بعد غياب دام أكثر من سبع سنوات، وبعد آخر أفلامه »مواطن ومخبر وحرامي«، يعود المخرج داوود عبدالسيد إلى جمهور شاشة السينما هذا الموسم بفيلم من تأليفه وإخراجه، وبدعم من وزارة الثقافة المصرية، بالتعاون مع الشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي؛ وهو فيلم (رسائل البحر).

(رسائل البحر)، فيلم يحمل »تيمة« مختلفة على مسامع الجمهور المصري الذي اعتاد في الأيام الأخيرة موجة من أفلام الكوميديا والعنف التي سادت الموسم السينمائي الأخير، فهو يقدم وجهة نظر شديدة الصعوبة على المشاهد البسيط، حيث قدمها المخرج بشكل فلسفي عميق جدا، وهي فكرة التحرر من قيود تبعية الأهل نحو الحرية المفرطة، من خلال شخصية يحيى، التي أداها الممثل الشاب آسر ياسين، حيث يترك يحيى منزل أسرته بعد وفاة والديه.

وسفر أخيه الوحيد، ويذهب ليعيش في شقة صغيرة قديمة كانت أسرته تعيش فيها في مدينة الإسكندرية قبل انتقالها إلى القاهرة، ومن خلال جارته الإيطالية يبدأ يحيى استعادة ذكرياته وخلق حياة جديدة، يحاول فيها التأقلم مع الآخر، واتخاذ قراراته بنفسه بعيدا عن وصاية الأبوين اللذين أجبراه على دراسة الطب على الرغم من حبه الموسيقى، ما وضعه في عزلة نفسية مع المجتمع من حوله.

وانعكست هذه العزلة من خلال تلعثمه المتواصل في الحديث مع الناس، عدا نفسه التي يتحدث إليها بكل سهولة ويسر؛ فنراه يجرب كل شيء حرم من مزاولته أثناء وجود والديه، يتردد على بار ويشرب الخمر محاولا التمرد على كل التعاليم التي فرضها عليه والداه، ويحاول البحث عن هوايته في الصيد الذي يعزله عن الناس، إلا قلة منهم يقتحمون عالمه رغماً عنه، ويحاولون فرض وصايتهم عليه من جديد، كل حسب أسلوبه، فنرى نورا، بسمة، التي تدخل حياته دون سابق إنذار، وتعرفه بنفسها على أنها فتاة ليل تبيع الهوى لمن يدفع أكثر.

وتحاول نورا إزاحة الأفكار الطفولية عن عقل يحيى، وربطه بالواقع المحيط به مهما كانت درجة رفضه هذا الواقع، وتخيره إما أن يقبلها بفعلتها أو يتركها للأبد، ويستسلم لها يحيى ويقبل بهذه الحياة المشينة لكرامة أي رجل؛ كون نورا مثالا للحرية لديه، ويعاود يحيى من جديد البحث عن هوايته، عندما يسمع أصوات موسيقى تخرج من نافذة أحد المنازل التي يدمن بعد ذلك التردد عليها ليستمع إلى ما يعزفه هذا المجهول خلف الستائر، ومع الوقت نكتشف أنه منزل نورا صديقته المتزوجة من رجل ثري يقضي معها بعض الليالي كل شهر تحت مسمى زواج المتعة، ولم تجد نورا عزاء لها إلا أن تطلق على نفسها لقب »عاهرة ولكن بعقد«.

أما يحيى الذي يمضي متجولا بين الشوارع يبحث عن حياة جديدة حرة ترضي رغباته فيصطدم بذكريات ماضيه مع جارته الإيطالية كارلا التي لا تجد متعتها إلا في حياة الغواية، على حسب تعبيرها، مع امراة أخرى لتتبادلا الحب في شقة يحيي، وتنقطع الصلة بين يحيي وكارلا بعدما يصطدم بالتغيير الذي أصابها، ليعود فجأة إلى نورا التي تختفي وسط الأحداث لدرجة أن المشاهدين في صالة العرض أغفلوا وجودها.

