وسط تلال من المباني الأسمنتية الشاهقة التي مهما تفنن القائمون على تنفيذها بإضفاء لمسات جمالية، تظل كيانات أسمنتية جوفاء تعلن عن الوجه القبيح للمدنية، لكن وسط هذه التلال تجد شريانا للحياة لايزال ينبض ويتنفس، قادرا على إضفاء البسمة والنقاء على الرغم من كل الانتقادات واتهامات التراجع والإهمال.
تظل «جنينة الحيوان»، أو حديقة حيوان الجيزة المتنفس الأشهر للمصريين والزائرين العرب والأجانب، تظل دوما قبلة كل عاشق للخضرة، لغرائب عالم الحيوان، للفصائل والألوان النادرة لمختلف ما يدب على البسيطة من شجر وطير وحيوان.. وفي وقت تجرى فيه محاولات جادة من جانب القائمين على شأن الحديقة لإعادتها إلى مكانتها العالمية.. تظل قلوب المصريين وزوارهم مرتبطة بهذا المكان الذي لا يتكرر، ولا يعرفون للأعياد طعما ومذاقا ورائحة ونسمة هواء إلا بين جنباتها التي نتعرف إليها باختصار عبر السطور التالية.
جمعت عبدالحليم حافظ وفاتن حمامة في «كان يوم حبك أجمل صدفة».. اخترقت جداولها ومناظرها الجميلة مشاهد السينما، وفضل نجم الكوميديا الذي لن يتكرر إسماعيل يس أن ترتبط باسمه في أحد الأفلام الذي دارت معظم تفاصيله بين جنباتها.. كما عقد فيها الرئيس السادات عددا من اجتماعاته المهمة، وشهدت قبل سنوات لقاء مصالحة بين الرئيس السوداني عمر البشير والزعيم الجنوبي الراحل جون جارنج.. وأطلق عليها الخبراء درة جوهرة التاج الأفريقي.. ذلك أنها أكبر حدائق الحيوان بالشرق الأوسط وأعرق الحدائق الأفريقية على الإطلاق، فقد أمر الخديوي إسماعيل بإنشائها، وتأسست خلال العام 1981م على مساحة تزيد على 80 فداناً، وبدأت بعرض أزهار ونباتات مستوردة لم تكن موجودة أو مألوفة في البيئة المصرية أو العربية، وبعدها تم افتتاحها للحيوانات حتى وصل بها عدد الحيوانات حالياً إلى ما يقرب من 6 آلاف نوع، وتضم متحفاً يحتوي على مجموعة نادرة ومختارة من الزواحف والطيور من أنحاء العالم كافة، فكانت ومازالت مقصد الزائرين والدارسين والعلماء، كل يجد فيها ضالته وهدفه.
حديقة الملايين
نجحت حديقة الحيوان عبر رحلتها التاريخية في حجز مكانة خاصة داخل ذاكرة المصريين فلا يمكن الاحتفال بالأعياد أو الإجازات دون أن يطرق أبوابها الملايين.. وما إن تصل إلى البوابة الرئيسية للحديقة التي تقع في شارع شارل ديجول، حتى تجد الباعة الجائلين يحيطون بأسوارها، أكياس الشيبسي، المياه الغازية، العرائس والبالونات، الأطعمة المغلفة على اختلاف أنواعها وأسعارها، بينما هناك كثير من المواطنين الذين يزورون الحديقة يأخذون احتياطاتهم لكل ما يحتاجونه من طعام وشراب هم وأطفالهم خلال يومهم داخل الحديقة، حيث يقضون يوما كاملا بداية من الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساء، لذلك تجد كثيرا من الأسر تحضر معها مؤنا غذائية تكفيها أسبوعا كاملا.. ولا ندري هل لذلك علاقة باتساع الشهية والمعدة بين أشجار الحديقة التي يزيد عمرها على المائة وعشرين عاما، أم أنهم سيطعمون أيضا ما يزورونه من حيوانات.
