الحصان، رمز تلازم مع الشخصية العربية منذ زمن بعيد، وظل شاهدًا على حياة العرب في حروبهم وإنشادهم، ومن أجله وقف القدماء ليسهبوا في أوصافه، وظل المحدَثون على دربهم سائرين، يقيمون المهرجانات والمؤتمرات المختلفة التي تتناول جماليات طائر الصحراء الذي يطير بلا أجنحة، ويبقى مع الزمن معادلا موضوعيًا للشخصية العربية.

أصالة الحصان العربي جعلت منه أيقونة احتفالات يلتف حولها المهتمون في كل أنحاء الأرض، ويسعون الى استثمار التاريخ الجمالي له على مستويات اقتصادية كبرى، فها هو مهرجان الشرقية الدولي للخيول العربية يواصل نجاحاته عاما بعد آخر على مضمار من الرمال في صحراء (بلبيس) في محافظة الشرقية (55 كيلومترًا شرق القاهرة)، وهو المهرجان الذي يجمع رياضات الخيل والفروسية كلها في مقام واحد، ويترقبه عشاق الخيل العربية في شهر سبتمبر من كل عام. منذ صيف عام 1991، بدأت الأنظار تتجه إلى محافظة الشرقية، ولم لا والمحافظة هي الأولى بين محافظات مصر في إنتاج وتربية الخيول، إذ تُنتج أكثر من 80% من خيول مصر، لدرجة أن أصبح الحصان شعارًا لهذه المحافظة.

ومع هذا الغرام الفريد بين أبناء الشرقية والخيول، جاءت فكرة استثمار هذه الخيول العربية الأصيلة في توجيه أنظار السائحين العرب والأجانب نحو المحافظة، وتدعيم صناعة السياحة الصحراوية بها، من خلال تنظيم بطولة سنوية للخيل ورياضاته، تقام على مساحة أرض كبيرة تقع علي طريق القاهرة - بلبيس الصحراوى؛ وبالفعل لاقت الفكرة منذ بداياتها وثبت المهرجان أقدامه عامًا بعد عام، لتسجله وزارة السياحة المصرية في أجندتها كمناسبة سياحية كبيرةتنفرد بتقديمهما محافظة الشرقية، وتحقق جذبًا وتنشيطًا لصناعة السياحة الرياضية الصحراوية في مجال بطولات الخيل وألعاب الفروسية على الصعيدين المحلى والعالمى.

مهارات الفروسية... ووفقا للمعلومات المتوفرة عن المهرجان لدى هيئة تنشيط السياحة المصرية، فقد كان للشرقية السبق في تنظيم مهرجان دولي للخيول، حيث تضمن المهرجان على مدار دوراته العديد من البطولات، منها بطولة لأدب الخيل عام 1993م، وفي عام 1994م نظمت الشرقية أول ماراثون للخيول العربية في صحراء (بلبيس)، كذلك أول بطولة لقفز الموانع للخيول العربية، ثم أول بطولة لركوب المسافات الطويلة والقدرة على التحمل لمسافة 42 كم بموانع طبيعية وصناعية في قلب صحراء بلبيس عام 1995. وفي العام 1999 أقيمت البطولة الأولى في مصر لقفز الموانع، والبطولة الأولى في مصر للترويض على المستوى الدولي، ثم البطولة الأولى في مصر لمهارة استخدام الأسلحة من على ظهر الجياد عام 2000، وأقيمت جميع البطولات التي ينظمها المهرجان بالتنسيق وتحت إشراف الاتحاد المصري للفروسية، وطبقًا للاشتراطات الدولية المعمول بها في كل بطولة أو مسابقة.

تكريم

وكتقليد ثابت في المهرجان بدأ القائمون عليه منذ دوراته الأولى تكريم بعض الرياضيين المتميزين والشخصيات العامة من أمثال فرسان مصر القدامى الحائزين على بطولات أوليمبية، كما تم تكريم فريق نادي الشرقية للهوكي، وفي عام 2001 تم تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حيث كان سموه يشغل آنذاك منصب ولي عهد دبي، وزير الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة.

وذلك بمناسبة تنصيب سعادته فارسًا للعرب، كما كرم المهرجان على مدار دوراته عددًا من الشخصيات التي لها دور بارز في مجال رياضات الخيل وبطولات الفروسية، والذين أسهموا بقسط وافر في نجاح فعاليات المهرجان.

الفكرة وشروط الاختيار

وكغيره من المهرجانات المماثلة، يشارك في فعالياته الهواة والمهتمون بالخيل ورياضاته من المصريين والعرب والأجانب، الذين ينتمون لمنظمات واتحادات عالمية ومحلية، على رأسها المنظمة العالمية للحصان العربي «الواهو»، ولم يكن ليتحقق ذلك لولا الشروط التي وضعتها إدارة المهرجان في اختيار الحصان العربي الأصيل المشارك، هذه الشروط تتعلق بالملامح الأساسية لشكل الحصان مثل تقعر خفيف في الوجه، وأذنين صغيرتين، وصدر كبير الحجم، وعينين واسعتين، ووجه صغير، وأرجل قوية، وتقعر في منطقة الظهر.

