«الفوتوغرافي ابن اللحظة الحاسمة»، «أعتقد بأنني مهووس فعلاً، ثمة شيء ما في الداخل؛ ففكرة أن هذا العالم الموجود داخل هذا الإطار (أي الصورة) وكل هذه الأشياء من حولنا فيها الكثير من التفاصيل الجديرة بالبحث والتأصيل»؛ مقتطفات من تصريحات مؤثرة ودقيقة إلى أبعد حدود تمثل انعكاساً واضحاً لشخصية المصور العالمي المغربي الأصل وهب مبخوت، الذي يتمتع بكثير من الهدوء والشفافية والفضول الخلاق، خصوصاً أنه عمل كمصمّم لفترة من الزمن، ثم عارضاً للأزياء مع أكبر دور الموضة في إيطاليا، وهذا العمل الأخير وطد علاقته مع أفضل مصوري الأزياء العالميين، ومن هنا كان طريق العودة من جديد إلى أحضان التصوير الفوتوغرافي.

وفى سياق حواره الخاص مع (الحواس الخمس) يقول وهب مبخوت: الحافز الانفعالي لدى المصور الفوتوغرافي المحترف هو الذي يخلق لديه الشعور المختلف عن الإنسان العادي تجاه موقف أو مشهد أو صورة، ويخلق عنده أيضاً ردة فعل إيجابية تكون باعثاً ومحفزاً لعمل إبداعي جديد، لمسته الخاصة تجعل من الشيء العادي أمراً يصل إلى أن يكون خارقاً وخلاقاً. ويضيف وهب: عين المصور وإحساسه هما العنصران الأساسيان لالتقاط ما قد لا يراه الآخرون، فمن الطبيعي جدًّا أن نكون في جلسة نحتسي القهوة، وتمتد يدي بلا شعور للكاميرا، لألتقط موقفًا لا يحتمل التأجيل، ولو كنت متحدثاً في تلك اللحظة، فكوني أتحدث لا يعني أنني في عالم آخر أجمل، أيضاً السمة التي قد تكون مأخوذة عني «الشرود أو السرحان» لحظة الأحاديث العامة، حقيقة، هو ليس سرحاناً، بقدر ما هو التقاط لحكاية، أو كلمة أحياناً.. أبتدئ منها بالعمل على فكرةٍ ما، أنا قلق بطبعي، وربما تشغلني وتقلقني فكرةٍ حد الإعياء في أحيانٍ كثيرة.

فالكثير من الأفكار تواجهني شخصياً صعوبات في تنفيذها، ولا يكون في مقدوري حينها سوى تنفيذها بقلم رصاص مرسومة في دفتري الصغير. هناك أفكار تتطلب «موديلز» بمواصفات معينة، ناهيك عن أن توفر «موديلز» في الأحوال العادية شبه معدوم بالنسبة لي، بالتأكيد إن للنظرة التي لا تزال قاصرة في مجتمعنا- للأسف الشديد- تجاه هذا الفن تأثيراً عميقاً، وإن أنكروا ذلك. وعن كيفية إتقانه هذا الفن دون دراسة متخصصة في معاهد التصوير، يقول: إن التصوير يعتمد بالدرجة الأولى على الشغف الكبير وحب العدسة، ثم العين الجيدة والموهبة الفطرية في اختيار اللقطة الأفضل من الزاوية المناسبة، والباقي تقنيات وأساليب يمكن دراستها وتعلمها، وأنا بحكم هوسي القديم بالكاميرات فقد كنت تواقاً لتعّلم كل مستجدات هذا الفن، ولا أبالغ إذا قلت إنني قرأت معظم ما ألفه أفضل خبراء التصوير، وكنت حريصاً على الاطلاع على أشهر أعمال مصوريّ الموضة في العالم، لقد اشتغلت على نفسي بنفسي، وثقفت ذاتي، ولاحقت كل جديد في عالم التصوير الضوئي؛ لأتعلم أصول العمل كما يجب.

ويضيف مبخوت: اتجاهي لتصوير موضوعات محددة (الموضة، والبورتريه، واللايف ستايل) جاء بسبب احتكاكي بمصمّمي الأزياء وعملي معهم كموديل وعارض، وبالتجربة والخبرة تعلمت أدق أسرار المهنة ومتطلباتها. وفن التصوير عموماً لا يقف عند كبسة زر الكاميرا فقط، ولكنه حوار متواصل لخلق صورة تتكلم وتعبر عن المشهد. فالتصوير رسالة، وقوة وفعالية هذه الرسالة تتلخص بوصول المعنى للمتلقي فيقرأها ويفهم المضمون وراء اللقطة، ودائماً الفكرة الجيدة هي التي تحدد قوة الرسالة أو الصورة وموضوعها. ويتابع: عموماً أنا أحب كل أنواع التصوير الفوتوغرافي، ولكنني مؤمن بالتخصص، وتصوير الإعلانات التجارية عالم خاص بذاته، وهو محور مهم جداً، وفن راق من فنون التصوير الضوئي له مدارس وأصول تدرّس على مستوى العالم، فكونك تصّور منتجاً ما ترغب في تسويقه لعين المتلقي، أولاً لتشد انتباهه ثم لتداعب حواسه فتغريه ليقع في حب الصورة ويفكر في شراء المنتج، وكأنك تلعب على حواسه وتدغدغ خياله وأفكاره وهذا هو سر جمال الصنعة في التصوير التجاري الذي يسوق الفكرة جيدا.

