في مكان ما على الأرض لا ترى إنساناً لا يحلم ببطل أسطوري.. وفي عالم الأسرار الكبرى الذي نحياه، تزداد قيمة مغامرات الجاسوسية لدى الجمهور، ربما لأنها تتعامل مع فكرة الأسرار والتخفي التي تسحر الإنسان؛ لذا تنتعش عقيرة المؤلف وخزينة المنتج في دراما الجاسوسية التي عادت إلى الدراما المصرية بعد انقطاع دام سنوات، لاسيما بعد أن حقق مسلسل «حرب الجواسيس» الذي عرض العام الفائت وحقق نجاحاً كبيراً فتح شهية المنتجين لضخ مزيد من أعمال الجاسوسية مرة أخرى..
فالثنائي بشير الديك، ونادر جلال يعدان تجربة من واقع ملفات المخابرات المصرية رصد لها المنتج حسام شعبان ميزانية تجاوزت 30 مليون جنيه تحت اسم «كنت صديقاً لديّان»، إضافة إلى مسلسل آخر لخالد صالح مأخوذ عن قصة حقيقية بعنوان «ثعلب سيناء»، بجانب أعمال أخرى درامية وسينمائية يتم التحضير لها لعرضها خلال الفترة المقبلة.. فما السبب الحقيقي إذن وراء اتجاه الكتاب والمنتجين الى هذه النوعية من الأعمال؟
ثعلب سيناء... نبدأ مع منتج مسلسل «ثعلب سيناء» عادل عمار والذي يشارك أيضاً في تأليفه، حيث يؤكد أن فكرة تقديم مسلسل يتعرض للجاسوسية كانت تراوده قبل نجاح «حرب الجواسيس»، لكنها ظلت مؤجلة بسبب ظروف إنتاجية خارجة عن إرادته، مشيراً إلى أن مسلسله بعيد تماماً عن موضوع «حرب الجواسيس»؛ موضحاً أن «ثعلب سيناء» يتطرق إلى بطولة لطفل وضابط، وليس عملاً مخابراتياً من الألف إلى الياء، إذ يقوم الضابط بعملية تفجير معسكر إسرائيلي بسيناء وقت حرب الاستنزاف، وهو عمل مأخوذ من ملفات المخابرات المصرية.
لافتاً إلى أن السيناريست الشابة هند مختار شاركته كتابة القصة، ومرشح لإخراجه أحمد شفيق. وعن اتجاهه لإنتاج هذه النوعية بالذات يؤكد أن أعمال الجواسيس خلافاً لكونها توقظ المشاعر الوطنية وتعزز الانتماء فإنها تحظى بنسبة مشاهدة عالية، وهذا ما حدث مع «حرب الجواسيس» الذي أثار آراء نقدية متنوعة، ومع ذلك حظي بإعجاب عدد كبير من المشاهدين.
الجاسوسية حرفة
بينما يوضح الكاتب بشير الديك الذي اتجه أخيراً إلى هذه النوعية من الأعمال أن دراما الجاسوسية تحمل توليفة وحرفية عالية، وشعوراً بالخطر المحدق بالبطل طوال الوقت، مما يزيد التشويق لدى المشاهد بسبب الغموض الذي يحيط به، فالمخابرات في أذهان الناس عبارة عن حرب ذكاء تعتمد على الحنكة، وليست حرب عصابات.
ويضيف: أقدم هذا العام موضوعاً جديداً عن الجاسوسية لرمضان المقبل، فالدراما التلفزيونية ليست للتسلية فقط؛ بل يجب أن تكون ذات أبعاد وطنية تتعامل مع التاريخ المشرف للوطن؛ لذا لا بد أن يهتم كاتبو الدراما بهذا الواجب لإظهار البطولات الوطنية، وحتى تعيش هذه الأعمال في ذاكرة المشاهد.
عزف لحن قديم
عمدة الدراما المصرية أسامة أنور عكاشة من جانبه يعتبر أن هذه الأعمال، سواء كانت دراما تلفزيونية أم سينمائية تلعب على استغلال نجاح العمل سابق حتى لو كان عملاً بطولياً من عالم المخابرات، فهذا في الغالب لا يصنع عملاً ناجحاً؛ لأنه في النهاية سيكون بمثابة عزف على لحن قديم.
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا عندما ينجح في مصر مشروع حتى وإن كان «عربة فول وطعمية» تجد كل المحلات تقدم «فول وطعمية»؟.. والمشاهد مضطر أن يتابع، لذلك فإن التنوع مطلوب حتى لا يصاب المشاهد بالملل.
ويتعجب عكاشة من تصنيف فيلم «ولاد العم» على أنه من دراما الجاسوسية، ويقول: الفيلم المخابراتي لا بد أن نجد فيه نوعاً من التخطيط العميق لعملية ما، ويتم هذا بإيقاع وبطريقة معينة مختلفة تماماً.
أما فكرة «ولاد العم» فتتحدث عن التعايش مع الآخر على المستوى الإنساني، فليس عمل المخابرات إعادة الزوجات من الخارج، لكن توجد لدينا مشكلة في الوعي والتفرقة بين نوعية الأعمال؛ لذلك اعتبروا الفيلم مخابراتياً.
عمل وطني
وهذا ما يؤكده مخرج «ولاد العم» شريف عرفه فيقول: فوجئت بتصنيف «ولاد العم» على أنه فيلم مخابراتي؛ وهنا لا بد من التفرقة بين العمل المخابراتي وغيره، لكن المؤكد أن هناك إقبالاً على أي عمل وطني، فالجمهور يبحث عن نموذج البطل الذي يحقق له انتصاره الشخصي ليستعيره في مواجهة أزمات الحياة.
أما مؤلف الفيلم السيناريست عمرو سمير عاطف فقال إنه لم يضع في مخيلته تصنيف الفيلم مخابراتياً، لكنه أعرب عن سعادته بهذه التجربة مؤكداً أنه سيكررها إيماناً منه بأهمية هذه الأعمال التي ترفع من شأن الدراما، بعد أن انتشرت مسلسلات تتحدث جميعها عن الصعيد والثأر والفساد المجتمعي.
واعترض على القائلين ان الجاسوسية في الدراما ماتت بوفاة الكاتب المتميز صالح مرسي، مشيراً إلى أنه على الرغم من وجود كتاب متميزين في هذا المجال، على رأسهم بشير الديك، فإنه سيسير على نهجها رغم الادعاءات التي تتهمه بالسعي وراء الشهرة من خلال قصص وتضحيات الآخرين.
بين الماضي والحاضر
بدورها، ترى الناقدة ماجدة موريس أن المُشاهد لديه شوق لمعرفة ماضيه، إلا أن هذه المشاعر تزداد لدى الشرقيين، فدائماً نرى في الماضي جمالاً غاب عن عالمنا الآن، في حين كان الماضي نفسه يضم مشكلات لا حصر لها..
مشيرة إلى أن دراما الجاسوسية ليست جديدة علينا، فقد تم إنتاج عدد كبير من المسلسلات والأفلام بعد مسلسل «رأفت الهجان»، وأرجعت سبب الاتجاه إلى هذا الخط أن هذه الأعمال غالباً ما تكون عن قصص حقيقية، تعطي حقيقية الأحداث إحساساً بالمصداقية، ما يضاعف الإقبال الجماهيري عليها بعيداً عن الأعمال التي تتسم بالفانتازيا وعدم الواقعية ولا ترسخ طويلاً في الأذهان.
أما المخرج علي عبدالخالق صاحب ثلاثية الجاسوسية السينمائية «إعدام ميت» و«بئر الخيانة» و«الكافير» فيقول: فيلمي الأول «إعدام ميت» كان ثاني فيلم يتناول قضايا الجاسوسية منذ حقبة السبعينات بعد فيلم «الصعود إلى الهاوية» لكمال الشيخ..
مشيراً إلى أن أي عمل مأخوذ عن ملفات المخابرات لا بد أن يكون به التزام بكل التفاصيل الموجودة في الملف، مع اقتصار خيال الكاتب على نقاط معينة لا تلغي أو تشوه المضمون الحقيقي للعمل.
وعن سر الإقبال الشديد على أعمال الجاسوسية لاسيما من جانب المنتجين يؤكد أن ذلك بسبب ما تحققه من أرباح هائلة، إذ تسعى كل الفضائيات والقنوات الأرضية لشراء حق عرضها لأنها في الأول لعبة ذكاء كل معالمها اقتصادية بحتة، لذلك أصبحت الاتجاه السائد لإنتاج مثل هذه النوعيات في 2010.
وأكد أن الدراما الرمضانية المقبلة ستشهد أكثر من 3 أعمال عن الجاسوسية، لكنه تمنى ألا يزيد العدد على ذلك حتى لا يتشتت بينها الجمهور فينصرف عنها جميعاً.
سلاح ذو حدين
أما الفنانة منة شلبي التي تعيش حالة من الرضا بسبب رد الفعل الذي حققه مسلسل «حرب الجواسيس» أول بطولة مطلقة لها تلفزيونياً، وتناول ملفاً مخابراتياً، فتقول: كنت مرعوبة في البداية لأن أعمال الجاسوسية بوجه عام سلاح ذو حدين، إما أن تحقق نجاحاً أو فشلاً ذريعاً.
خاصة أن مثل هذه الأعمال تتم مقارنتها بما قدمه النجم محمود عبدالعزيز في «رأفت الهجان» والفنان عادل إمام في «دموع في عيون وقحة»، لكن شجعني السيناريست بشير الديك، والمخرج نادر جلال على خوض التجربة.
وتؤكد أنها تخشى تقديم أي عمل جديد يتعرض لملفات الجاسوسية؛ لأنه سيكون إنذاراً بالفشل إذا ما وضعت في مقارنة مع عملها السابق، وتتوقع أن تسقط الدراما هذا العام في عدة سقطات بسبب اتجاه عدد من المنتجين والكتاب إلى هذه النوعية بعد النجاح الذي تحقق، لكنها تتمنى أن يتم تنفيذ عمل كل عام حتى لا تصبح الدراما المخابراتية مادة مستهلكة، موضحة أن ما يفرج عنه من قصص حقيقية ليس كثيراً، ولا يكفي لإنتاج أكثر من عمل في العام الواحد.
مشاعر حماسية
أما الفنان مصطفى شعبان الذي خاض من قبل تجربة من دراما الجاسوسية في «العميل 1001» فيقول: إننا شعوب عاطفية؛ لذلك تحقق هذه النوعية من الأعمال نجاحاً كبيراً؛ لأنها تتعامل مع المشاعر الحماسية لدى الجمهور، وعليه فلدينا القدرة على أن نقدم مسلسلاً واحداً سنوياً عن الجاسوسية.
لكن إذا زاد العدد فستواجه هذه الأعمال نقداً لاذعاً خاصة أن مصادرنا من الكتابة قليلة، سواء التي كتبها الراحل صالح مرسي، أو غيره ممن تخصصوا في هذه النوعية من الأعمال.. وعلى الرغم اعتبر مصطفى أن مسلسل «كنت صديقاً لديان» الذي يحضر له حالياً جاء في موعده تماماً قبل أن ينسى الجمهور مسلسل «العميل 1001».
ليست سهلة
في حين قررت مخرجة «العميل 1001» شيرين عادل عدم خوض التجربة مرة أخرى، وقالت إن الإمكانيات المادية لم تكن كافية، ومثل هذه الأعمال ليست سهلة على الإطلاق، وتحتاج مجهوداً جباراً، وهو ما افتقدته في عملها السابق، إذ لم تكن مدينة الإنتاج الإعلامي هي المنتج الوحيد للعمل، بل دخل شريك آخر لا خبرة له في هذا المجال.
قضية معقدة
في حين يرى الناقد والسيناريست فايز غالي الذي قدم «الطريق إلى إيلات» لقطاع الإنتاج، ولم يعرض في دور السينما واكتفت جهة إنتاجه بعرضه تلفزيونياً، انه أمام قضية معقدة، فعلى الرغم من أن هذه الأعمال لها جاذبية خاصة، وتحظى بإقبال جماهيري، فإنها مكلفة للغاية، ولا يوجد منتج واحد يمتلك الجرأة لإنتاجها، وعليه لا بد من مبادرة الدولة بتوجيه جهات الإنتاج في هذا الاتجاه.
ويؤكد أن الدراما التلفزيونية تستطيع أن تستوعب أكثر من 3 أعمال من هذه النوعية سنوياً وكذلك السينما؛ لأن لدينا فترة ثرية مليئة بالأحداث والبطولات الحقيقية منذ حرب الاستنزاف وحتى انتصار أكتوبر حتى لا تتعرض هذه الملحمة إلى محاولات التشكيك فيها.