أما عن فعاليات المهرجان فيتضمن وفق القائمين على المهرجان 6 بطولات لجمال الخيول العربية غير المسجلة، وكذلك عرض لأدب الخيل العربي المسجل وغير المسجل، الذي يتم خلاله إبراز قدرة الفارس على التناغم مع الحصان، فيما تستمر عروض المهرجان في عرض مهارات الفرسان والتشكيلات الحركية للخيول على أنغام بالتزامن مع السباقات الشعرية والرياضية.

إضافة إلى برنامج إحياء التراث والحرف اليدوية في أجنحة خاصة لعرض صناعات الحرير وجريد النخيل وورق البردي والسجاد اليدوي.

ويصاحب المهرجان عدة عروض، منها عروض جمباز على ظهر الخيل، ومهارة استخدام الأسلحة من على ظهور الخيل، وترويض الخيول على أنغام الموسيقى، كما تقام على هامش المهرجان أمسية شعرية بدوية، بجانب تقديم عروض للفنون الشعبية.

مشاركات عربية وعالمية

وحول المكانة التي يحتلها المهرجان وأثره عربيا وعالميا، يؤكد المستشار يحيى عبدالمجيد، محافظ الشرقية، أن هناك الكثير من الدول تحرص على المشاركة في المهرجان كل عام، على رأسها المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، فلسطين، الأردن.

إضافة إلى دول أوروبية مثل ألمانيا، فرنسا، والدول التي تهتم برياضة الخيول والفروسية.. كما يحظى المهرجان بمشاركة مئات من الهجن العربية المملوكة للقبائل البدوية المنتشرة في الشرقية ومختلف محافظات مصر، إضافة إلى نوادي الهجن ببعض البلدان العربية.

وقال عبدالمجيد إن هذه المشاركة تعكس أهمية المهرجان التي تتزايد عامًا بعد آخر، خاصة بعد أن رفعت المنظمة العالمية للحصان العربي «الواهو» علمها فوق أرض المهرجان، كما يشارك أعضاؤها في فعاليات وأعمال التحكيم، إلى جانب ارتفاع قيمة الجوائز النقدية التي تمنح للفائزين في بطولات المهرجان، ما يجعل هذا الحدث يحظى بمتابعة عالمية، خصوصاً أنه سيشهد مشاركة نخبة الخيول العربية الأصيلة.

وأكد أهمية المهرجان لمحافظة الشرقية في ترسيخ الصورة الذهنية للمحافظة كمقصد سياحي ملائم للسائح العربي، وكذلك الترويج لمقاصد ومنتجعات محددة داخل المحافظة، لذلك تقوم المحافظة بتوفير كل الإمكانيات اللازمة للوفود العربية التي تشارك في المهرجان ليكون المهرجان بمثابة نقلة نوعية للجواد العربي، فيما نحرص كل عام على توجيه الدعوة إلى عدد كبير من السفراء العرب والأجانب المقيمين بالقاهرة لحضور المهرجان، إضافة إلى وفود أخرى من الدول العربية.

ونظرا للمكانة التي باتت تحتلها الشرقية على مستوى مهرجانات الخيول المختلفة، أكد عبدالمجيد حرص أبناء المحافظة على المشاركة في مهرجانات الخيول عربيا ومحليا، لافتا في هذا الصدد إلى مشاركة محافظة الشرقية في مهرجان الإسماعيلية الثاني عشر لرياضات الهجن، الذي يقام على مدار يومين بمضمار الهجن بصحراء قرية (سرابيوم) التابعة لمركز (فايد) بمحافظة الإسماعيلية اعتبارًا من 17 مارس المقبل.

تسويق مصر سياحيًا

من جهته قال عمرو العزبى، رئيس هيئة تنشيط السياحة المصرية: إن هناك توجها قويا لدى بلاده لتشجيع أنماط السياحة الجديدة بمهرجان الشرقية للخيول العربية الذى بات يحظى بثقة دولية وعربية، وحضور قوى من جانب عشاق السياحة الصحراوية..

وقال إن الهدف الأساسي من تنظيم هذا الحدث- مهرجان الشرقية للخيول- هو تسويق مصر سياحيًا على المستويين العربي والعالمي، وتشجيع مشاركة الشباب في هذه المهرجانات الرياضية الكبرى.

واعتبر العزبى أن مهرجان الشرقية بمثابة آلية دفع كبرى لحركة تنشيط السياحة، خاصة العربية، لما تمثله من أهمية كبيرة، خاصة أن عدد السائحين العرب الوافدين إلى مصر خلال عام 2009 بلغ نحو مليوني سائح أي ما يعادل حوالي 18% من إجمالي حجم الحركة السياحية الوافدة إلى مصر.