هناك أفلام تصنع من أبطالها نجوماً ملء الأسماع والأبصار، تماماً مثلما يوجد نجوم يجعلون من بعض الأدوار نقلة في مسيرتهم مع التمثيل، فيستحوذون على إعجاب الجمهور، وأيضاً النقاد الذين تثيرهم براعة هؤلاء النجوم في تغيير نمط ما يقدمونه بعد سنوات من الرتابة والأعمال التي تميل إلى مجاراة السائد في السوق السينمائية دون أي تأثير فني يذكر.

النجمة ساندرا بولوك التي اشتهرت بأدوارها في الأفلام الكوميدية الرومانسية من نوعية الشريحة الثانية، حيث استطاعت في فيلم «الجانب المظلم ـ The Blind Sidez أن تكسب استحسان الآراء وتنال عدداً من الجوائز، جعلها أفضل ممثلة درامية للغولدن غلوب ما ساعد على ترشحها للمنافسة على جوائز الأوسكار هذا العام، بخلاف حصولها عن الدور نفسه على جائزة نقابة ممثلي السينما الأميركية. وبهذا الفيلم الجديد الذي يعرض حالياً في صالات السينما بالإمارات، والذي تخطت إيراداته في أميركا أكثر من 200 مليون دولار بينما بلغت تكلفته 29 مليون دولار فقط، يرى الكثيرون أنه يجسد النجاح الأكبر والأهم لساندرا بولوك طوال تاريخها السينمائي، باعتباره أول أفلامها الذي يعتمد عليها كبطلة فقط، دون الاعتماد على شهرة البطل الذي يشاركها الفيلم، الأمر الذي قد يجعل البطولة النسائية تدخل محيط أنظار منتجي هوليوود خلال السنوات المقبلة، دون قلق من السقوط في مأزق الإيرادات.

وقد فاقت عائدات أفلام بولوك الثلاثة الأخيرة لعام 2009: «عرض زواج، وكل شيء عن ستيف، والجانب المظلم» أكثر من 600 مليون دولار، ما يضعها في قائمة أعلى 100 نجم تحقيقاً للإيرادات، لذلك اختارها أصحاب دور العرض الأميركية أفضل ممثلة للعام الماضي، إذ تصدرت قائمة «كويجلي» للنجوم الأكثر تحقيقاً للإيرادات لتكون ثامن نجمة تتصدر هذه القائمة التي تصدر سنوياً منذ عام 1932. فيلم «الجانب المظلم» من إنتاج شركة ألكون الأميركية، وإخراج جون لي هانكوك الذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو، المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه من تأليف مايكل لويس، وتحكي قصة حقيقية مثيرة للمشاعر عن حياة نجم كرة القدم الأميركية مايكل أوهر.

وتدور أحداثها حول امرأة بيضاء من الطبقة الثرية توافق على تبني شاب أسود مشرد ضخم البنية ولاعب كرة موهوب، حيث تضمه إلى عائلتها الصغيرة، وتبدأ مساعدته على حل الكثير من المشكلات في حياته ويبدأ بفضل توجيهاتها في اكتشاف طاقاته الإنسانية والرياضية الكامنة. ويبدأ الفيلم بداية استعراضية مألوفة، ثم تركز اللقطات على السيدة «لي آن توهي» أو ساندرا بولوك، المتزوجة برجل أعمال شديد الثراء، يمتلك سلسلة مطاعم شهيرة في مدينة «ممفيس» الأميركية وهي زوجة سعيدة وأم لطفلين ولها أنشطة اجتماعية وخيرية متعددة.

تتغير حياة «لي آن» إلى النقيض تماماً، عندما يدخلها الشاب الأسود المراهق «مايكل أوهر» ويلعب دوره كوينتون أرون، وهو شاب بائس ومتعثر دراسياً، ينتمي لعائلة مفككة كثيرة العدد، ولا يعرف شيئاً عن بقية أشقائه الذين يقابلهم أحياناً مصادفة في محال عملهم، أما والدته فهي مدمنة مخدرات سيئة السمعة، تخلت عن مساعدة أبنائها وعن مايكل الذي تجهل من أبوه، ومضت تعيش في أوكار الملذات دون أن تترك لنفسها أو لهم أي فرصة للحياة الإنسانية الكريمة.

يخدم الحظ «مايكل أوهر»ـ الذي يلقبه معارفه بمايكل الضخم، وهو لقب يكرهه ويشعر بالغيظ والضيق عندما يناديه به أي شخص، حيث يتم الموافقة على إلحاقه بمدرسة خاصة، لا تستقبل إلا المميزين دراسياً أو أبناء الأثرياء، وعلى الرغم من أنه ليس أحد الفئتين، إلا أن مهارته الرياضية تشجع إدارة المدرسة على إلحاقه بها لتضمه إلى فريق كرة القدم، ويشعر في البداية بأنه منبوذ لكونه أسود اللون وصاحب بنيان ضخم بخلاف شكله البائس وملابسه الرثة، التي تجعله دوماً مجالاً لسخرية وتجنب زملائه.

وسرعان ما تنقلنا الأحداث مرة أخرى إلى السيدة «لي آن» وهي ترافق زوجها في سيارته لاصطحاب طفلهما من المدرسة نفسها، ويلفت نظرها مايكل البدين وهو يسير تحت الأمطار مرتدياً ملابس صيفية بسيطة، ويحاول أن يجد مكاناً مغلقاً ودافئاً حتى تنتهي الأمطار والبرودة الشديدة، وتسأله عن منزله، وتتفاجأ بأنه بلا مأوى، فتدعوه لقضاء ليلة في منزل الأسرة ومنذ تلك الليلة يصبح جزءاً من هذه العائلة التي تحيطه بمشاعر الحب والاحتواء.

وينتقل «مايكل أوهر» للحياة مع أسرة ثرية أفرادها من البيض، ويدرس أيضاً في مدرسة تكرس لكل ما هو أبيض، حتى إنه يعلق على ذلك في ورقة كتبها وتلتقطها معلمته من صندوق القمامة، بعد أن ألقاها، حيث يقول فيها: «إنني أشعر بالارتباك، فقد وجدت اللون الأبيض يحاصرني في هذا المكان، طلاء الحائط والمقاعد وبشرة كل أفراد المدرسة».

كما يثير اهتمام السيدة «لي آن» بالمراهق الأسود حفيظة صديقاتها، اللائي يتندرن على تعاملها برفق مع مخلوق ينتمي للبيئات العشوائية، وأحياء الزنوج الخطيرة، ويحذرنها بأن وجوده في منزلها سوف يجلب عليها المشكلات، لأن الشاب لابد أن يعلن في أقرب فرصة عن ميوله الإجرامية ويعرضها لموقف مريب مع زوجها وأولادها، ولكنها تستنكر هذا الحديث وتتحداهن بأنه سيصبح ذا شأن كبير في المستقبل.

وبالفعل تكون تلك السيدة الرقيقة مع أسرتها الصغيرة حافزاً لنجاح «مايكل» دراسياً ورياضياً، وتسعى أشهر الجامعات في أميركا إلى إعطائه منحة دراسية لتفوقه الرياضي، ليكون أحد طلابها، ويصبح أهم عنصر في فريق كرة القدم الأميركية.

وتنتهي الأحداث، لتأتي تيترات الختام بصور شخصيات الفيلم الحقيقية، وما آل إليه واقع حياتهم، عاكسة صدق ما عشناه خلال ساعتين و8 دقائق من المتعة والانبهار بلغة سينمائية لا يمكن أن تختفي من ذهن المشاهد بسهولة.

الفيلم: الجانب المظلم

إخراج: جون لي هانكوك

تأليف: مايكل لويس

بطولة: ساندرا بولوك، كوينتون أرون

الاستوديو: شركة ألكون الأميركية

ميزانيته: 29 مليون دولار

تصنيفه: دراما، اجتماعي

مدته: ساعتان و8 دقائق

دبي - أسامة عسل