تضم الحديقة العديد من المباني والمناطق الأثرية التي تجاوز عمر بعضها المئة وأربعين عاما، خاصة الموجود منها في المنطقة المحيطة بالجبلاية، وهي مناطق مغلقة لا يسمح بدخولها باعتبارها آثارا يجب المحافظة عليها ورعايتها.. فإذا كانت الحديقة التي أنشئت قبل 140 عاما يعتبر كثير من أجزائها مناطق أثرية مثل بواباتها الشاهقة التي أنشئت في العام 1891، وتحتوي على رسوم مجسمة لحيوانات متنوعة، فإن الحديقة تضم أيضا إلى جانب آلاف الأنواع من الحيوانات والأشجار بعض المنشآت المتميزة مثل الكوبري المعلق وجبلاية الشمعدان والبوابة القديمة والكشك الياباني ومتحف الحيوان والاستراحة الملكية وكشك الموسيقى والجبلاية الملكية وجبلاية الإبداع وكشك البقرة المقدسة والحرملك، وهي مبانٍ شبه ممنوعة على الزائر العادي. فعند دخولك الحديقة من الباب المطل على ميدان الجيزة والمجاور لكلية الزراعة تلاحظ بعد بضعة أمتار من الجهة اليمنى مبنى ذا طراز ياباني فريد، محاطا بسور حديدي متهالك، وبوابته أغلقت في وجه الجمهور، وعلى المبنى ثبتت لافتة كتب عليها «الكشك الياباني».. وكان الخديوي فؤاد باشا قد أمر بإنشائه في العام 1924 بمناسبة زيارة إمبراطور اليابان السابق عندما كان وليًا لعهد اليابان إلى مصر، وهو متحف المقتنيات والصور الفوتوغرافية لحديقة الحيوان قديمًا وحديثًا.. وهذا الكشك ممنوع دخوله لزوار الحديقة العاديين، ونادرا ما يفتح عند زيارة وفود مهمة للحديقة .
وعلى بعد خطوات من الكشك الياباني يلاحظ الزائر بوابة مزينة بالصخور هي بوابة «مغارة الشمعدان»، وهي مغارة متفردة تشبه إلى حد كبير مغارات حديقة الأسماك، إلا أنها أقدم منها، وتحتوي على العديد من النباتات النادرة التي تتميز بها، كما تحتوي على كوبري معلق يمر من فوق ممر مائي.
الاستراحة الملكية
كما يتوسط الحديقة مبنى خشبي كبير تحول إلى مكتب مدير الحديقة وبعض مسؤولي وزارة الزراعة، وهو في الحقيقة من الاستراحات الملكية النادرة، وتعتبر الاستراحة الملكية أكثر تميزًا على مستوى العالم لما لها من طابع معماري متميز، ولمكانها المتفرد وسط الحديقة، وقد شهدت الاستراحة استقبال العديد من الملوك ورؤساء دول العالم واحتفالات بأعياد الميلاد والتنزه لأطفال العائلة المالكة، كما شهدت احتفالات قومية وزيارات رسمية، فقد كان الرئيس السادات يعقد بها بعض الاجتماعات ذات الطابع السري، ولم تفقد الاستراحة أهميتها حتى وقت قريب عندما شهدت لقاء المصالحة بين الرئيس السوداني عمر البشير والزعيم الجنوبي الراحل جون جارنج.
أما في أقصى جنوب الحديقة فيلفت نظر الزائر مبنى ضخم أبيض اللون، له مدخل واحد فقط عبارة عن بوابة حديدية ويطل أحد جوانبه على بحيرة صناعية بها نافورة، وكتب فوق بابه «متحف الحيوان»، وهو من أقدم متاحف الحيوان في العالم، أنشئ في العام 1906 ويضم مجموعات نادرة من الحيوانات والطيور والزواحف المحنطة.. وعلى الرغم من ذلك، فالمتحف مغلق منذ سنوات بعيدة.. أيضا وفي وسط الحديقة وبالقرب من الاستراحة الملكية توجد كبرى جبلايات الحديقة وهي ما يطلق عليها الجبلاية الملكية، التي بناها المهندس التركي سايبوس عام 1867، وصمم فيها طريقًا حلزونيًّا للصعود والهبوط؛ حيث كان هذا الطريق مخصصًا لنزهة الملك فاروق، وكانت هذه هي نزهته المفضلة داخل الحديقة، وقد تم بناء الجبلاية بطريقة هندسية نادرة تجعلها مكيفة الهواء بطريقة طبيعية، ويتم تكبير الصوت دون الحاجة إلى مكبرات، وتوجد بها مجموعة تماثيل على هيئة حيوانات متنوعة، والأرضية مفروشة بالزلط عليها رسومات فنية بديعة، كما توجد بها مجموعة من الصبارات والأشجار النادرة.
البجع والكباش
وعلى بعد أمتار قليلة من الباب الرئيسي للحديقة، تقع عيناك على بحيرة البجع التي تنتظر كل يوم قدوم الأطفال الذين يسعون في بداية جولتهم إلى الحصول على أسماك من الحارس ليسعدوا بإلقائها إلى البجع، وبعد أن يملأ الزائر عينيه بجمال هذه الطيور يقع نظره مباشرة على بيت الكباش الذي يضم عدداً هائلاً تم استيراده من عدة دول بقارتي أفريقيا وأستراليا، يتسابق الجميع لإطعامها من خلال عصا مدببة من الخلف يتم وضع الخس والجزر عليها ويقوم كل شخص بتقديم الطعام إليها نظير مبلغ بسيط يعطيه للحارس.
أما حراس فرس النهر الذي يعتبر من أهم معالم الحديقة فيؤكدون أن هناك ألفة شديدة أصبحت تربط بينه وبينهم، فهو يرفع رأسه من المياه بأمر حارسه انتظاراً لإطعام الرواد له، ويطلق رواد الحديقة عليه اسم «سيد قشطة»، يخرج من الماء ليداعب الزوار باستمرار ويحصل على غذائه من الحارس الذي ينادي كل واحد باسمه، ويلتقط الأطفال والكبار معه الصور التذكارية أثناء قيامه بفتح فمه الكبير.
عرين الأسد
وغالبا ما يقصد الزوار عرين الأسد الذي يطلق عليه «ملك الغابة» وبرغم القفص الحديدي الذي تم إغلاقه بإحكام، فإن سورا آخر أحاط بذلك القفص لإبعاد الزوار عنه لأمتار قليلة، خوفا من أن يقترب أحدهم منه ويحاول لمسه، لكن لكل قاعدة استثناء، فبسهولة شديدة يمكنك عبور ذلك السور والاقتراب من قفص الأسد واستفزازه أيضا لتلتقط صورة معه، أو أن تصوره وتسجل زئيره بالفيديو.
أما الأطفال جميعا فيسألون عن القرود، فهم يثقون أنه لا حديقة حيوان دون القرد، الذي يضفي جواً من السعادة والبهجة لدى الزوار، عندما يرونه يأتي بحركات متشابهة تماماً مع الإنسان، ويقومون بقذف الفول السوداني والموز إليه فيلتقطها بسرعة كبيرة ويقوم بتقشيرها بحرفية أكبر في غضون ثوان معدودة، وإذا لم تعجبه يقوم بإلقائها مرة أخرى على الزوار، وقد تم استيراد المجموعة الموجودة بالحديقة من عدة مواطن منها الكونغو وتنزانيا وأوغندا.
وفي بيت الفيلة نجد العديد من الأفيال العملاقة من قارة أفريقيا، ويعد بيتها الأكثر إقبالاً من الزوار، حتى إن حارسها يقول عنها إنها «نجم الشباك» في الحديقة، ويقوم الأطفال بمد أيديهم إليها بالطعام، وأحياناً يقوم الحارس بوضع قطعة من الجزر فوق رأس الطفل، الفيل ليلتقطها بواسطة خرطومه الطويل.
وفي قفص مجاور لبيت الفيلة تجد الكنجارو، حيث تبلغ المتعة ذروتها عندما تراه يحمل أبناءه داخل بطنه، مثل المشاهد التي نراها في عالم الحيوان، ويقوم الحارس بتوجيهه لتحية الزوار، حيث يرفع قدمه الأمامية بطريقة جميلة للغاية. ومع اقتراب الساعة الخامسة تبدأ الحديقة فى الإعلان عن إغلاق أبوابها، وتنطفئ الأنوار، أما الحراس فانتهى ما بحوزتهم من طعام وأخذ كل منهم يشير إلى الحيوان الذى يحرسه بالدخول إلى بيته، ولا يملك الحيوان مهما كان جبروته سوى السمع والطاعة على أمل بلقاء آخر في الغد.
القاهرة - دار الإعلام العربية



