«الخط يحيا زماناً بعد كاتبه»..كلمات قالتها يد فنان قديم..يد نزفت حرفاً بجانب حرف، وذرفت كلمة إلى جوار كلمة، حتى اكتملت لوحة جمالية من رشة لون ورشاقة أصابع وروحانية رسام..
مسعد خضير البورسعيدى، الخطاط الأشهر، فى حوار منمق مثل خطوطه عبر أكثر من مليون لوحة فنية متنوعة، تبقيه واحداً من المتحدثين باسم التراث العربى فى فن قلت فيه المواهب الكبرى.. وهذا نص الحوار.***كيف تشكلت على ساحل البحر المتوسط خطاطاً بارعاً؟__كنا أيام الاحتلال الإنجليزى فى بورسعيد، المدينة الساحلية على البحر، وكانت الغارات لا تتوقف، إذ كنا نطفئ أى مصدر للضوء ونذهب إلى المخبأ، وحتى زجاج المخابئ يدهن بمادة الزهرة الزرقاء والماء والصمغ حتى لا ينفذ منها أى ضوء بالداخل. وكانت مقاومتنا نحن الأطفال فى عمر 4 سنوات إلى ست سنوات تتمثل فى جمع الحجارة لضرب الإنجليز، وفكرت وقتها أن أهاجمهم بالزهرة والزجاج، فكتبت شعارات مناهضة للإنجليز على هذا الزجاج.ولم أكن على دراية بالكتابة والقراءة وقتئذ، لكنى كنت أقلد شعارات تقول مثلاً (من يتعامل مع الإنجليز فله الموت)، وزاد التقليد على الحوائط والزجاج.
تقليد *متى اكتشفت أنك موهوب فى فن الخط؟___كانت للظروف التاريخية دائماً حوادث كبرى مع موهبتى، فحين دخلت المدرسة الابتدائية وجدت (السبورة) السوداء خالية من الكتابة فصعدت على كرسى، وكتبت عليها (فاروق ملك مصر والسودان). وكنت قد نقلتها من على عملة معدنية، ولما دخل مدرس الفصل انزعج مما كتب على (السبورة)، وسأل عمن فعل هذا فأشار الجميع إليَ، وأخذنى الرعب، فكان لا بد من عقاب.إلا أن المدرس انتبه إلى أن الخط رائع، ولم يصدق أن طفلاً مثلي يكتب بهذا الخط الأنيق، وأرسل إلى المدرسين لكى يروا ما فعلته، وطلبوا مني كتابة البسملة، فقلت: لا أعرف إلا من خلال ورقة مكتوبة أمامى.وذهل الجميع بما كتبت وبمن فيهم ناظر المدرسة الذى أنشأ عمارة خصص لي فيها محلاً كتب عليه (مسعد الصغير)، وانزعج أبي من ذلك، خوفاً من أن يؤثر ذلك فى دراستي، لكن الناظر أقنعه بالعكس، فاكتشفت وقتها أن لدى موهبة كبيرة وعليَ أن أحافظ عليها.
* كيف بدأت ممارسة مهنة الخط وأنت لاتزال طفلاً؟ ـ بعد أن أصبحت صاحب محل، كنت أنتظر كثيراً أن يتوجه إليّ أحد ليطلب مني أن أكتب له لافتة، لكن ذلك لم يحدث، لأن الناس رأوا فقط أننى طفل، وفكرت حينئذ في لفت الأنظار، فغيرت (يافطة) المحل، وكتبت عليها اسمي بالمقلوب من الآخر إلى الأول، فلفت الشكل الجديد للمحل الأنظار. ويأتي الظرف التاريخي مرة أخرى ليساعدني فى الظهور كخطاط، إذ بدأت أول انتخابات لمجلس الأمة، لكن أحداً لم يأت إليَ فلجأت إلى حيلة جديدة وهي أن أكتب 10 لافتات، كل لافتة 3 أمتار مكتوب عليها (انتخبوا كتابة خضير الخطاط لكتابة لافتتكم الانتخابية).. من خلال هذه المقولة حدثت ثورة فى بورسعيد، وجاء المرشحون يطلبون مني أفكاراً للافتاتهم.. ومن هنا بدأت مسيرتي مع الخط العربي، فكتبت لافتات كثيرة للانتخابات، والحروب.
والدفاع عن المقاومة، وأصبحت خطاطًا مشهورًا فى عمر 14 عامًا، واستعنت بأخي بعد أن كثر الطلب عليَ، فكنا نقوم بكتابة شعارات مناهضة لقوات الاحتلال على جدران المنازل والأبنية والأرصفة وعلى طرق الأسفلت.
وبعدها تعمقت فى كتابة الإعلانات وواجهات المحلات، وبعد أن هاجر أهلي إلى مدينة طنطا بدلتا مصر، انتقلت معهم، واشتهرت فيها أيضًا، وكان من يأتي إليَ من العائلات لعمل لافتة أكتبها بـ 50 قرشًا، أما إذا كان من مدينتى القديمة (بورسعيد) أكتبها له مجانًا.
هل استمر تعاملك مع الخط العربي كموهبة من دون دراسة؟
وقت انتقالي إلى مدينة طنطا كان إنشاء مدرسة الخط العربي فى طنطا، فتعلمت فيها، وعملت بها وحصلت على دبلوم الخط العربي منها، ثم عدنا مرة أخرى إلى بورسعيد، وعلمت الخط العربي فى ذلك الوقت لأجيال كثيرة، وأنا مؤمن تماماً بأن الموهبة لا بد أن تحميها الدراسة الأكاديمية.
كيف انتقلت من الهواية إلى الاحتراف فى عالم الخط؟
عندما عدت إلى بورسعيد كانت أول زيارة لجمال عبد الناصر، الذي طلب مني عمل لوحتين بارتفاع 12 متراً، وعندما انتهيت منهما لم يصدقهما أحد، واتهمت بأن اللوحتين قد تم إنجازهما على يد خطاط كبير فى القاهرة، لكن جسدتهما مرة أخرى بطريقة جديدة أفضل من الأولى وتم اختيار اللوحتين بدلاً من أعمال لفنان كبير فى القاهرة..
وفى عام 1963 ذهبت إلى القاهرة للعمل بالتليفزيون عن طريق أحد تلاميذى الذى كان يعمل بالتليفزيون، ومعه بعض مخطوطاتى، وعندما سألوه، قال لهم: هذه مخطوطات مسعد خضير البورسعيدى، فطلبوا منه على الفور أن يأتي بي إلى التليفزيون، وبالفعل انتقلت فى هذه السنة إلى عالم جديد من الاحترافية.
بعد أن عرفت أن القاهرة بها عمالقة الخط العربي، فكنت أقوم بأعمال الخط الجماهيرية، وبدأت بالمسرحيات حتى جاءت مسرحية (مدرسة المشاغبين)، ورسمت الفنانين بأسلوب كاريكاتيرى مع الحروف والكتابات، وكتب أيضاً (تترات) المسلسلات.
وطلب مني المخرج إسماعيل عبد الحافظ صورة الخط العربي فى مقدمة مسلسل (ليالي الحلمية)، وأيضًا برنامج (العلم والإيمان) شاهدت المقدمة كصورة واستمعت إلى صوت الناي الذى عزفه الفنان (محمود عفت) فكتبت لوحة اسم البرنامج بصورة معبرة.
كما شهد بذلك د.مصطفى محمود فى حديث للتليفزيون معه عن مدى الاهتمام بمقدمة البرنامج، وقال إن محمود عفت أخذ الغاب، وعزف به، وخضير أخذه وحوّله إلى قلم خط وكتب به.
ذلك إضافة إلى تترات معظم أفلام (إسماعيل ياسين)، وكذلك برامج الشيخ الشعراوي إلى أن وصلت أعمالي إلى ما يقرب من 5 آلاف برنامج حتى عام 2002.