وتعود من جديد لتواصل ما انقطع مع يحيى، الذي هو مثال للرجل الطفل عندها، والذي يحمل من البراءة والسذاجة ما يجعلها تقرر أن تؤلمه بين الحين والآخر لتحكي له بعضا من مغامراتها مع الرجال أو الزبائن كي ينضج تفكيره وتكثر خبراته، إلى أن يقررا أن يغوصا معاً في باطن البحر دون الاهتمام بما ينتظرهما من مآسي الدنيا.

الفيلم ببساطة يستعرض قضايا اجتماعية عدة تعاني منها بعض الفئات في مجتمعنا المصري والعربي، وهي قهر رغبات الأبناء وسيطرة الآباء دون مجادلة أو نقاش لما يفضله أبناؤهم، وكثير من المشكلات النفسية التي يعانيها الأبناء طوال حياتهم، يكون السبب الأول فيها معاملة الآباء لهم، وكبح شهوة التمرد والاختيار والابتكار بداخلهم، كما جاء على لسان نورا أكثر من مرة أن على يحيى أن يرضى بواقعه كما هو دون أية محاولة منه لتغيير هذا الواقع أو الجدال فيه.

وشخصية نورا ما هي إلا امتداد غير مباشر لشخصيتي والديه اللتين تحرر يحيي من سلطاتهما عليه بعد وفاتهما، وكأن على الإنسان أن يفقد انتماءه لعائلته ليثور على نفسه ويتحرر من قيود الطفولة، فيحيى يفضل الوحدة التي رافقته بعد فقدان أهله على أن يبقى مقيدا للأبد برابط أسري يلف عنقه، بل أصبحت هذه الوحدة تساوي لديه حرية لا حدود لها افتقدها طوال حياته.

عمد المخرج وكاتب الفيلم إلى تغريب السيناريو وفكرة الفيلم، فلم يفصح عنها مباشرة، ولا عن أية فكرة أخرى حملها الفيلم، لكن انصب اهتمام المخرج نحو تصوير جمال البحر في مدينة الإسكندرية التي احتلت أكثر من نصف الأحداث، وجعلت زمن الفيلم يزيد على الساعتين، إضافة إلى مشاهد لعمارات قديمة تراثية لا تمت للفيلم بأية صلة سوى إضاعة وقت الجمهور الذي بدا قلقاً في صالة العرض من إطالة المشاهد المقحمة على الفيلم، ومن الأداء البارد لمجموعة العمل على رأسهم الممثلة بسمة (نورا) التي لم تعطنا أي إحساس بالدور.

فوجهها منذ بداية الفيلم حتى نهايته يقف عند تعبير واحد دون سواه، أما آسر ياسين (يحيي) فحدّث ولا حرج، يمتد به مشهد مع محمد لطفي (قابيل) الذي قابله مصادفة في أحد البارات واقتحم حياته دون استئذان، وقد أغرق هذا المشهد صالة العرض في الضحك عندما تكلم يحيى بشكل طبيعي ومتواصل دون تلعثم، وبعد لحظات تذكر أن الشخصية تستدعي منه التلعثم في الحديث فصحح مساره.

دون أن ينتبه المخرج لذلك، أما محمد لطفي فهو كعادته بصوته الأجش وعضلاته المفرودة على الجميع، وحركات كتفه تغطي شاشة العرض فلا يسع المشاهدين سوى الاستمرار في الضحك والسخرية وتعزية أنفسهم على ثمن التذكرة الذي دفعوه ليشاهدوا مجموعة من المشاهد العشوائية، التي أسهمت في إنتاجها الملايين التي دفعتها وزارة الثقافة للمشاركة في إنتاج هذا الفيلم.

الفيلم: «رسائل البحر»

بطولة : آسر ياسين - بسمة - محمد لطفي

تأليف وإخراج : داوود عبدالسيد

إنتاج وتوزيع: الشركة العربية للسينما

مدة التصوير: 8 أسابيع

سنة العرض: 2010

القاهرة- دار الإعلام العربية