الصورة ابتكار انساني مهم لتجسيد لحظة متغيرة تختفي مع الزمن بينما تحفظها ذاكرة لا يطالها النسيان، فالصورة الفوتغرافية مرآتنا التي تجسد حالة خاصة قد لا تتكرر أبدا، لذا كان تجسيد تاريخ الناس بالصور طريقة حميمة أنتجت عنها الصور العائلية.
التي نحتفظ بها لسنوات طويلة فلا تفقد بهجتها ولا تمل العين منها فهي كالقطع النادرة التي تزداد قيمتها مع الزمن.والصورة هي ايقونة الشخص كما يراها الناقد الأدبي الدكتور حاتم الصكر حيث يقول: كان التصوير في الماضي مهمة الرسامين حيث يطلب منهم رسم الأشخاص، وقد جاءت الكاميرا الفوتوغرافية لتريح هؤلاء الفنانين من نسخ صور الوجوه وأعطتهم الفرصة للتفرغ للفن.
وقد استطاعت الصورة الفوتوغرافية تحويل ما هو خارجي إلى واقعة فنية، وتحولت استوديوهات التصوير إلى مشغل فني تقدم للشخص الذي يرغب بالتصوير عشرات الصيغ والأزياء والحالات التي يمكن أن يوثق بها صوره.إذ كانت تتوفر في استوديوهات بغداد تتوفر أزياء تراثية مختلفة وباروكات شعر مستعار وبوسترات خلفية لمشاهير يمكن أن يصور الشخص قربهم أو كأنه يصافحهم، وهنا تخرص الصورة من كونها ايقونة تجسد الشكل فقط إلى شكل فني يجسد الحالة ككل.
وقد كتب الشاعر جميل صدقي الزهاوي تحت صورته في ديوانه الأوشال «إذا نظرت صورتي... تقرأ فيها سيرتي......... حتى كأن سيرتي...... مكتوبة في صورتي..... وتلك الأبيات دليل على ما كانت تعنيه الصورة للناس في الماضي.
والصورة الفوتوغرافية تمتلك حظوة كبيرة عند الناس، وقد كانت علاقة الناس بالصورة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في الامارات مرتبطة بالمعاملات الرسمية، حيث يشير الباحث في التراث الإماراتي عبيد بن صندل أن الناس في الماضي كانت تأخذ الصور لأغراض السفر وهم يحتفظون بها معهم.
وكانت الكاميرات تسمى «العكاس» التي تنتج صورا شمسية، حيث كان في الشارقة مصور يسمى عباس عكاس كان الناس يتعجبون منه وهو يدخل تحت الغطاء الأسود ليصورهم، وقد كان ينصب كاميرته في الشمس بينما يسكن في المبنى المجاور قربها حيث يقوم بتحميض الصور.
ثم بدأ الشباب الذين سافروا الى السعودية والبحرين باحتراف التصوير حيث ظهر في نهاية الستينات وبداية السبعينيات مجموعة من المصورين وانتشرت بشكل كبير وصارت هناك صور عائلية تحتفظ بها الاسر ضمن ذكرياتها.
واهتم الناس بالتقاط الصور في رحلاتهم لتوثيقها، وهناك صور أصبحت لها قيمة مادية كبيرة ومنها من استخدمت في وسائل الاعلام وفي ارشيف التلفزيونات والصحف).
وللناس حكايات وتجارب مع الصور فمنهم من ترتبط عنده الصور بموقف معين إذ يروي علي سالم قصة طريفة له مع إحدى صوره إذ يقول كنت في الصف الخامس الابتدائي، وأحب الصور جدا وفي ذلك الوقت كان المصور يدور في الشوارع يلتقط الصور لمن يرغب ويعطيهم وصلا بها ليستلموها فيما بعد.
وحين رأيته هرعت إلى أمي لأخذ منها ثمن صورة لي فاعطتني النقود ولكني وجدت أن المصور قد غادر فلحقته وأنا أركض غير آبه بالشوارع الممتلئة بالمياه والطين، حتى وصلت إلى المصور متعبا وأعطيته النقود وطلبت أن يصورني.
ووقفت منتصبا بينما صورني الرجل مبتسما من دون أن يقول لي شيئا، وحين استلمت الصورة وجدت أن الطين يعلو ملابسي كلها بسبب الركض وان منظري مضحك جدا لكني احتفظت بالصورة لأني تعبت من أجلها).
أما أطرف الحكايات مع الصور فهي تلك التي لا يظهر فيها الأشخاص ويتألمون لعدم ظهورهم في الصورة، وهذا الامر غالبا يكون في الصور الجماعية التي تضم عددا كبيرا من الناس، وقد كتب الشاعر علي الطائي قصيدة عن رحلة مدرسية بتفاصيلها كان عنوانها «أنا الشخص الذي لم يظهر في الصورة».
ومن الناحية النفسية يحتفظ الناس بالصور لأسباب مختلفة كما يراها الدكتور خليل الكرخي اختصاصي الطب النفسي، فيقول (ترتبط الصور بذكريات جميلة تخص الماضي حيث تذكر بالعائلة أو بالمكان أو بالحدث.
والصور القديمة هي في الغالب صور للطفولة والشباب، التي تمثل مراحل عمرية جميلة يحبها الناس ويشتاقون إليها، وهي تمثل اجترارا للذكريات، العائلية، وهي تعتمد على عناصر كثيرة.
ترتبط بالحقبة الزمنية والعاطفة وطبيعة الحياة المرتبطة بالصورة وبماذا توحي تلك الصورة إذ أن هناك أشخاصا يحتفظون بالصور القديمة لأنها تقدم فكرة عن ثراء العائلة أو عراقة أصولها ومجدها لذا فهي تكون موجودة للتفاخر والتعريف بماضي الأسرة).
ويرى الكرخي (أن التقنيات الحديثة وتوفر الكاميرات الرقمية والهواتف المترحكة التي تلتقط الصور بتقنيات عالية، قللت من قيمة الصورة المعنوية، فلم يعد هناك تهيئة للصورة أو استعداد لها.
فهناك صور تلتقط للمشاكسة ويمكن أن تكون في البيت أو في العمل أو في أي مكان، ولم يعد ملتقطوها مصورين محترفين كما كانت في الماضي لذا لم يعد الاثر النفسي لها كبيرا إذ يمكن محوها في أي وقت، فتنتهي الصورة وتنسى).
عبيد بن صندل
في الماضي كانت تؤخذ الصور لأغراض السفر وهم يحتفظون بها معهم، وكانت الكاميرات تسمى العكاس التي تنتج صورا شمسية يتعجب منها الناس آنذاك.
د خليل الكرخي
ترتبط الصور بذكريات جميلة تخص الماضي حيث تذكر بالعائلة أو بالمكان أو بالحدث، والصور القديمة هي في الغالب صور للطفولة والشباب، التي تمثل مراحل عمرية جميلة.
د. حاتم الصكر
كان التصوير في الماضي مهمة الرسامين حيث يطلب منهم رسم الأشخاص، وقد جاءت الكاميرا الفوتوغرافية لتريح هولاء الفنانين من نسخ صور الوجوه واعطتهم الفرصة للتفرغ للفن.
دبي ـ دلال جويد