ما الإنجازات الفنية التى خططت لتحقيقها منذ حضورك إلى القاهرة؟
منذ حضوري إلى القاهرة حاولت أن أنجز بعض الأعمال من بينها متحف الحسين الذي يضم آلاف اللوحات والمخطوطات التى أمتلكها ولن أبيعها مهما كان الثمن؛ لأنها تراثي وهى التي ستتحدث عني بعد وفاتي.
إضافة إلى أنني زينت مئات المقتنيات لجدران أكبر المتاحف والقصور الملكية والرئاسية وبيوت أشهر الشخصيات العالمية والإسلامية، وأيضًا كتابات على جدران مئات المساجد فى جميع محافظات مصر؛ وكل أعمالي لا أتقاضى عنها أجرًا ماديًا؛ لأنني آخذ حقي من التاريخ والذكرى التى تخلدني.
القيمة الجمالية
ما الذى يميز الخطوط العربية دون سواها؟
الخط العربي يختلف عن كل خطوط الدنيا لارتباطه بكتاب الله، فالقيم الجمالية فى الخط العربي ترتبط بقيم روحية وعقائدية، فكل من بدأ الخط تبارك بآيات الله، ثم انتقل بالإبداع من خلال الحروف وربطها بالزخارف والتشكيل بها؛ كل ذلك يختلط مع روح الفنان من خلال آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو حكم ومأثورات شعبية وتراثية تدعو دائمًا إلى الخير والفضيلة.
كما أن الخطوط العربية تتميز بالتنوع فى الأشكال والحروف، ويغرى الفنان بأن يهتم بمعمارية البنية الخطية، والتشكيل بها ليبرز القيمة الجمالية فى اللوحة، فتنساب الحروف وتتكرر، ويضيف الفنان إليها تشكيلات من التراث الزخرفى الإسلامى فى استخدام الألوان في الخطوط والخلفيات فتتنوع الأعمال فى بساطة.
كم تتطلب من الوقت لإنجاز لوحة واحدة؟
إذا كان الفنان مثقفًا، وممارسًا لفن الخط بشكل منتظم، فإن وقت اللوحة يكاد لا يذكر، فأنا أنجز في اليوم الواحد أكثر من 25 لوحة؛ لذا لقبني البعض بأنني أسرع خطاط في التاريخ، وعدد لوحاتي لا حصر لها؛ لأنها تجاوزت المليون، وأنا حريص على أن يحسب عمري باللوحات التي أنجزها.
حالة مزاجية
ما الذى يغريك فى رسم لوحة بعينها؟
لم أكتب إلا الشيء الذي يدخل قلبي وأفهمه جيدًا، سواء كان نصًا قرآنيًا أو شعرًا أو أمثالاً شعبية، وفي البداية أدرس الموضوع، وأتعمق فيه؛ لذلك فكل لوحاتي متنوعة من خلال فكر وشكل ومضمون مختلف، ولا أجيد التكرار، فاللوحة التي أنفذها لا أعود إليها مرة أخرى لأنني أعتبرها حالة وانتهت.
فالخط حالة مزاجية تأتي وتذهب كيف تشاء، وما يؤكد ذلك أن معظم أعمالي أراها في أحلامي، وعندما أستيقظ أجسدها، فالخط أصبح حياتي بين الحلم والواقع؛ لذا أتمنى أن يأخذ هذا الفن مكانته التي تليق به في الدراسات الجامعية حتى لا يضيع هذا التراث الضخم من الأفكار والأحلام معًا.
بقي أن خضير أقام أكثر من 70 معرضاً فى مصر وله معرض رمضاني دائم بقاعة بيكاسو، ومعرض دائم بالحسين، والمعارض الدولية فكانت فى الشارقة والكويت والرياض وبغداد والبحرين والجزائر وفرنسا وبلغاريا وفرانكفورت وأكاديمية الفنون بروما ولوس أنجلوس ومعرض دائم فى دبى.
بورسعيد - القاهرة



