفنانة نادية الجندي رفضت أن يطلق عليها هذا اللقب، رغم أنها تبدو في أفلامها امرأة حديدية تقهر الرجال بنظرة، وتعرف كيف تجعلهم يقعون في شباكها، إلا أنها ترى أنه لم يعد هناك «ترسو» للعرض الثاني والثالث في مصر، كما كان في الماضي؛ لأن القرصنة قضت على الأفلام.

وعلى «سينما الترسو» أيضًا، فأي فيلم تتم سرقته وعرضه على مواقع الإنترنت مع العرض الأول له أو قبل دخوله دور السينما، فكيف سيكون هناك «ترسو»؟ خاصة مع التقدم التكنولوجي الهائل الذي جعل أصحاب «سينما الترسو» يقومون ببيعها أو تأجيرها لأحد المصالح، بعد أن اتجه جمهورها إلى الإنترنت، و«الشات» وألعاب «الفيديو جيم».

انقراض..

يتفق معها في الرأي السيناريست ممدوح الليثي، الذي يؤكد أن مباني «سينما الترسو» انقرضت رغم جمهورها العريض الذي يفوق السينمات الفارهة والمتوسطة بشارع عماد الدين..

مشيرًا إلى أن أصحابها لم يلتفتوا إلى تحديثها، بعد أن سحبت الفضائيات البساط من تحت أقدامهم بما تقدمه من وجبات مكثفة من الأفلام والمسلسلات المتنوعة التي تأتي إلى البيوت بسهولة عبر هذه القنوات.

الأمر الذي دعا أصحابها إلى بيعها أو هدمها أو تغيير نشاطها إلى معرض أو كافتيريا أو جراج عمومي، مثلما حدث من تحويل سينما «كريستال» بحي النزهة، والتي تعد من أقدم السينمات في مصر، إلى جراج عمومي بعدما تقدم مالكها بطلب إلى المسؤولين بتغيير نشاطها.

وهو ما تكرر أيضاً مع سينما «ريكس» في الإسكندرية، و«سينما الأهرام» في الجيزة التي تقرر إقامة مشروعات تجارية عليها باستثمارات تبلغ 400 مليون جنيه مصري، في إطار مشروع إعادة هيكلة قطاع السينما في شركة مصر للصوت والضوء، وإعادة استغلال أصوله غير المستغلة.

مسؤولية من؟

وعن أسباب تدهور السينما الشعبية يؤكد الناقد سمير الجمل أن غرفة صناعة السينما هي السبب في تدهور السينما الشعبية من البداية، فلا توجد أفلام تكفي طوال العام، ما يؤدي إلى إفلاس معظمها؛ لأن نوعية الأفلام هي التي تحدد الجمهور وآلية السوق، أيضًا تتحكم بشكل أكبر في مدى الإقبال الجماهيري.

ويضيف: «إن أسباب انتعاش مثل هذه الدور من جديد ولو بشكل مؤقت يرجع إلى سعر التذكرة، التي تصل إلى 6 جنيهات في ظل أزمة اقتصادية قلصت الإنتاج السينمائي الذي انحدر إلى 20 فيلمًا فقط في العام، بعد أن كان في إحدى الفترات يتجاوز 100 فيلم في العام الواحد».