EMTC

سينما

«خزانة الألم» ملحمة عن بشاعة الحرب

صورة

بعض المخرجين عندما يحاولون تقديم الحروب ببشاعتها وآلامها في أفلامهم، يتوقفون أمام الأحداث الضخمة والأبطال والمشاهير، أما بالنسبة لفيلم «خزانة الألم ـ The Hurt Locker» والذي يعرض هذا الأسبوع في صالات السينما بالإمارات، فيتناول موضوع الحرب فيه ما حدث لأفراد فريق خاص بالمتفجرات في القوات الأميركية أثناء وجودهم بالعراق.

وما قدمته المخرجة كاثرين بيغلو ببراعة على مدى 122 دقيقة في هذا الفيلم أحداث حقيقية كشفتها وثائق تم الإفراج عنها من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)، وكتب السيناريو لها الصحافي مارك بول الذي رافق هذه الوحدات لفترة طويلة، ورصد الحياة اليومية لأفراد هذه الفرقة في إحدى المدن التي تخيم عليها أجواء القتال. وتظهر اللقطات والمشاهد التوتر الذي يصيب الجنود بمجرد دخولهم إلى المدينة العراقية، فمهمتهم ليست بالسهلة أو البسيطة، وهي تفكيك القنابل التي زرعتها المقاومة على طريق القوات الأميركية وعلى جوانب الشوارع، إلا أن الجنود يكتشفون من خلال تعاملهم مع هذه المتفجرات مشاعر الكراهية التي تحيط بهم من قبل السكان سواء في البلكونات أو أسطح المنازل أو مآذن المساجد المنتشرة في كل مكان، كما أن مجموعات المقاومة ليس لها شكل محدد، فأي شخص يمكن أن يطلق عليهم النار في أية لحظة ويفجر العبوات الناسفة عن بعد بالموبايل أو الريموت كونترول.

ويبدأ الفيلم بعبارة «الحرب إدمان» والتي وضعت بتعمد واضح لتدفعنا إلى التفكير في هذا النوع من المخدرات والمدمنين عليها، وتدخلنا الأحداث مباشرة إلى عام 2004 أي بعد مرور عام على الغزو الأميركي للعراق، من خلال ثلاثة رجال يتحركون في كل الاتجاهات من أجل تمشيط المكان وإبطال مفعول قنابل المقاومة ذات العبوات الناسفة المحلية الصنع وكذلك القضاء علي زارعيها. وتفاجئنا الأحداث بالشخصية المغامرة أو المدمنة على الحروب، وهو القائد الجديد للمجموعة جيمس «جيرمي رينير» الذي حل بديلا عن زميله السابق، الذي تطاير جسده في بداية الفيلم بعد انفجار عبوة ناسفة كان يحاول إبطال مفعولها، حيث يتمتع جيمس بجرأة استثنائية؛ فهو يفخر بكونه وفق في إبطال مفعول 873 قنبلة.

كما أنه يندفع بقوة نحو الهدف دون مراعاة للأنظمة والضوابط التي يحرص زميله سانبورن «أنتوني ماكي» على التقيد بحذافيرها لرفضه المغامرة التي يمكن أن تكلفه حياته، فيما يقف زميلهم الثالث ألديريج «بريان كريثي» في موقع الوسط، فهو لا يريد أن يقتل ولا أن يقتله أحد، ورعبه من فكرة الموت تجعله مترددا وحريصا من أجل العودة إلى وطنه سالما، ويبرز سيناريو الفيلم رؤية كل منهم للواقع الذي دخلوا فيه وكيفية أداء كل منهم وسط الانفعال والخوف الذي يحكم ظروف عملهم.

وينضم فيلم «خزانة الألم» الذي تم تصويره في الأردن والكويت إلى سلسلة الأعمال التي تناولت الحرب على العراق من وجهة نظر عسكرية أميركية مع تجاهل تام للجانب العراقي في هذه القضية، وهو ما يشكل احد المآخذ عليه، على الرغم من تجنبه التحيز لأي طرف وتركه الخطوط ترسم مآسي الحروب وويلاتها.

وخصوصا تأثيرها على الشعب الذي يقدم قربانا لهذه الصراعات، ولعل المشهد الذي يظهر فيه عراقي مكبلا بالسلاسل ومربوطاً وسطه بعبوات ناسفة موقوتة يعبر عن وحشيتها، والأكثر منه رعبا صورة الطفل الذي أطلق على نفسه لقب «بيكهام» لعشقه لعب كرة القدم، والذي يعمل بائعا لأقراص السي دي الممغنطة وأفلام الفيديو قرب معسكر الأميركيين، ينقل إلى موقع مجهول ويعذب ثم يقتل ببشاعة بعدما اعتبر متعاونا مع العدو، ويتم زرع عبوات ناسفة في أحشائه لتفجيرها عند نقل جثمانه.

ويأتي «خزانة الألم» في مقدمة أفضل الأفلام التي تناولت الحرب العراقية حتى الآن، وقد اختارته رابطة نقاد السينما في لوس انجلوس كأفضل فيلم خلال هذا العام، بخلاف تنافسه على جوائز الأوسكار التي يتم الإعلان عنها في مارس المقبل، وترشحه لثمان من جوائز أكاديمية الفيلم البريطانية «بافتا» وهي: أحسن فيلم ومخرج وممثل وسيناريو أصلي وتصوير ومونتاج وصوت ومؤثرات بصرية.

المدهش هنا، أن هذا الفيلم الذكوري في شخصياته وأحداثه أخرجته امرأة وهي التي خططت لكي يكون ملحمة صادمة عن بشاعة الحرب بالصورة، فكل لقطة تفتح الطريق للقطة أخرى في بناء فني رائع يتصاعد مع اختيار أماكن التصوير ودرجات الإضاءة وحركة الكاميرا وطريقة أداء الممثلين التي تتضافر في انسجام كامل دون نشاز أو خلل.

مع بقية المهارات الفنية من مونتاج وتأثيرات صوتية وبصرية مع كتابة سينمائية بحرفية عالية للشخصيات الرئيسية، التي أجمع أغلب النقاد، إن لم يكن كلهم، على توفيق المخرجة كاثرين بيغلو في اختيار أبطالها الثلاثة الذين لا ينتمون لنجوم الصف الأول، ونجحت بالفعل في صنع حالة سينمائية جذابة ومثيرة للجدل دون الاستعانة بوجوه هوليوود المألوفة.

الفيلم: خزانة الألم

إخراج: كاثرين بيغلو

بطولة: جيرمي رينير، أنتوني ماكي

التصنيف: حركة، دراما

مدته: ساعتان و2 دقيقة

تكلفته: 11 مليون دولار

دبي ـ أسامة عسل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات