لم يتجاوز ناصر علي السنة العاشرة من عمره، لكنه يحمل معه باستمرار هاتفه المتحرك في البيت والمدرسة، حيث ترى أمه أن وجود الهاتف المتحرك عند الصبي ضروري للتواصل معه، والاطمئنان عليه، خصوصا أن ساعات دوامها طويلة، لذا فهي تعرف تفاصيله عن طريق الهاتف المتحرك، كان الحديث مستمرا مع الأم بينما يلعب الصبي بهاتفه، وهو مأخوذ به بعيدا عن حديثنا ونقاشنا، وقد حاولت الام تفسير الامر قائلة اشترينا له يوم أمس هاتفا جديدا، لذا يكون مشغولا جدا به، ويحاول اكتشاف كل شيء فيه.
علاقة الاطفال بالهواتف المتحركة لم تعد أمرا غير مألوف؛ فمع كل الدراسات التي تحذر من مخاطر الهاتف المتحرك على الأطفال نجد كثيرا من الأهل يستسلمون لرغبة الصغار بامتلاك هواتف خاصة بهم، مبررين الأمر بالرغبة بالتواصل مع أبنائهم، بينما يتعامل الأطفال مع الأمر على أنه فرصة للعب والتباهي أمام الأصدقاء، وهذا الأمر ينعكس على سلوكهم واهتماماتهم، وعلاقاتهم بالمحيط، فحمل الطفل الهاتف المتحرك قد يحمل من المخاطر أكثر مما هو ظاهر في الحقيقة، مع أن الأهل يدافعون عن هذا الاختيار، كونه يوفر لهم قدرا من التواصل مع الطفل حين يغيب عن أعينهم.
حيث تقول سحر الهاشمي: (طفلي في الحادية عشرة من عمره، وهو يمتلك هاتفا متحركا يستخدمه عند خروجه من البيت، وقد كان في البداية يلح في طلبه للهاتف المتحرك بسبب مشاهدته لأصدقائه، وهم يمتلكون أجهزتهم الخاصة، ولكنه لم يهتم به كثيرا بعد أن توفر له، وبالنسبة لي أرى أن حمل الطفل (للموبايل) يحمل إيجابيات وسلبيات؛ فالسلبيات تتركز في شغل الطفل بأمور اللعب بالجهاز والثرثرات الفارغة، والمصاريف الزائدة للنغمات والرسائل والألعاب، أما الايجابيات؛ فهي تتلخص بوجود وسيلة اتصال عند الطفل توفر للأهل الفرصة للاطمئنان عليه ومتابعته ومعرفة أماكن وجوده، خصوصا حين يكون الأهل مشغولين في أعمالهم بعيدا عن البيت).
والأطفال يرون أن اقتناء الموبايل أصبح أمرا طبيعيا، حيث يقول مراد صالح، 11 عاما: (عندي هاتف متحرك، ولكني لست وحدي؛ فكل أصدقائي لديهم هواتف، وأنا أستخدمه في الأغاني والألعاب والصور، وفي الأيام المفتوحة أحمله معي إلى المدرسة، حيث يحضر الجميع هواتفهم ونتبادل النغمات وتسجيلات الفيديو، وهناك أصدقاء لي عندهم جهاز البلاك بيري والهواتف الحديثة، وبعضهم لديهم هواتف قديمة كذلك، وأنا استخدم الهاتف لأتصل بأهلي، أو يتصلون بي، خصوصا حين أخرج مع أصدقائي، وفي الغالب لا أرد على الأرقام التي لا أعرفها، أو أعود اتصل لأعرف هوية المتصل لأن رقمي معروف لأهلي فقط).
هناك أطفال يستخدمون هواتف أمهاتهم عند خروجهم من المنزل مع أصدقائهم، كي لا يشعروا بأنهم أقل من أقرانهم في هذا الأمر، ما يجعل الأهل يشترون الهواتف مرتفعة الثمن للطفل بسبب شعورهم بأن هذا الأمر سيجعلهم متساوين مع أقرانهم وليس أقل منهم، ولكن هذا الأمر قد يعرض الطفل لمخاطر السرقة إذا كانت تلك الهواتف مرتفعة الثمن، ومن النوعيات الحديثة.
والهاتف المتحرك ممنوع في المدارس، لكنه أصبح حالة شائعة، كما يشير سعيد مصبح الكعبي مدير مدرسة قائلا: (المجتمع للأسف لا يحكمه المنطق في كثير من تفاصيله، وإنما يكون محكوما بالواقع، لذا نجد بعض الأهل يشترون لأبنائهم هواتف متحركة مجبرين؛ فعاطفة الأب أحيانا تحركه نحوه ابنه خاصة إذا كان الولد مطيعا، ومتفوقا لشراء هاتف متحرك له، لكي لا يشعر الولد أنه أقل من غيره، وهناك آباء يرفضون قطعيا مثل هذا الأمر بغض النظر عن رغبة الطفل وما يعتقده.
وهناك مجموعة أخرى من الآباء للأسف هي التي تشتري للأبناء ما يرغبون بغض النظر عن مخاطر الأمر، فهم لا يهتمون بالجوانب التربوية بقدر ما يهتمون بالابتعاد عن وجع الرأس، وفي رأيي أن الهاتف المتحرك غير مناسب للطفل دون الخامسة عشرة، واستخدامه يجب أن يكون في حالات اضطرارية، كأن يكون الابناء في مكان عام وحدهم ينبغي الاتصال بهم.
لذا لا يكون الهاتف من مقتنيات الطفل، وإنما من مقتنيات الأسرة، وفي المدارس يمنع القانون استخدام أو وجود الهواتف المتحركة، لكننا نغض الطرف عن وجودها في حالة عدم اساءة استخدامها واقتصارها على حالات الخروج من المدرسة، والاتصال بالوالدين لأغراض توصيل الأبناء، لكنها غير مسموحة في المدارس ومن لا يلتزم بالقانون يصادر الهاتف منه، ويستدعى ولي أمره لمناقشة الموضوع).
ولتلك الظاهرة مخاطر كثيرة من الجانب الاجتماعي تحدثت عنها الاختصاصية الاجتماعية الهام الحاج قائلة: (انا شخصيا ضد أن يقتني الطفل هاتفا متحركا، لان هذا الأمر يزيد عزلة الاطفال على عكس المتوقع باعتبار الموبايل وسيله تواصل كما يعتقد الأهل، فهو يزيد العزلة الاجتماعية، ويضاعف مشاكل سوء التواصل، ويفتح ابوابا كثيرة للمشاكل السلوكية، إذ إن الطفل قد يستقبل مكالمات لا تناسب عمره وقد تصله رسائل تنتهك طفولته وبراءته، وقد يدخل عالم النت بتشعباته المخيفة.
والاهم من كل هذا انه يعتمد في حل مشكلاته على الأهل بشكل كلي، إذ يعتقد أنه بمجرد الاتصال مع الاهل سيحصل على الحلول، واذا اضاع هاتفه المتحرك فانه سيكون مجردا من الحماية، وهذا ما يتم ترسيخه في عقله، بينما لو استغنى عن هذه الوسيله لامكنه الاختلاط اكثر اجتماعيا عبر التواصل بالحديث والعيون ولغه الجسد، ولأمكنه اكتساب ذكاء اجتماعي في حل مشكلاته، وأمكن الاخرين من حوله بناء علاقات حميمة وعميقة معه.
ولجنب نفسه الدخول في نوع من ادمان هذه الوسيلة المغرية التي لم تصنع له، لذا يفضل أن يبعد الطفل عن الهاتف المتحرك واقناعه بطريقة سليمة أن هذا الجهاز لا يناسب عمره، وإن عدم حصوله على جهاز الموبايل لا يعني أنه أقل من أقرانه، بل هو متميز بشخصيته ونجاحه لا بما يقتني أو يحمل من أجهزة حديثة).
عزلة
تقول الهام الحاج: اقتناء الهاتف المتحرك يزيد عزلة الاطفال على عكس المتوقع باعتبار الموبايل وسيلة تواصل، كما يعتقد الأهل، فهو يضاعف مشاكل سوء التواصل والعزلة الاجتماعية.
ضرورة
يقول سعيد الكعبي: في المدارس يمنع القانون وجود الهواتف المتحركة، لكننا نغض الطرف عن وجودها في حالة عدم اساءة استخدامها واقتصارها على حالات الخروج من المدرسة والاتصال بالوالدين.
ترف
يقول مراد صالح: كل أصدقائي لديهم هواتف، وأنا أستخدمه في الأغاني والألعاب والصور، وفي الأيام المفتوحة أحمله معي إلى المدرسة، حيث يحضر جميع أصدقائي هواتفهم، ونتبادل النغمات وتسجيلات الفيديو.
دبي ـ دلال جويد



