عدد من أدوارها في أعمال سينمائية كلاسيكية

زهرة العلا.. 120 فيلماً و50 مسلسلاً

صورة

ثمة انفعالات متباينة تجيش في أوردتي كلما شاهدتها، تلك الفتاة القروية الفقيرة «هنادي»، التي ساقها خالها وشقيقتها «آمنة» لتعملان كخادمتين في بعض البيوت، فساقها القدر إلى أن تعمل لدى مهندس عازب استغل سذاجتها الريفية لينجح في إغوائها، ويعتدي على أعز ما تملك، تتحطم حياتها الغضة، يصل الخبر إلى الخال الذي يتذكر الآن أن له شرفا ولا بد أن يمحو عنه العار، فيقوم بذبحها في استسلام عجيب من جانبها، ويعود إلى والدتها وشقيقتها آمنة بعد أن تلطخت يداه بالجريمة قائلاً بلهجة لا تقبل النقاش: «هنادي أخذها الوباء»!!..

وكان من المفترض بعد هذه العبارة أن ينسى الجميع أمر هنادي، لكن العكس تماماً هو الصحيح، لقد ظلت هنادي علامة فارقة في تاريخ الزهرة.. زهرة العلا.. تلك الفنانة التي يأتينا طيفها من زمن الفن الجميل بكل كلاسيكياته وأخلاقياته.. تلك الفنانة التي آثرت أن تبتعد عن الجديد بعدما حلت عليه الغوغاء الفنية، فضلت النسيان عن الزيف والبهتان.. لكن من ينسى هذه الزهرة.. دعونا نتعرف على سيرة وأحوال هذه الفنانة الجميلة التي اعتذرت عن الحديث مباشرة نظراً لظروف صحية، وفضلت أن تكون المعلومات التالية من خلال ابنتها المخرجة منال الصيفي.. تابعوا معنا رحلة زهرة السينما المصرية.

في حي محرم بك بمدينة الإسكندرية ولدت الفنانة زهرة العلا في العاشر من يونيو عام 1934م، لأسرة بسيطة، بدت عليها موهبة التمثيل والتقليد أثناء دراستها الثانوية، فقد كان والدها صديقاً للفنان يوسف وهبي، فقدمها إليه والذي أشاد بموهبتها، مؤكداً أنها مثال للفتاة العذراء البريئة المغلوبة على أمرها.. ومن ثم التحقت بمعهد التمثيل بمساعدة الفنان زكي طليمات وتمتعت بحس رومانسي عال، فحصلت على دبلوم المعهد العالي للسينما عام 1954 وكانت الأولى على دفعتها..

زهرة برية

قبل 55 عاماً، وبالتحديد في عام 1955، بدأت زهرة العلا مشوارها الفني، كانت بالفعل (زهرة) متفتحة على الحياة، تعيش كما الزهور البرية، متنقلة من مكان إلى آخر، وانتهى بها المطاف إلى كواليس مسرح (رمسيس) حيث التقت لأول مرة الفنان يوسف وهبي الذي كان صديقاً لوالدها..

وتتذكر أول لقاء جمعها معه، مؤكدة أنها بكت في هذا اليوم كما لم تبك في حياتها أبداً، بسبب رفضه انضمامها إلى فرقته، وذلك ليس اعتراضاً منه على موهبتها، وإنما لصغر سنها، فقد كانت آنذاك في الثالثة عشرة من عمرها، يومها قال عملاق المسرح لوالدها: (دعها تستمتع بطفولتها).

وبعد هذه الصدمة وأثناء بكائها اقتربت منها أمينة رزق وربتت على كتفها مطيبة خاطرها، وحينما وجدت إصراراً كبيراً منها قامت بإعطائها خطاباً للفنان زكي طليمات ليقوم بضمها إلى فرقته، وكان الأمر صعباً للغاية بسبب صغر سنها الذي يتنافى مع قانون المعهد، لكنه وافق على دخولها المعهد من أجل أمينة رزق، وقام بضم زهرة إلى فرقته المسرحية التي قام بتكوينها عام 1951.

وضم فيها خريجي المعهد، وشاركت في عروض مهمة منها البخيل، المتزحلقات، بجماليون، وبعد فترة انضمت إلى فرقة إسماعيل ياسين.. وشقت زهرة العلا طريقها فى دنيا الفن، مثبتة أنها صاحبة موهبة من نوع خاص، لم تبتذل نفسها يوماً في أدوار رخيصة، بل قدمت أعمالاً أصبحت في عداد الكلاسيكيات منها (دعاء الكروان)، (رد قلبي)، (المرأة المجهولة) وسواها من الأفلام التي تجاوزت 120 فيلماً و50 مسلسلاً..

لهذا السبب ابتعدت

تعيش زهرة هذه الأيام حالة من الصفاء النفسي برفقة أحفادها، معهم تجد متعتها الأساسية، لا تنشغل من قريب أو بعيد بما يحدث حالياً فى المشهد الفني سينمائياً كان أوتليفزيونياً أو مسرحياً.. لم تعد معنية إلا بمتابعة الكلاسيكيات التي شاركت في صنعها.