وجوه معبرة

وعن أشهر من صوّر لها من بيوت الأزياء العالمية يذكر مبخوت: لقد عملت لثماني سنوات كمصّور خاص لدار (دولشي أند جابانا) للأزياء، كما صوّرت أعمال المصممّ الشهير (كلافن كلاين)، والمصممّ (جيان فرانكو فري) وللكثير من دور الأزياء ومجلات الموضة؛ كمجلة (فوغ).

ويرى مبخوت أن الإلهام هو شرط أساسي؛ فالفنان لا يخرج بعمل قوي إلا بعد رؤيته في مخيلته ليقول وجدت ما أبحث عنه، فعلى سبيل المثال الطبيعة موجودة تنتظر من يقدمها في إطار جميل، ويمكن لأي أحد أن يعود إليها ويصورها؛ لكن العمل الناجح لا يخرج إلا من إلهام، حيث يتأمل الفنان الطبيعة، ويكتشف زوايا جديدة يستعد لها، ويلتقطها في الوقت المناسب من اليوم ليخرج بتحفة رائعة لا مثيل لها.

ويؤكد وهب مبخوت أن نشأته في الدار البيضاء، ومن ثم هجرته المبكرة إلى إيطاليا لها اثر كبير في توجهاته الفنية والمهنية، ولا ينكر أنه كان موهوباً منذ نعومة أظفاره وعاشقاً للتصوير، حيث اكتشف ذلك عندما اشترى له والده كاميراته الأولى، وهو لا يزال في سن الثالثة عشرة، فأصبح مهووساً بحملها، مصوراً كل ما استطاع التقاطه من مشاهد الزمن.

غير مدرك لحقيقة ما ستلعبه هذه العدسة الصغيرة في التغير الذي سيطال كل مسارات حياته، يقول مبخوت: كان الأمر في البداية مجرد لعب وفضول حول صوت الكاميرا ووميض الفلاشات، ثم تطور إلى انتقائية في رصد اللقطات، ورؤية في اختيار المشاهد. ولطالما استوقفتني وبهرتني فكرة توقف الزمن لومضة من الضوء الخاطف لتسجّل حدثاً، تعبيراً، أو منظراً، وتخلده في أرشيف الذاكرة، حتى أطول من عمر الحياة نفسها، وكأنه نوع من السحر.

توقف مبخوت لفترة عن التصوير ولم يستمر، فقد فرض الزمن ملامحه على حياة هذا الفتى، واضطر كغيره من الشباب العربي للاغتراب بعيداً عن الوطن ليثبت ذاته ويجد فرصة عيشه؛ فهاجر إلى إيطاليا، وقَبِلَ كل ما توفر إليه من فرص العمل، غير مكترث بشيء سوى النهل من كل ما تجود به الحياة من تجارب ودروس، ويستذكر مبخوت هذه السنوات بحب.

فيقول: لم أجد في غربتي وقتاً لممارسة هوايتي في التصوير، فاضطررت للعمل كسائق عند مصمم أزياء إيطالي كان يصطحبني معه إلى الأسواق، ومصانع الأقمشة، فتعلمت معه ومنه شغف الإحساس بملمس الخامات، والنظرة الثاقبة في اختيار الألوان، وتناغم الأشكال مع الزخارف، وهو ما حرك في داخلي روح الفنان من جديد؛ فقررت أخذ «كورسات» خاصة في مدارس تصميم الأزياء المتخصصة، وهي كثيرة في ميلانو.

ويضيف: عملت بعدها، وتعرفت إلى التقنيات الحديثة في هذا المجال وتشربت كل أبجديات فن تصوير الأزياء، وبدأ فصل جديد من حياتي؛ فتحولت بمكاني من الوقوف والاستعراض أمام الكاميرا إلى التصوير وراءها، مستعيناً بعلاقاتي الشخصية وصداقاتي مع المصمّمين الإيطاليين الذين فتحوا لي الأبواب ومنحوني فرصة عمري، فصّورت حسب رؤيتي وأسلوبي الخاص منتقيات من أعمالهم، وأعجبهم عملي، ونشرت صوري على أغلفة المجلات.

ويقول: أنا محظوظ بالاستقرار أخيراً في الإمارات بعد غربة استمرت أكثر من عشرين عاما، تنقلت فيها بين أوروبا وجنوب إفريقيا، وأتطلع قدماً للعمل على فتح استديو فني خاص بي، لأنطلق من دبي وأمارس عملي وهوايتي وحب حياتي. وحالياً أحضر لفكرة مشروع تصوير خاص لوجوه معبّرة من الإمارات، وبالأبيض والأسود بكاميرا (فيلم)، مع استخدام الرتوش اليدوية باحتراف بالفرشاة والقلم، وبأسلوبي الخاص، وحسب رؤيتي الفنية، لعرضها في معرض فني يؤرخ لذاكرة التصوير في الإمارات

دبى : رشا عبد المنعم