المسافر إلى الفجيرة سيطيل النظر في معظم المحال المنتشرة على جانبي الطريق، والتي يسمى قسم منها (سوق الجمعة)، فيخال أنهم يعملون فقط يوم الجمعة، ولكنهم على العكس من هذا تراهم يعملون بجد خلال أوقات الأسبوع كلها، وجاءت تسمية «سوق الجمعة» بفعل زيادة إقبال الزبائن على تلك المنتجات يوم الجمعة لأنه عطلة، والتسمية محلية في معظم الدول العربية كشكل من أشكال الثقافات الاقتصادية المحلية.والمرور بسوق الجمعة القريب من الفجيرة يشد المسافر للتمهل والوقوف على مقربة من تلك المحال>

ومعرفة الموجود داخل تلك المحال، التي تحاول لفت النظر إليها من خلال الألوان التي تشكلها، أو عبر لفت النظر إلى منتجات زراعية وخضراوات ربما تنتمي للمنطقة ذاتها، فيقبل على شرائها، وأخذ البعض منها، وفعلاً هذا ما يحدث على أرض الواقع.وثمة الكثير من السيارات التي تتوقف بقصد الاستئناس، ومقارنة الأسعار بين المحال التجارية المنتشرة في الأسواق الكبيرة، وبين أسعار افتراضية موجودة في سوق الجمعة، فهذه سيدة تهمس في أذن زوجها بعد أن توقفت مطولاً أمام معرض للسجاد في الهواء الطلق.

تقول له:هنا الأسعار أغلى، فهم يوهمونك أنهم يقدمون تنزيلات على مدار العام، ولكن هذا ليست له علاقة بالحقيقة، فيستجيب الرجل لنداء زوجته، مضيفاً أن الغبار يملأ هذا السجاد، فيمضيان في طريقهما، وقد حملا من هناك زجاجة عسل طبيعي من نوع السدر، وبعض الفاكهة.والمتجول بين أروقة السوق لن يمر من هناك دون أن يحمل معه بعضاً من تلك المنتجات المنتشرة على جانبي الطريق، ومن بعيد يعلو صوت أحد الشواب لأن السعر لا يعجبه، في حين يقف أمامه البائع الآسيوي، وهو يقسم أن هذا أقل من سعر السوق بكثير، ولكن لا يستجيب الرجل، فيتنقل إلى جاره ليفاجأ أن الأسعار واحدة، فيدير ظهره ويعود إلى سيارته ويمضي.

ومن بعيد ثمة قدر كبير يستوقف أحد السواح الألمان يسأل البائع ما الموجود داخل هذا القدر؟ فيرد عليه الآخر:إنه هريس، ويكررها بصوت عال دون أن يفرق أن الرجل الآخر لا يفهم عليه! فيعيد «هريس..هريس..أكل أكل»، والنتيجة أن هذا الألماني لا يعلم ما يقوله الآسيوي.والبائع لا يعرف الألمانية ولا الانجليزية، وإذا افترضنا أنه يعرف العربية طبعاً! وهكذا يستسلم الألماني لشرح البائع، ويتناول صحناً من الهريس، ولدقائق تظل عيون البائع معلقة على ردة فعل السائح، وحين يبتسم الزبون يدرك ان بضاعته جيدة.

ويقف خارج حانوته الصغير رجل يبيع الورود والتراب وبعض النباتات الخضراء للزينة، ينادي الجميع بالدخول، وحينما يتوقف عنده زبون يسأله عن نبتة ما فيقول له: بخمسين..بثلاثين (شيل)؛ فالجو حار.

وبعد قليل سيكون مصير تلك النباتات سلة المهملات، وهكذا لن يستفيد شيئاً من مساومة فاشلة، على كلٍ يحصل الزبون على ما يريد بعشرين درهماً فقط، دون أن تظهر إشارات السعادة على وجه البائع؛ فالسعر غالباً لم يعجبه!

محمد علي، أحد الباعة الموجودين هناك، أيقظناه من شبه إغفاءة ساعة الظهيرة، ظن بأن هناك زبوناً، يستقيم قليلا دون اكتراث، ثم يتحول هذا اللاكتراث الى إهمال حينما علم ماذا نريد منه، وهو يؤكد أن حركة العمل في سوق الجمعة مختلفة عما كانت عليه في السابق، ولأجل هذا صارت هذه المهنة غير مربحة، بل تحتاج الى زبائن جدد، وفي كل الأحوال.

ويقول محمد في حديثه مع (الحواس الخمس):ليس هناك ما يغري في الاستمرار، لاسيما أن بعض الزبائن ليست لديهم ثقة في أن ما نقدمه لهم أقل سعراً مما هو موجود بالسوق، منوهاً انه يستنزف كل وقته في مناكفات مع الزبائن؛ فالبضاعة الموجودة في السوق كلها ذات مصدر واحد، تحديداً بالنسبة لموضوع السجاد والأسعار متقاربة، ولكن الجميع يريد سعراً اقل بكثير في سوق الجمعة، وهذا أمر لا يعقل.

كما قال!ولعل المطاعم المتنقلة.على الرغم من الشك في جودتها وصحتها، إلا أنها تلقى إقبالا من قبل الزائرين كثيراً، وتحديداً الأطعمة المحلية والتقليدية التي يتناولها المرء خلال سفره قادماً او عائداً من الفجيرة، وهنا يقول محمد خان إن «الهريس» و«البرياني» يلقيان إقبالاً دائماً من قبل الجميع.

والمأكولات التي يحضرها منذ أكثر من عشر سنوات صنعت له زبائن كثر، يأتونه طلباً للطعام لديه، واعتقد حسن بأننا جئنا إليه من أجل الحصول على بعض الفاكهة، لم نخيب أمله طبعاً، ولكن طبيعة أسئلتنا إليه أكدت أنه مقل بالكلام.

يريد العمل فقط، وقد أشار إلى نوع من الموز المحلي، يطلق عليه (عماني)، وبرتقال يقول عنه إنه حلو المذاق من الفجيرة، ثم أمسك برتقالة وجردها من قشرها بسرعة البرق، ربما بقصد إحراج الزبون أن يأخذ بعضاً من الفاكهة، التي يؤكد على الرغم من قدمها أنها طازجة.

وفي نهاية تجوالنا أدركنا أن بين ما يريده الباعة، وما يرغب فيه الزبون فرق شاسع، ومساحة طويلة من حوار يبدأ ولا ينتهي، على ضفتي طريق للعابرين فقط.

الفجيرة- جمال آدم