وكذلك أعمال بنات جيلها أمثال فاتن حمامة، ماجدة، سميرة أحمد، هند رستم، لبنى عبدالعزيز، شادية، وتموت ألف مرة من الضحك وهي تشاهد إسماعيل ياسين متذكرة مشاهده معها في العديد من الأفلام التي جمعتهما.. لم تبتعد عن المشهد الفني كما روج البعض لعزوف المخرجين عنها جراء أعراض الشيخوخة، إنما الحضور الذهني الكبير الذي تعيشه حالياً مع أحفادها يؤكد أنها ابتعدت بعدما وجدت رئتيها لا تستطيعان التنفس وسط المناخ الفني السائد خلال السنوات الأخيرة..

كيف تستطيع الانسجام مع أفلام العنب والخضار وبحبك يا حمار، وهي التي قدمت عشرات الأفلام التي عُدت من كلاسيكيات السينما المصرية ومنها: (خدعني أبي)، (أنا بنت ناس)، (الإيمان)، (صورة الزفاف)، (حضرة المحترم)، (يسقط الاستعمار)، (جحيم الغيرة)، (طريق السعادة)، (شريك حياتي).

(بعد الوداع)، (عائشة)، (اللقاء الأخير)، (غلطة العمر)، (نافذة على الجنة)، (المال والبنون)، (أنا الحب)، (بنت الجيران)، (آثار على الرمال)، (الملاك الظالم)، (أسعد الأيام)، (ارحم دموعي)، (ليلة من عمري)، (انتصار الحب)، (مملكة النساء)، (عاشق الروح)، (كابتن مصر)، (أحلام الربيع)، (أماني العمر)، (أيامنا الحلوة)، (نداء الحب)، (قتلت زوجتي)، (الغريب)، (الجريمة والعقاب)، (سجين أبو زعبل)، (الوسادة الخالية)، (إسماعيل ياسين فى الأسطول)، (بور سعيد)، (طريق الأمل)، (حتى نلتقي)، (سواق نص الليل)، (توحة)، (بحبوح أفندي)، (حياة امرأة)، (جميلة بوحريد)، (بافكر في اللي ناسيني)، (الله أكبر).

(الحب الأخير)، (المرأة المجهولة) بالإضافة للفيلم الكوميدي (سر طاقية الإخفاء)، وبالطبع أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما العربية (دعاء الكروان).. وبداية من فترة الستينيات بدأ مشوارها التليفزيوني فكانت أحد رواده الأوائل، حيث بدأت بمسلسل (بنت الحتة) الذي حقق نجاحاً لا يوصف.. ثم شاركت في أفلام (رجل بلا قلب)، (ثلاث وريثات)، (الرباط المقدس)، (نهر الحب)، (زوج بالإيجار)، (في بيتنا رجل) و(أنا وبناتي)، (الترجمان)، (عاشور قلب الأسد).

وفي عام 1962 قدمت (غداً يوم آخر)، (الليالي الدافئة)، (ملك البترول)، (جمعية قتل الزوجات)، (أنا الهارب)، وابتداءً من عام 1963 بدأت تقلل من أفلامها السينمائية فاعتذرت عن عدد كبير من الأفلام فلم تقدم في عام 1963 سوى فيلم (المجانين في نعيم) مع إسماعيل ياسين وفي عام 1964 قدمت فيلمين هما (من أجل حبي)، (بنت الحتة) الذي تم تحويله للسينما بعد نجاحه الضخم في الإذاعة.. وفي عام 1965 اكتفت بفيلم (الشقيقان) .

وعام 1966 (مبكى العشاق) و(الزوج العازب)، ثم عادت في عام 1967 لتكثف نشاطها السينمائي، فقدمت (أشجع رجل في العالم)، (الست الناظرة)، (ابن الحتة) ليرد على (بنت الحتة) بالإضافة إلى فيلم (اللقاء الثاني) الذي كان بمثابة النقلة الكبرى في حياتها لأدوار الأمومة.

أجمل الذكريات

في بداية حياتها الفنية، وبعد أن اشتركا معاً في الفيلم الشهير (رد قلبي)، تزوجت زهرة من الفنان الراحل صلاح ذوالفقار، لكن لم يستمر زواجهما سوى عام واحد، انفصلا بعده وظلا صديقين وزميلين فقط، ومن ثم تزوجت المخرج حسن الصيفي، عاشت معه 42 عاماً كانت الأجمل طوال عمرها حتى وافاه الأجل قبل عدة سنوات، وأنجبت منه ابنتيها (أمل) والمخرجة (منال)..

وعلى الرغم من إيمانها المطلق بالقضاء والقدر وبالموت، فإن شعورها برحيل زوجها حسن الصيفي كان صعباً للغاية، فقد كان يمثل بالنسبة إليها كل شيء، فهو الرجل الذي عاشت معه أجمل وأحلى سنوات عمرها، لم تلق منه سوى كل معاملة حسنة تتمناها المرأة، عاشت معه أكثر مما عاشت مع أبيها وأمها وأخواتها، رحلتها معه كانت طويلة وبصماتها محفورة في كل لمحة جميلة في حياتها.

القاهرة - دار الإعلام العربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات