يشبه فنّ سالفاتور مونتانوتشي النافذة المفتوحة على العالم حوله، عالم حسّي دافئ ينقل بالألوان حلماً روحانيّاً يذخر بالمشاعر والأحاسيس، يبدو في لوحاته عطشٌ لسحر وغموض الحضارات الأصيلة، ينقله رائي بأسلوب رومانسي فيه مسحةٌ من الألم يبرزها الفراغ، كما يظهر عشقه للعلاقات الإنسانيّة واضحاً في التفاصيل التي يعطيها أهميّة كبيرة، بدءاً بفن العمارة وانتهاءً بمعالم الطبيعة القريبة من البشر.
في حوارٍ أجراه «الحواس الخمس» مع مونتانوتشي، ابتعد تماماً عن كل المعوقات الرسميّة، فتح لنا قلبه وتحدّث بحنين عن فنّه وأحلامه، ورغبته في مشاركة خبرته الفنيّة لتكون أسلوب تعليم مباشرٍ يستفيد منه طلبة الفن في مختلف أنحاء العالم. يقول سالفاتور: قبل أن أتخذ قراري في زيارة البلدان العربيّة، كنت خائفاً بسبب الصورة السلبيّة التي ينقلها الإعلام العالمي، أما بعد زيارتي تغيّرت النظرة، واكتشفت أن التجربة هي الأسلوب الوحيد للاطلاع على الحقيقة، واتخذت قراري في أن يكون فنّي رسالة تنقل الحقيقة، وتخلق الانسجام بين الحضارة العربيّة وحضارة موطني القريبة نسبيّاً منها.
ليس من السهل أن يصبح الإنسان فناناً حسب رأي مونتانوتشي، إذ لا يتوقّف الأمر على القدرة على الرسم، فعلى الفنان أن يعرف كيف يحلم، لأنّ الحلم وحده يوصله إلى الأعمال الخالدة، حيث يقول: «لا أتوقّف يوماً عن الأحلام لأنّها حياتي، وقد حقّقت معظمها منذ كان عمري 5 أعوامٍ فقط. فخلال المحاضرة التي ألقيتها في قبرص الأسبوع الفائت، شعرت بأنّني حقّقت حلماً جديداً، وكانت ردّة فعل الطلاب مشجّعةً عندما تحدّثت معهم عن القوّة والقدرة على تحقيق الأحلام، فقد قلت لهم إننا نستطيع أن نكون من نريد إذا وثقنا وآمنا بأنفسنا، وابتعدنا عن المحدّدات التي يضعها لنا الناس.
«الحواس الخمس» علم أن مونتانوتشي بدأ دراسة اللغة العربيّة صدفة بدعوة من صديقة العام 2004، وكان يحاول التمرّن عليها باستخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ على شبكة الانترنت عندما تعرّف على صديقٍ من الجزائر وزاره بعد سبعة أشهر في رحلة كان مقرّراً أن تدوم أسبوعاً، إلا أنّها امتدّت شهر ونصف الشهر ورسمت خط البداية لمشوار سالفاتور مع الحضارة العربيّة. بدأ مشروع سلفاتور الجديد في نقل أجمل الصور عن الحضارة العربيّة عبر لوحات ترسم الحبّ الذي لقيه في القلوب، والدفء في العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان العام 2008، بعد عودته من الجزائر، وهو اليوم يرى في دبي بعداً جديداً لهذا المشروع.
ويقول لنا ان وجوده في هذه المدينة الجميلة هو حلمٌ جديدٌ يُصبح واقعاً، فعشقه لهذه الحضارة الذي وُلد منذ عامين، عليه أن يتبلور ليخلق أسلوباً يمكّن سالفاتور من تقديم نفسه كرسّامٍ للناس الذين يعيشون في هذه الإمارة.
حيث يقول: «الناس في مالطا لا يعرفون العرب، يعرفون فقط ما تنقله قنوات الإعلام الغربيّة، لذا عندما علم أصدقائي بنيّتي في القدوم إلى دبي، عارضوني، إلا أنّني قلت لهم انه في المدينة يعيش ناسٌ من كل أنحاء العالم، كل الأجناس والجنسيّات تقصد دبي، ولا بد أن يكون هنالك سبب وجيه وراء ذلك، فضلاً عن أنّي فنّان ومحبّتي لمكانٍ ما مرهونةٌ بالأفكار الأصيلة التي يمكن أن يقدّمها لي هذا المكان».
«الحلم هو الحقيقة»، هكذا سمّى مونتانوتشي آخر معرضٍ له، والذي أقامه سبتمبر الفائت في فاليتا، مالطا، وتضمّن المعرض مجموعة من 80 عملاً غطّت حياة سالفاتور بين العامين 1991 و2009، وتوزّعت اللوحات على عدّة ممرّات في قصر «أوبيرج ديتالي»، ليرسم كلّ ممرٍّ مرحلة مهمّة من مراحل حياة الرسّام الفنيّة، ألا وهي: المرحلة الأولى (القصص الخرافيّة)، والمرحلة الثانية (جزيرة مالطا).
والمرحلة الثالثة (الحضارة العربيّة). اتّبع مونتانوتشي أساليب عدّة في لوحاته، تراوحت بين ما هو بسيط أو ما هو كلاسيكي وجديد لصور الناس وللتفاصيل المعماريّة ولمعالم الطبيعة، وقد برّر وضوح هذه النزعات في رسوماته إلى أن نُضجه الفنّي أتى في مرحلة تلت انتقاله من الأسلوب الواقعيّ إلى الأساليب المذكورة سابقاً.
مونتانوتشي في سطور
ولد مونتانوتشي العام 1965 في المنطقة المحيطة بجبل النار، «إتنا»، وتعلّم من محيطه تقدير الطبيعة ومعالمها، ظهرت موهبته الفنيّة في سنّ الرابعة عشرة، ليلتحق بمعهد الفنّ في «أغريغنتو» ويحصل على شهادة دبلوم في الرسم.
أول معرضٍ شخصيّ له أقيم في مدينته في عام 1984 ومن ثمّ بدأت سلسلة من المعارض الخاصّة في مختلف المدن الإيطالية بين العامين 1997 و1999، وفي بداية 2001، انتقل إلى مالطا مع بداية مرحلةٍ فنيّة جديدة بحياته، وبدأ يعمل في مرسمه الخاص في «موستا»، ويدرّس الفن في أوقات فراغه.
بورتريه: البابا يوحنا بولس
اللوحة: زيتيّة
السنة: 1991
المكان: الفاتيكان - قاعة باولو السادس
دبي - علي محيي الدين



